Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

دفاعا عن العربية

12 Juin 2011 , Rédigé par mohamedمحمد Publié dans #موضوعات تربوية

من لا يتقدم يتأخر، من طارق بن زياد إلى تيفناغ

(مقتطف من كتاب "آليات صناعة التخلف)

(صفحة: 38 - 47) 

 

من محطة إصلاح تربوي إلى أخرى، ازدادت الهوة اتساعا، فتاهت قاطرة المنظومة التعليمية فوق أرضية من الرمال المتحركة، أدت إلى إطمار القضبان الحديدