تعليم اللغة العربية الأسس، والإجراءات
تعليم اللغة العربية
الأسس، والإجراءات
محاضرة من إعداد الأستاذ الدكتور
محمد العيد رتيمة
أستاذ التعليم العالي لفقه اللغة
بكلية الأداب واللغات/جامعة الجزائر
2002- السنة الدراسية 2001
يقول الإنجليز: "إ ّ ن ك ّ ل م درس أو معّلم في المدرسة هو
معّلم للغة الانجليزية، على نحو تطبيقي
غير مباشر حين ي درس مادته...
وإ ّ ن هناك أ ولا ودائما وقبل ك ّ ل شيء
هذه اللغة المشتركة، التي يجب أن
نعتمدها في إيصال المعرفة، ونقل
الأفكار، وإشاعة الثقافة، وتأصيل القيم،
وبالتالي في بناء مجتمع منسق متوازن".
1-1 : إ ّ ن واقع تعليم اللغة العربية -ولاريب- ليس خ يرا كله كما يريده محبوها .
وليس ش را كله -أيضا- كما يريده مبغضوها. وبعيدا عن المدح، وبعيدا كذلك عن
القدح، فقد حقق تعليم اللغة العربية قدرا صالحا من التقدم في بعض جوانبه -رغم
نقص الع دة وقلة العتاد- وإن كان ماحققه لم يكن بقدر الطموح المنشود، والأمل
المعقود على تدريسها. وهذا مايبرر بعض الشكوى من المنصفين المحبين للعربية والعالمين
باسراررها الغيورين عليها الأملين نجاح أبنائها فيها وأحفادنا، كما نجح فيها وا آباؤنا
وأجدادنا فكانت لغة العلم والعمل، ولغة الدين والدنيا، لغة المشاعر والأفكار، لغة
الحضارة الرائدة، أما شكاوى وصيحات المتحاملين المنكرين لما تحقق فأغراضهم
معروفة، ونواياهم مكشوفة.
2-1 : إ ّ ن طريق اللغة العربية وتعليمها مازالت طويلة، والجهود المبذولة مازالت
مقص رة، والأهداف المسطرة، والملامح المأمولة في كل مراحل التعليم مازال تحقيقها
بعيدا، رغم جهود جحافل من المعلمين والأساتذة والموجهين الذين ينهضون بتعليم
اللغة، ووجود أعداد معتبرة من التلاميذ والطلبة الذين يتكلفون تعلمها، والكل يعي
كل الوعي أهمية اللغة في وحدة الثقافة والأفكار والقيم والمشاعر، بل وحدة الأمة
نفسها. فما سبب هذا القصور والتقصير؟ أفي الأسس النظرية؟ أم في الإجراءات
العملية؟
1-2 : اللغة العربية: تأسيس وتأصيل وتفصيل
أ- اللغة تأسيس: إ ّ ن حال اللغة العربية من حيث التأسيس لاتختلف عن حال اللغات
الإنسانية الأخرى. فقد تناول علماء العربية وفقهاؤها النظريات نفسها التي تناولها
علماء اللغويات "اللسانيات" في نشأة اللغة الإنسانية، وأفاضوا القول تحليلا وتفصيلا
وتعليلا في أهم تلك النظريات وهي النظرية التوقيفية والنظرية الإصلاحية التواضعية،
والنظرية الطبيعية أو نظرية المحاكاة،( 1) وذهبوا في ذلك مذاهب أصلوا لها من قرءام
كما أصلت بقية الأمم من كتبها المقدسة، فهي بذلك ولذلك -كما استنتجوا-
لاتختلف ولم تختلف ولن تختلف عن بقية اللغات الإنسانية الأخرى -إن لم تفقها- من
حيث التأسيس.
ب- اللغة تأصيل: لقد كان لعلماء العربية- في النظر إلى اللغة العربية، واللغة
الإنسانية- عموما من حيث التأصيل- السبق إلى الدراسة الموضوعية للغة، والنظرة
العلمية لتحديدها من حيث مادا ونشأا، وأغراضها، فهي عندهم كما يقول إبن
جني:"أصوات يعبر ا كل قوم عن أغراضهم( 2) " وهذا التحديد التأصيلي هو قاعدة
جامعة مانعة، إذ ما من لغة في العالم قديمه وحديثه، إلا وكانت منطوقة قبل أن تصبح
مكتوبة بآلاف ال سنين. ولهذا السبب كانت عناية علماء العربية بدراسة الأصوات
كبيرة وعميقة، حتى قال عنهم بعض المنصفين من الغربيين مثل العالم اللغوي الإنجليزي
فرث "Firth " مشيدا بجهود علماء العربية في هذا الميدان: "إ ّ ن علم الأصوات ش ب ونما
في أحضان لغتين مقدستين هما: العربية والسنسكريتية" واعترف كذلك برجستراسر
"Bergestrasser " في هذا اال بسبق علماء اللغة العرب والهنود إلى الدراسة العلمية
للأصوات حيث قال:لم يسبق الغربيين لهذا العلم إ ّ لا قومان من أقوام المشرق، هما أهل
الهند والعرب( 3)" لذلك، وذا ال سبق كان تأكيد العرب أهمية الجانب الصوتي في الأداء
اللغوي لأ ّ ن اللغة تأدية واستعمال وتمثل، وأ ّ ن الأداء التمثلي يحمل من ال دلالات ما
لاتفصح عنه الكتابة. وعليه فإ ّ ن تعليمها وتعلمها يجب أن يبدأ من هنا، وما القواعد إلا
تعليل للمنطوق ال صحيح الفصيح، وضبط لما سينطق على مثاله ويقال على قياسه،
وقديما قال أبو علي الفارسي: "ك ّ ل ما قِي س على كلام العرب فهو من كلام العرب
( وإن لم تقله (العرب)."( 4
وليست القواعد وحفظها غاية -كما يفعل بعض معلمي اللغة- فما هي إلا
وسيلة مساعدة على الوصول إلى الكلام ال صحيح واللفظ الفصيح والكتابة ال سليمة
نسجا على "سمت كلام العرب (الفصحاء البلغاء) في أصواته ومبانيه واعرابه المبين عن
معانيه". ولنا في القرءان الكريم خير دليل وأوضح مثال وارقى أنموذج حيث تعليمه
وتعلمه أداء واستعمالا وتمثلا عن طريق المشافهة التي تعطي لكل حرف حقه
ومستحقه، رغم أ ّ ن رسمه الكتابي يبرز أوجه التطابق الادائي وال دلالي.
ج- اللغة تفصيل: إ ّ ن اللغة من حيث التفصيل هي:"مجموعة علامات ذات دلالة
جمعية مشتركة، ممكنة النطق من كل أفراد اتمع المتكلم ا، وذات ثبات نسبي في كل
موقف تظهر فيه، ويكون لها نظام محدد، تتألف بموجبه حسب أصول معينة، وذلك
لتركيب علامات أكثر تعقيدا"( 5) كما تع رف بأنها:"تتألف من رموز
تنتظم فيما بينها مقاطع صوتية وكلمات وجمل."
وينتشر في اللسانيات الحديثة تصور عن اللغة بأا جملة أنظمة (وبشكل أدق نظام
يتألف من أنظمة صغرى) مستقلة ذاتيا (على الرغم من أا متفاعلة فيما بينها )
وتشتمل على عدد محدد من العناصر غير القابلة للتجزئة ضمن النظام الواحد، وعلى
قواعد تنظم تأليف العناصر بعضها مع بعض لتشكيل نصوص مبنية بشكل صحيح،
وهكذا يظهر النظام اللغوي على هيأة أنظمة صغرى، يؤدي التفاعل بينها إلى تحريك
جهاز اللغة. ويمكن تحليل أ ي لغة وردها إلى نظام من الأصوات، ونظام صرفي ونظام
( نحوي...."( 6
1-3 : تعليم اللغة وتعلمها:
لايمكن لمعلمها أ ولا، ولمتعملها ثانيا إدراك خصائصها المميزة وامتلاك ناصيتها،
واستعمالها الاستعمال الأمثل نطقا وكتابة في مختلف مجالات الحياة ما لم يدرك أنظمتها
المذكورة وعلاقاا ليحقق الأهداف من تعليم اللغة العربية وتعّلمها. حيث ينص منهاج
التعليم الأساسي للطور الأول الصادر عن مديرية التعليم الأساسي بوزارة التربية
الوطنية سنة 1996 في صفحته الثامنة، تحت عنوان "متطلبات تحقيق الأهداف" في
بنده الأول المرسوم ب: "اكتساب أدوات التعلم"- "على أن تخصص البرامج-
بالإضافة إلى المضمون- طريقة ملائمة، ووقتا كافيا للتدريب على ممارسة اللغة نطقا
وقراءة وكتابة حتى يصبح الأطفال قادرين على استعمالها بيسر في مجالات التعلم
( والتبليغ"( 7
ومن المعلوم عند كل اللغويين أ ّ ن ممارسة اللغة نطقا لاتتسنى بشكل صحيح
وأداء سليم إلا بانموذج مثالي يستوجب المعرفة العميقة، والملاحظة الدقيقة، والخبرة
الطويلة بخصائص الأصوات ومعرفة مخارجها وصفاا المميزة للنطق ا بشكل صحيح
وأداء سليم معبر عن معانيها، كاشف عن مراميها وذلك بإعطاء كل صوت حقه
ومستحقه، لأ ّ ن الخطأ في ذلك لايغتفر لما يترتب عليه من تحريف في المضمون زيادة عن
الخروج عن سمت الأداء إذ أن تغيير صفة واحده من صفات الصوت نطقا والحرف
كتابه للج ر عنه تغيير في المعنى مثل ماهو واضح بين كلمتي (تين وطين). وكيف
يتمكن من لايعبر هذه المسألة في المستوى الصوتي القاعدي لبنية اللغة أهمية قصوى من
تحقيق مانصت عليه مناهج التعليم الأساسي "التي تركز-في الطور الأول- على تعليم
الأطفال القراءة والكتابة، وذيب لغتهم، وتدريبهم على التعبير الصحيح"( 8) كما جاء
.!في مناهج الطور الثاني ص 62 . فهل يستقيم الظل والعود أعوج؟
لذلك فإننا نأمل من الإطار التوجيهي أن يركز في زياراته وندواته التكوينية
والتربوية. على هذه الأسس المعرفية الأساسية التي بدوا لايمكن لأحداث الطرائق
التعليمية وأوفر الوسائل وأنجع المناهج وأنجح البرامج أن تحقق الأهداف المطلوبة
والطموحات المأمولة" "لأن فاقد الشيء لايعطيه" كما نأمل منهم أن يوكلوا مهمة
تعليم اللغة إلى أكفإ المعلمين وأكثرهم خبرة وأعمقهم معرفة شأن ماهو حادث عند
أرقى الأمم. إذ على الأساس يسمق البناء ويعلو. ورغم كل ماسبق فإنه ليس من الحق
ولا من الانصاف ولا من العلم والموضوعية أن يغمط معلمو العربية وموجهوهم
حقوقهم أو تبخس جهودهم فقد حققوا نتائج طيبة واجتهدوا رغم قلة الع دة المعرفية
والمهارة الفنية، ورغم أم يبنون وغيرهم، ما أكثر الغير -يهدمون وقديما قيل:
متى يبلغ البنيان يوما أش ده
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
فإذا كانوا (معلمو العربية وموجهوهم) وحدهم يوحدون الألسنة وغيرهم
يعدد، وهم يجمعون وغيرهم يفرق ويبدد. ومن البداهة أ ّ ن النقض أسهل، والهدم
أبسط، والجمع أعسر، والتشتيت أيسر، وصدق من قال:
أرى ألف باْنٍٍ لايقوم لها بنىً
فكيف ببانٍ خلف هُ ألف هادم
وليس ماذكرنا تبريرا للقصور والتقصير، ولارضى بالبذل والمبذول في تعليم
اللغة العربية، لكنه يجب بالضرورة الحتمية على اتمع- قبل الحكم على معلمي اللغة
العربية وموجهيهم- أن يسأل نفسه ماذا قدم لهؤلاء أ ولا؟ وماهو واجب اتمع بكل
مكوناته إزاءهم وإزاء العملية التعليمية حتى تحقق الوظائف المنوطة ا، والأهداف
المنتظرة منها؟.
ومع ماسبق فإ ّ ن معلم العربية مطالب بمعرفة عميقة بخصائص اللغة ومميزاا،
كما هو مطالب باكتساب مهارة فنية لأحدث ماوصلت إليه البحوث التربوية، ولنا في
تراثنا خير الأمثلة لبلوغ الأهداف وتحقيق الغايات، بمناهج أصيلة، وطرائق مفيدة،
ومعرفة أكيدة، اثبتت عبر التاريخ بشواهد قطعية نجاعتها، وبلوغ مراميها، وتوصيل
خطاباا وفهم متلقيها، نعتقد أا كفيلة بالايفاء بالمطلوب، وتحقيق المرغوب من تعليم
اللغة العربية شريطة تظافر جهودجميع المعلمين مهما كان اختصاصهم وتخصصام
المعرفية مع معلمي اللغة العربية لأ ّ ن اللغات التي حققت الريادة والتقدم والسبق كاللغة
الانجليزية مثلا ماكان لها أن تبلغ مابلغت لولا تطبيق أهلها لمقومام التي افتتحنا ا
هذه المحاضرة وهي: "إ ّ ن كل معلم أو مدرس في المدرسة، هو معلم للغة الإنجليزية، على
نحو تطبيقي غير مباشر حين يدرس مادته.... وأ ّ ن هناك أ ولا ودائما وقبل كل شيء
هذه اللغة المشتركة التي يجب أن يعتمدها في إيصال المعرفة ونقل الأفكار، وإشاعة
الثقافة، وتأصيل القيم، وبالتالي، في بناء مجتمع منسق متوازن" لذلك فإنه علينا
كموجهين أن نشعر كل معلم أو مدرس انه معلم للغة العربية في كل المواد والأنشطة
التعليمية على نحو تطبيقي غير مباشر حين يدرس مادته. وأ ّ ن هناك أ ولا ودائما وقبل
كل شيء هذه اللغة المشتركة.
وعلينا فوق ذلك كله أن نستوجب من معلمي اللغة العربية أو حين قيامهم
بتدريس المواد والأنشطة التعليمية اللغوية -على اعتبار أ ّ ن معلمي التعليم الأساسي في
الطورين الأول والثاني غير متخصصين يدرس كل واحد منهم كل المواد والأنشطة-
فعليهم أن يستحضروا كل معارفهم اللغوية، وبخاصة القواعد الصوتية والصرفية
واللغوية "لاكغاية مستقلة بذاا- ولكن تمثلا وأداء صحيحا نطقا وكتابة في الطور
الأ ول، واعتبارها واسطة لارشاد التلاميذ إلى الأداء ال سليم للأصوات وملاحظة
التطورات التي تحدث اورة بعضها بعضا متنوعة بتنوع المعاني. "وارشادهم إلى
التطورات ال صرفية التي تطرأ على الكلمة بوصفها كلمة، وعلى التطورات النحوية
التي تطرأ عليها لدى إدخالها في الجملة، وذلك حتى يتمكنوا من أدائها أداء سليما
وكتابتها بطريقة صحيحة، وإذا تعلم التلاميذ جميع قواعد الصوت والصرف والنحو،
ولم يعرفوا كيفية تطبيقها على لغتهم، حتى تأتي سليمة خالية من الخطإ، فإ ّ ن جميع
جهودهم التي يبذلوا لتعلم قواعد اللغة تذهب عبثا"( 9) لأ ّ ن القواعد ماهي إ ّ لا ضوابط
تعصم اللسان والقلم من الوقوع في الزلل واللحن لما يترتب عن ذلك من تغير المعنى
وانحراف القصد وسوء الفهم والإفهام لذلك فإ ّ ن عملية تعليم اللغة تقتضي إلماما أ وليا
على الأقل بقضايا اللغة. وذلك لأ ّ ن من يرغب في تعليم اللغة لايكون بمقدوره الإلمام
بعمله على نحو فعال مالم تكن له الخبرة الكافية باللغة وبطرق تحليلها وطرائق
تعليمها"( 10 ) ومن هذه الزاوية بإمكاننا التكلم عن العلاقة بين اللسانيات أو علم اللغة
الحديث وبين عملية تعليم اللغة، والتي على معلم اللغة وموجهه إدراك أهمية هذه
العلاقة. لأا أداة ضرورية ج دا لتحديد هدف تعليم اللغة وتوضيحه، باعتبار أ ّ ن
اللسانيات أداة وصفية وتحليلية في متناول أستاذ اللغة تساعده في عملية التعليم حيث
تقوم بوصف اللغة وصفا موضوعيا، وبتحليلها تحليلا علميا. فتنظر معرفتنا بطبيعة
اللغة، وبطبيعة استعمال الإنسان لغة في ظروف التكلم المختلفة، وبالعلاقات القائمة
بين متكلم اللغة وبين مجتمعه.
1-4 : دور اللسانيات في عملية تعليم اللغة:
يتضح دور اللسانيات في عملية تعليم اللغة من خلال تحديد هذه العملية
باعتبارها عملية إدراك متعمق ومتيقظ عند التلميذ لاستعمال اللغة في اتمع حيث
توفر اللسانيات لأستاذ اللغة الوصف الدقيق للغة ولظروف استعمالها لأ ّ ن الأسئلة
الملحة التي تطرح نفسها على أستاذ اللغة هي: ماذا يعلم تلاميذه؟ وماهي حاجام
التعليمية؟ وأية نظرية لسانية يجب أن يعتمدها على ضوء الحاجات؟.
إ ّ ن التحليل اللساني العلمي للغة يهدف إلى تحديد بنية اللغة ووصفها وتفسيرها
فتزود بذلك معلم اللغة بالأسس المعرفية، وتمكنه من إدراك كيفية إنتاج متكلم اللغة
حمل لغته لأنه اكتسب بصورة ضمنية قواعد اللغة الكامنة ضمن كفايته اللغوية، فيق وم
من قواعد الكفاية وصور الأداء التطبيقي لها مايراه مخالفا لقواعد وأنماط التراكيب
الأدائية للغة المدرسة وفق نظرية النقل للعالم اللغوي (لادو) التي تعتمد التقابل والعملية
( التعليمية.( 11
ذلك لأ ّ ن القواعد التربوية التعليمية تقوم باختيار مادة تعليمية بالاعتماد على
القواعد اللسانية العلمية. وضرورة التمييز بين تعلم مسائل اللغة وبين تعليم كيفية
استعمال اللغة ومن المعلوم أن هدف تعليم اللغة يستهدف كيفية استعمالها في اتمع
من خلال تطوير معرفة المتكلم بقواعد اللغة من خلال م ده بتجربة لغوية موجهة
بواسطة الممارسة العملية الملائمة، وتوفير المادة الّلغوية.
1-5 : الإجراءات العملية في تعليم اللغة:
وتقوم على فهم الأسس اللسانية بعيدا عن الارتجالية، وبعيدا كذلك عن
الطرائق النمطية المفروضة أحيانا من قبل بعض الموجهين، بل يجب أن تستهدف الجواب
عن الأسئلة الآتية: ماذا يعلم معلم اللغة؟ وفي ظل أية نظرية لسانية؟ وما منهجية تعليم
اللغة التي يتوخاها؟ وما التحليل اللساني الذي يسلكه؟ وكيف يختار مادته التعليمية؟
وكيف يتدرج في تعليمها؟ كيف يعرضها؟ وكيف يختم درسه.
2-5 : إ ّ ن مايعلمه أستاذ اللغة لايخرج عن مجالات لسانية ثلاثة هي:
أ- اللسانيات العامة: وتمكننا من وصف موضوع تعليم اللغة، فنقول مثلا إ ّ ن الأستاذ
يعلم تلاميذه مايلي:
♦ مجموعة فئات نحوية كالأسهم والفعل والحروف والأدوات. 1
♦ مجموعة قواعد تركيب الجمل وأنماطها. 2
♦ لوائح بمفردات معجمية. 3
♦ لائحة أصوات لغويّة. 4
♦ مقاطع إيقاعية ونبرات صوتية. 5
"وقد بلغت اللسانيات العامة بمختلف مدارسها منهجيات علمية ثابتة أسهمت
( إسهاما فعالا في وصف اللغة، وتصنيف عناصرها ودراسة العلاقات القائمة بينها"( 12
كما عملت على تفسير قضايا اللغة وبناء قواعد الكفاية اللغوية التي تقود عملية
التكلم أو الأداء الكلامي.
ب- اللسانيات الاجتماعية: ومن هذه الزاوية ينبغي تعليم التلميذ قواعد استعمال
اللغة في اتمع، وتطوير كفاءته اللغوية التواصلية، أي أن نكسبه المعرفة الضمنية
بقواعد التواصل اللغوي في اتمع، التي تفسر قدرة الإنسان على استعمال لغة في
ظروف التواصل المختلفة القائمة في بيئته الاجتماعية. وهذا اال يساعد أستاذ اللغة
على تحديد المادة التي يعلمها.
ج- اللسانيات النفسية: وذلك بوصف موضوع تعليم اللغة -من هذه الزاوية-
بأنه مجموعة مهارات كلامية، أو نشاطات لغوية، تمثل خبرة الإنسان وأفكاره وتفاعله
مع المحيط: ويساعد هذا اال معلم اللغة في عملية تحديد المادة اللغوية التي يعلمها،
( وعلى تفهم اللغة من حيث هي ميزة خاصة بالإنسان".( 13
واعتمادا على االات الثلاثة المذكورة يمكن تعليم اللغة وفقا للاتجاه
التجديدي الذي يشمل القضايا الآتية:
التعليم كمحادثة.. 1
المحادثة كتعامل.. 2
التعامل كتحركات ورد فعل للتحركات.. 3
التحركات متولدة من سجل معين.. 4
السجل بتنظيم متفرع من القواعد المناسبة للوظائف المختصة.. 5
التفاعل في القسم يخضع للسجل التعليمي.. 6
على أنه لايمكن أن نعالج المكونات السابقة إلا وفق منهجية تعليمية معينة.
3-5 : منهجية تعليم اللغة:
إ ّ ن المعرفة الّلسانية والإلمام بقضايا اللغة لايكفي للقيام بالعملية التعليمية
اللغوية، بل يقتضي تعليم اللغة إتباع منهجية علمية واضحة تنص على القضايا اللغوية
التي يجب تعليمها، وعلى الترتيب المتبع في تعليمها، وعلى طرق تقديم المواد وممارستها .
فمنهجية تعليم اللغة تشتمل على المسائل الآتية:
أ- التحليل اللساني للمادة المدرسة: لبناء استراتيجية التعلم عبر الممارسة
اللغوية المختصة، وليس من خلال تلقينه قضايا اللغة.
ب- اختيار المادة التعليمية: التي تناسب تلاميذه والتي يحتاجوا في حيام وفق
مستواهم والوقت المقرر لذلك مستعينا في ذلك بنتائج الدراسات اللسانيات
الإحصائية لاختيار المسائل اللغوية التي يجب انتقاؤها لتدريسها وفق الهدف
المحدد.
ج- التدرج في تعليم اللغة: وذلك باعتماد التركيب الذي يراعي السهولة
والانتقال من العام إلى الخاص وتواتر المفردات "وتعود دراسة هذه المسائل إلى
نظرية الأداء الكلامي التي تندرج ضمنها قواعد الإرسال والالتقاط، وظروف
التكلم"( 14 ) بداية بالعام، والمفردات الأساسية الأكثر تواترا.
د- عرض المادة اللغوية: وذلك بتقديم المادة بصورة هادفة وواضحة، بمختلف
الوسائل المعتمدة لعرض المادة (الكتاب، التسجيل ...الخ) وهذه المنهجية على
علميتها ليست صارمة وهي تشتمل على تحديد شكل اللغة، ومراحل تعليمها
وترتيب هذه المراحل غير أ ّ ن وحدات العرض يجب أن تخضع لتقسيم الوقت بين
الوحدات كما تخضع بصورة مباشرة إلى مصدقية تطوير إدراك اللغة والتعبير ا .
ومع ذلك فيجب أن تتظافر جهود كل المعلمين لتعليم اللغة على نحو تطبيقي غير
مباشر حين يدرسون أية مادة باعتمادهم اللغة المشتركة الصحيحة الفصيحة في
نقل المعرفة، وإيصال الأفكار، وإشاعة الثقافة وماذلك على محبي لغتهم المعتزين
بدينهم وانتمائهم الحضاري بعزيز والله ولي كل توفيق ونجاح وهو من وراء
القصد والمثيب على الجهد.
ا.د.محمد العيد رتيمة
*المصادر والمراجع*
انظر في ذلك ك ّ لا من:. 1
أ- الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها- أحمد بن فارس.
ب- الخصائص- لابن جني تحقيق محمد علي النجار.
ج- فقه اللغة، علم المعرفة د/علي عبد الواحد وافي.
د- دراسات في فقه اللغة د/ صبحي الصالح.
2.. الخصائص، ابن جني، ج 1، ص 33
3.. التطور النحوي- يرجستراسر، تعريب عبد المنعم عبد الله محمد، ص 11
الخصائص- ابن جني، ج 2، باب القياس.. 4
5.. محاضرات وتطبيقات في علم النفس اللغوي- د/خير الله ص 33
6.. مدخل إلى اللسانيات العامة والعربية ا.د.جعفر دك الباب ص 47
7.. مناهج التعليم الاساسي للطور الأول، وزارة التربية الوطنية، طبعة 1966 ص 8
8.. مناهج التعليم الاساسي للطور الثاني، وزارة التربية الوطنية، طبعة 1966 ص 62
9.. التربية العملية التطبيقية- أحمد مختار عضاصة، ص 280
10.. مباحث في النظرية الالسنية وتعليم اللغة- د.ميشال زكريا، ص 9
11.Sauteroce M.Michel: Grammaire, linguistique et didactique du Français, langue étrangère,
proposition pour
pour grammaire traditionnelle p 325.
12.. الألسنية وتعليم اللغة، د.ميشال زكريا ط 1982 ص 26
ينظر في هذا*- ابحاث تشومسكي وكتبه، خاصة موضوع [الكفاءة والأداء].. 13
النظرية الألسنية وتعليم اللغة، ص 125 فصل-نظرية الخطاب.. 14
الجمهورية الجزائريةhttp://www.infpe.edu.dz
وزارة التربية الوطنية
الأسس، والإجراءات
محاضرة من إعداد الأستاذ الدكتور
محمد العيد رتيمة
أستاذ التعليم العالي لفقه اللغة
بكلية الأداب واللغات/جامعة الجزائر
2002- السنة الدراسية 2001
يقول الإنجليز: "إ ّ ن ك ّ ل م درس أو معّلم في المدرسة هو
معّلم للغة الانجليزية، على نحو تطبيقي
غير مباشر حين ي درس مادته...
وإ ّ ن هناك أ ولا ودائما وقبل ك ّ ل شيء
هذه اللغة المشتركة، التي يجب أن
نعتمدها في إيصال المعرفة، ونقل
الأفكار، وإشاعة الثقافة، وتأصيل القيم،
وبالتالي في بناء مجتمع منسق متوازن".
1-1 : إ ّ ن واقع تعليم اللغة العربية -ولاريب- ليس خ يرا كله كما يريده محبوها .
وليس ش را كله -أيضا- كما يريده مبغضوها. وبعيدا عن المدح، وبعيدا كذلك عن
القدح، فقد حقق تعليم اللغة العربية قدرا صالحا من التقدم في بعض جوانبه -رغم
نقص الع دة وقلة العتاد- وإن كان ماحققه لم يكن بقدر الطموح المنشود، والأمل
المعقود على تدريسها. وهذا مايبرر بعض الشكوى من المنصفين المحبين للعربية والعالمين
باسراررها الغيورين عليها الأملين نجاح أبنائها فيها وأحفادنا، كما نجح فيها وا آباؤنا
وأجدادنا فكانت لغة العلم والعمل، ولغة الدين والدنيا، لغة المشاعر والأفكار، لغة
الحضارة الرائدة، أما شكاوى وصيحات المتحاملين المنكرين لما تحقق فأغراضهم
معروفة، ونواياهم مكشوفة.
2-1 : إ ّ ن طريق اللغة العربية وتعليمها مازالت طويلة، والجهود المبذولة مازالت
مقص رة، والأهداف المسطرة، والملامح المأمولة في كل مراحل التعليم مازال تحقيقها
بعيدا، رغم جهود جحافل من المعلمين والأساتذة والموجهين الذين ينهضون بتعليم
اللغة، ووجود أعداد معتبرة من التلاميذ والطلبة الذين يتكلفون تعلمها، والكل يعي
كل الوعي أهمية اللغة في وحدة الثقافة والأفكار والقيم والمشاعر، بل وحدة الأمة
نفسها. فما سبب هذا القصور والتقصير؟ أفي الأسس النظرية؟ أم في الإجراءات
العملية؟
1-2 : اللغة العربية: تأسيس وتأصيل وتفصيل
أ- اللغة تأسيس: إ ّ ن حال اللغة العربية من حيث التأسيس لاتختلف عن حال اللغات
الإنسانية الأخرى. فقد تناول علماء العربية وفقهاؤها النظريات نفسها التي تناولها
علماء اللغويات "اللسانيات" في نشأة اللغة الإنسانية، وأفاضوا القول تحليلا وتفصيلا
وتعليلا في أهم تلك النظريات وهي النظرية التوقيفية والنظرية الإصلاحية التواضعية،
والنظرية الطبيعية أو نظرية المحاكاة،( 1) وذهبوا في ذلك مذاهب أصلوا لها من قرءام
كما أصلت بقية الأمم من كتبها المقدسة، فهي بذلك ولذلك -كما استنتجوا-
لاتختلف ولم تختلف ولن تختلف عن بقية اللغات الإنسانية الأخرى -إن لم تفقها- من
حيث التأسيس.
ب- اللغة تأصيل: لقد كان لعلماء العربية- في النظر إلى اللغة العربية، واللغة
الإنسانية- عموما من حيث التأصيل- السبق إلى الدراسة الموضوعية للغة، والنظرة
العلمية لتحديدها من حيث مادا ونشأا، وأغراضها، فهي عندهم كما يقول إبن
جني:"أصوات يعبر ا كل قوم عن أغراضهم( 2) " وهذا التحديد التأصيلي هو قاعدة
جامعة مانعة، إذ ما من لغة في العالم قديمه وحديثه، إلا وكانت منطوقة قبل أن تصبح
مكتوبة بآلاف ال سنين. ولهذا السبب كانت عناية علماء العربية بدراسة الأصوات
كبيرة وعميقة، حتى قال عنهم بعض المنصفين من الغربيين مثل العالم اللغوي الإنجليزي
فرث "Firth " مشيدا بجهود علماء العربية في هذا الميدان: "إ ّ ن علم الأصوات ش ب ونما
في أحضان لغتين مقدستين هما: العربية والسنسكريتية" واعترف كذلك برجستراسر
"Bergestrasser " في هذا اال بسبق علماء اللغة العرب والهنود إلى الدراسة العلمية
للأصوات حيث قال:لم يسبق الغربيين لهذا العلم إ ّ لا قومان من أقوام المشرق، هما أهل
الهند والعرب( 3)" لذلك، وذا ال سبق كان تأكيد العرب أهمية الجانب الصوتي في الأداء
اللغوي لأ ّ ن اللغة تأدية واستعمال وتمثل، وأ ّ ن الأداء التمثلي يحمل من ال دلالات ما
لاتفصح عنه الكتابة. وعليه فإ ّ ن تعليمها وتعلمها يجب أن يبدأ من هنا، وما القواعد إلا
تعليل للمنطوق ال صحيح الفصيح، وضبط لما سينطق على مثاله ويقال على قياسه،
وقديما قال أبو علي الفارسي: "ك ّ ل ما قِي س على كلام العرب فهو من كلام العرب
( وإن لم تقله (العرب)."( 4
وليست القواعد وحفظها غاية -كما يفعل بعض معلمي اللغة- فما هي إلا
وسيلة مساعدة على الوصول إلى الكلام ال صحيح واللفظ الفصيح والكتابة ال سليمة
نسجا على "سمت كلام العرب (الفصحاء البلغاء) في أصواته ومبانيه واعرابه المبين عن
معانيه". ولنا في القرءان الكريم خير دليل وأوضح مثال وارقى أنموذج حيث تعليمه
وتعلمه أداء واستعمالا وتمثلا عن طريق المشافهة التي تعطي لكل حرف حقه
ومستحقه، رغم أ ّ ن رسمه الكتابي يبرز أوجه التطابق الادائي وال دلالي.
ج- اللغة تفصيل: إ ّ ن اللغة من حيث التفصيل هي:"مجموعة علامات ذات دلالة
جمعية مشتركة، ممكنة النطق من كل أفراد اتمع المتكلم ا، وذات ثبات نسبي في كل
موقف تظهر فيه، ويكون لها نظام محدد، تتألف بموجبه حسب أصول معينة، وذلك
لتركيب علامات أكثر تعقيدا"( 5) كما تع رف بأنها:"تتألف من رموز
تنتظم فيما بينها مقاطع صوتية وكلمات وجمل."
وينتشر في اللسانيات الحديثة تصور عن اللغة بأا جملة أنظمة (وبشكل أدق نظام
يتألف من أنظمة صغرى) مستقلة ذاتيا (على الرغم من أا متفاعلة فيما بينها )
وتشتمل على عدد محدد من العناصر غير القابلة للتجزئة ضمن النظام الواحد، وعلى
قواعد تنظم تأليف العناصر بعضها مع بعض لتشكيل نصوص مبنية بشكل صحيح،
وهكذا يظهر النظام اللغوي على هيأة أنظمة صغرى، يؤدي التفاعل بينها إلى تحريك
جهاز اللغة. ويمكن تحليل أ ي لغة وردها إلى نظام من الأصوات، ونظام صرفي ونظام
( نحوي...."( 6
1-3 : تعليم اللغة وتعلمها:
لايمكن لمعلمها أ ولا، ولمتعملها ثانيا إدراك خصائصها المميزة وامتلاك ناصيتها،
واستعمالها الاستعمال الأمثل نطقا وكتابة في مختلف مجالات الحياة ما لم يدرك أنظمتها
المذكورة وعلاقاا ليحقق الأهداف من تعليم اللغة العربية وتعّلمها. حيث ينص منهاج
التعليم الأساسي للطور الأول الصادر عن مديرية التعليم الأساسي بوزارة التربية
الوطنية سنة 1996 في صفحته الثامنة، تحت عنوان "متطلبات تحقيق الأهداف" في
بنده الأول المرسوم ب: "اكتساب أدوات التعلم"- "على أن تخصص البرامج-
بالإضافة إلى المضمون- طريقة ملائمة، ووقتا كافيا للتدريب على ممارسة اللغة نطقا
وقراءة وكتابة حتى يصبح الأطفال قادرين على استعمالها بيسر في مجالات التعلم
( والتبليغ"( 7
ومن المعلوم عند كل اللغويين أ ّ ن ممارسة اللغة نطقا لاتتسنى بشكل صحيح
وأداء سليم إلا بانموذج مثالي يستوجب المعرفة العميقة، والملاحظة الدقيقة، والخبرة
الطويلة بخصائص الأصوات ومعرفة مخارجها وصفاا المميزة للنطق ا بشكل صحيح
وأداء سليم معبر عن معانيها، كاشف عن مراميها وذلك بإعطاء كل صوت حقه
ومستحقه، لأ ّ ن الخطأ في ذلك لايغتفر لما يترتب عليه من تحريف في المضمون زيادة عن
الخروج عن سمت الأداء إذ أن تغيير صفة واحده من صفات الصوت نطقا والحرف
كتابه للج ر عنه تغيير في المعنى مثل ماهو واضح بين كلمتي (تين وطين). وكيف
يتمكن من لايعبر هذه المسألة في المستوى الصوتي القاعدي لبنية اللغة أهمية قصوى من
تحقيق مانصت عليه مناهج التعليم الأساسي "التي تركز-في الطور الأول- على تعليم
الأطفال القراءة والكتابة، وذيب لغتهم، وتدريبهم على التعبير الصحيح"( 8) كما جاء
.!في مناهج الطور الثاني ص 62 . فهل يستقيم الظل والعود أعوج؟
لذلك فإننا نأمل من الإطار التوجيهي أن يركز في زياراته وندواته التكوينية
والتربوية. على هذه الأسس المعرفية الأساسية التي بدوا لايمكن لأحداث الطرائق
التعليمية وأوفر الوسائل وأنجع المناهج وأنجح البرامج أن تحقق الأهداف المطلوبة
والطموحات المأمولة" "لأن فاقد الشيء لايعطيه" كما نأمل منهم أن يوكلوا مهمة
تعليم اللغة إلى أكفإ المعلمين وأكثرهم خبرة وأعمقهم معرفة شأن ماهو حادث عند
أرقى الأمم. إذ على الأساس يسمق البناء ويعلو. ورغم كل ماسبق فإنه ليس من الحق
ولا من الانصاف ولا من العلم والموضوعية أن يغمط معلمو العربية وموجهوهم
حقوقهم أو تبخس جهودهم فقد حققوا نتائج طيبة واجتهدوا رغم قلة الع دة المعرفية
والمهارة الفنية، ورغم أم يبنون وغيرهم، ما أكثر الغير -يهدمون وقديما قيل:
متى يبلغ البنيان يوما أش ده
إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
فإذا كانوا (معلمو العربية وموجهوهم) وحدهم يوحدون الألسنة وغيرهم
يعدد، وهم يجمعون وغيرهم يفرق ويبدد. ومن البداهة أ ّ ن النقض أسهل، والهدم
أبسط، والجمع أعسر، والتشتيت أيسر، وصدق من قال:
أرى ألف باْنٍٍ لايقوم لها بنىً
فكيف ببانٍ خلف هُ ألف هادم
وليس ماذكرنا تبريرا للقصور والتقصير، ولارضى بالبذل والمبذول في تعليم
اللغة العربية، لكنه يجب بالضرورة الحتمية على اتمع- قبل الحكم على معلمي اللغة
العربية وموجهيهم- أن يسأل نفسه ماذا قدم لهؤلاء أ ولا؟ وماهو واجب اتمع بكل
مكوناته إزاءهم وإزاء العملية التعليمية حتى تحقق الوظائف المنوطة ا، والأهداف
المنتظرة منها؟.
ومع ماسبق فإ ّ ن معلم العربية مطالب بمعرفة عميقة بخصائص اللغة ومميزاا،
كما هو مطالب باكتساب مهارة فنية لأحدث ماوصلت إليه البحوث التربوية، ولنا في
تراثنا خير الأمثلة لبلوغ الأهداف وتحقيق الغايات، بمناهج أصيلة، وطرائق مفيدة،
ومعرفة أكيدة، اثبتت عبر التاريخ بشواهد قطعية نجاعتها، وبلوغ مراميها، وتوصيل
خطاباا وفهم متلقيها، نعتقد أا كفيلة بالايفاء بالمطلوب، وتحقيق المرغوب من تعليم
اللغة العربية شريطة تظافر جهودجميع المعلمين مهما كان اختصاصهم وتخصصام
المعرفية مع معلمي اللغة العربية لأ ّ ن اللغات التي حققت الريادة والتقدم والسبق كاللغة
الانجليزية مثلا ماكان لها أن تبلغ مابلغت لولا تطبيق أهلها لمقومام التي افتتحنا ا
هذه المحاضرة وهي: "إ ّ ن كل معلم أو مدرس في المدرسة، هو معلم للغة الإنجليزية، على
نحو تطبيقي غير مباشر حين يدرس مادته.... وأ ّ ن هناك أ ولا ودائما وقبل كل شيء
هذه اللغة المشتركة التي يجب أن يعتمدها في إيصال المعرفة ونقل الأفكار، وإشاعة
الثقافة، وتأصيل القيم، وبالتالي، في بناء مجتمع منسق متوازن" لذلك فإنه علينا
كموجهين أن نشعر كل معلم أو مدرس انه معلم للغة العربية في كل المواد والأنشطة
التعليمية على نحو تطبيقي غير مباشر حين يدرس مادته. وأ ّ ن هناك أ ولا ودائما وقبل
كل شيء هذه اللغة المشتركة.
وعلينا فوق ذلك كله أن نستوجب من معلمي اللغة العربية أو حين قيامهم
بتدريس المواد والأنشطة التعليمية اللغوية -على اعتبار أ ّ ن معلمي التعليم الأساسي في
الطورين الأول والثاني غير متخصصين يدرس كل واحد منهم كل المواد والأنشطة-
فعليهم أن يستحضروا كل معارفهم اللغوية، وبخاصة القواعد الصوتية والصرفية
واللغوية "لاكغاية مستقلة بذاا- ولكن تمثلا وأداء صحيحا نطقا وكتابة في الطور
الأ ول، واعتبارها واسطة لارشاد التلاميذ إلى الأداء ال سليم للأصوات وملاحظة
التطورات التي تحدث اورة بعضها بعضا متنوعة بتنوع المعاني. "وارشادهم إلى
التطورات ال صرفية التي تطرأ على الكلمة بوصفها كلمة، وعلى التطورات النحوية
التي تطرأ عليها لدى إدخالها في الجملة، وذلك حتى يتمكنوا من أدائها أداء سليما
وكتابتها بطريقة صحيحة، وإذا تعلم التلاميذ جميع قواعد الصوت والصرف والنحو،
ولم يعرفوا كيفية تطبيقها على لغتهم، حتى تأتي سليمة خالية من الخطإ، فإ ّ ن جميع
جهودهم التي يبذلوا لتعلم قواعد اللغة تذهب عبثا"( 9) لأ ّ ن القواعد ماهي إ ّ لا ضوابط
تعصم اللسان والقلم من الوقوع في الزلل واللحن لما يترتب عن ذلك من تغير المعنى
وانحراف القصد وسوء الفهم والإفهام لذلك فإ ّ ن عملية تعليم اللغة تقتضي إلماما أ وليا
على الأقل بقضايا اللغة. وذلك لأ ّ ن من يرغب في تعليم اللغة لايكون بمقدوره الإلمام
بعمله على نحو فعال مالم تكن له الخبرة الكافية باللغة وبطرق تحليلها وطرائق
تعليمها"( 10 ) ومن هذه الزاوية بإمكاننا التكلم عن العلاقة بين اللسانيات أو علم اللغة
الحديث وبين عملية تعليم اللغة، والتي على معلم اللغة وموجهه إدراك أهمية هذه
العلاقة. لأا أداة ضرورية ج دا لتحديد هدف تعليم اللغة وتوضيحه، باعتبار أ ّ ن
اللسانيات أداة وصفية وتحليلية في متناول أستاذ اللغة تساعده في عملية التعليم حيث
تقوم بوصف اللغة وصفا موضوعيا، وبتحليلها تحليلا علميا. فتنظر معرفتنا بطبيعة
اللغة، وبطبيعة استعمال الإنسان لغة في ظروف التكلم المختلفة، وبالعلاقات القائمة
بين متكلم اللغة وبين مجتمعه.
1-4 : دور اللسانيات في عملية تعليم اللغة:
يتضح دور اللسانيات في عملية تعليم اللغة من خلال تحديد هذه العملية
باعتبارها عملية إدراك متعمق ومتيقظ عند التلميذ لاستعمال اللغة في اتمع حيث
توفر اللسانيات لأستاذ اللغة الوصف الدقيق للغة ولظروف استعمالها لأ ّ ن الأسئلة
الملحة التي تطرح نفسها على أستاذ اللغة هي: ماذا يعلم تلاميذه؟ وماهي حاجام
التعليمية؟ وأية نظرية لسانية يجب أن يعتمدها على ضوء الحاجات؟.
إ ّ ن التحليل اللساني العلمي للغة يهدف إلى تحديد بنية اللغة ووصفها وتفسيرها
فتزود بذلك معلم اللغة بالأسس المعرفية، وتمكنه من إدراك كيفية إنتاج متكلم اللغة
حمل لغته لأنه اكتسب بصورة ضمنية قواعد اللغة الكامنة ضمن كفايته اللغوية، فيق وم
من قواعد الكفاية وصور الأداء التطبيقي لها مايراه مخالفا لقواعد وأنماط التراكيب
الأدائية للغة المدرسة وفق نظرية النقل للعالم اللغوي (لادو) التي تعتمد التقابل والعملية
( التعليمية.( 11
ذلك لأ ّ ن القواعد التربوية التعليمية تقوم باختيار مادة تعليمية بالاعتماد على
القواعد اللسانية العلمية. وضرورة التمييز بين تعلم مسائل اللغة وبين تعليم كيفية
استعمال اللغة ومن المعلوم أن هدف تعليم اللغة يستهدف كيفية استعمالها في اتمع
من خلال تطوير معرفة المتكلم بقواعد اللغة من خلال م ده بتجربة لغوية موجهة
بواسطة الممارسة العملية الملائمة، وتوفير المادة الّلغوية.
1-5 : الإجراءات العملية في تعليم اللغة:
وتقوم على فهم الأسس اللسانية بعيدا عن الارتجالية، وبعيدا كذلك عن
الطرائق النمطية المفروضة أحيانا من قبل بعض الموجهين، بل يجب أن تستهدف الجواب
عن الأسئلة الآتية: ماذا يعلم معلم اللغة؟ وفي ظل أية نظرية لسانية؟ وما منهجية تعليم
اللغة التي يتوخاها؟ وما التحليل اللساني الذي يسلكه؟ وكيف يختار مادته التعليمية؟
وكيف يتدرج في تعليمها؟ كيف يعرضها؟ وكيف يختم درسه.
2-5 : إ ّ ن مايعلمه أستاذ اللغة لايخرج عن مجالات لسانية ثلاثة هي:
أ- اللسانيات العامة: وتمكننا من وصف موضوع تعليم اللغة، فنقول مثلا إ ّ ن الأستاذ
يعلم تلاميذه مايلي:
♦ مجموعة فئات نحوية كالأسهم والفعل والحروف والأدوات. 1
♦ مجموعة قواعد تركيب الجمل وأنماطها. 2
♦ لوائح بمفردات معجمية. 3
♦ لائحة أصوات لغويّة. 4
♦ مقاطع إيقاعية ونبرات صوتية. 5
"وقد بلغت اللسانيات العامة بمختلف مدارسها منهجيات علمية ثابتة أسهمت
( إسهاما فعالا في وصف اللغة، وتصنيف عناصرها ودراسة العلاقات القائمة بينها"( 12
كما عملت على تفسير قضايا اللغة وبناء قواعد الكفاية اللغوية التي تقود عملية
التكلم أو الأداء الكلامي.
ب- اللسانيات الاجتماعية: ومن هذه الزاوية ينبغي تعليم التلميذ قواعد استعمال
اللغة في اتمع، وتطوير كفاءته اللغوية التواصلية، أي أن نكسبه المعرفة الضمنية
بقواعد التواصل اللغوي في اتمع، التي تفسر قدرة الإنسان على استعمال لغة في
ظروف التواصل المختلفة القائمة في بيئته الاجتماعية. وهذا اال يساعد أستاذ اللغة
على تحديد المادة التي يعلمها.
ج- اللسانيات النفسية: وذلك بوصف موضوع تعليم اللغة -من هذه الزاوية-
بأنه مجموعة مهارات كلامية، أو نشاطات لغوية، تمثل خبرة الإنسان وأفكاره وتفاعله
مع المحيط: ويساعد هذا اال معلم اللغة في عملية تحديد المادة اللغوية التي يعلمها،
( وعلى تفهم اللغة من حيث هي ميزة خاصة بالإنسان".( 13
واعتمادا على االات الثلاثة المذكورة يمكن تعليم اللغة وفقا للاتجاه
التجديدي الذي يشمل القضايا الآتية:
التعليم كمحادثة.. 1
المحادثة كتعامل.. 2
التعامل كتحركات ورد فعل للتحركات.. 3
التحركات متولدة من سجل معين.. 4
السجل بتنظيم متفرع من القواعد المناسبة للوظائف المختصة.. 5
التفاعل في القسم يخضع للسجل التعليمي.. 6
على أنه لايمكن أن نعالج المكونات السابقة إلا وفق منهجية تعليمية معينة.
3-5 : منهجية تعليم اللغة:
إ ّ ن المعرفة الّلسانية والإلمام بقضايا اللغة لايكفي للقيام بالعملية التعليمية
اللغوية، بل يقتضي تعليم اللغة إتباع منهجية علمية واضحة تنص على القضايا اللغوية
التي يجب تعليمها، وعلى الترتيب المتبع في تعليمها، وعلى طرق تقديم المواد وممارستها .
فمنهجية تعليم اللغة تشتمل على المسائل الآتية:
أ- التحليل اللساني للمادة المدرسة: لبناء استراتيجية التعلم عبر الممارسة
اللغوية المختصة، وليس من خلال تلقينه قضايا اللغة.
ب- اختيار المادة التعليمية: التي تناسب تلاميذه والتي يحتاجوا في حيام وفق
مستواهم والوقت المقرر لذلك مستعينا في ذلك بنتائج الدراسات اللسانيات
الإحصائية لاختيار المسائل اللغوية التي يجب انتقاؤها لتدريسها وفق الهدف
المحدد.
ج- التدرج في تعليم اللغة: وذلك باعتماد التركيب الذي يراعي السهولة
والانتقال من العام إلى الخاص وتواتر المفردات "وتعود دراسة هذه المسائل إلى
نظرية الأداء الكلامي التي تندرج ضمنها قواعد الإرسال والالتقاط، وظروف
التكلم"( 14 ) بداية بالعام، والمفردات الأساسية الأكثر تواترا.
د- عرض المادة اللغوية: وذلك بتقديم المادة بصورة هادفة وواضحة، بمختلف
الوسائل المعتمدة لعرض المادة (الكتاب، التسجيل ...الخ) وهذه المنهجية على
علميتها ليست صارمة وهي تشتمل على تحديد شكل اللغة، ومراحل تعليمها
وترتيب هذه المراحل غير أ ّ ن وحدات العرض يجب أن تخضع لتقسيم الوقت بين
الوحدات كما تخضع بصورة مباشرة إلى مصدقية تطوير إدراك اللغة والتعبير ا .
ومع ذلك فيجب أن تتظافر جهود كل المعلمين لتعليم اللغة على نحو تطبيقي غير
مباشر حين يدرسون أية مادة باعتمادهم اللغة المشتركة الصحيحة الفصيحة في
نقل المعرفة، وإيصال الأفكار، وإشاعة الثقافة وماذلك على محبي لغتهم المعتزين
بدينهم وانتمائهم الحضاري بعزيز والله ولي كل توفيق ونجاح وهو من وراء
القصد والمثيب على الجهد.
ا.د.محمد العيد رتيمة
*المصادر والمراجع*
انظر في ذلك ك ّ لا من:. 1
أ- الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها- أحمد بن فارس.
ب- الخصائص- لابن جني تحقيق محمد علي النجار.
ج- فقه اللغة، علم المعرفة د/علي عبد الواحد وافي.
د- دراسات في فقه اللغة د/ صبحي الصالح.
2.. الخصائص، ابن جني، ج 1، ص 33
3.. التطور النحوي- يرجستراسر، تعريب عبد المنعم عبد الله محمد، ص 11
الخصائص- ابن جني، ج 2، باب القياس.. 4
5.. محاضرات وتطبيقات في علم النفس اللغوي- د/خير الله ص 33
6.. مدخل إلى اللسانيات العامة والعربية ا.د.جعفر دك الباب ص 47
7.. مناهج التعليم الاساسي للطور الأول، وزارة التربية الوطنية، طبعة 1966 ص 8
8.. مناهج التعليم الاساسي للطور الثاني، وزارة التربية الوطنية، طبعة 1966 ص 62
9.. التربية العملية التطبيقية- أحمد مختار عضاصة، ص 280
10.. مباحث في النظرية الالسنية وتعليم اللغة- د.ميشال زكريا، ص 9
11.Sauteroce M.Michel: Grammaire, linguistique et didactique du Français, langue étrangère,
proposition pour
pour grammaire traditionnelle p 325.
12.. الألسنية وتعليم اللغة، د.ميشال زكريا ط 1982 ص 26
ينظر في هذا*- ابحاث تشومسكي وكتبه، خاصة موضوع [الكفاءة والأداء].. 13
النظرية الألسنية وتعليم اللغة، ص 125 فصل-نظرية الخطاب.. 14
الجمهورية الجزائريةhttp://www.infpe.edu.dz
وزارة التربية الوطنية
Publicité
Partager cet article
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article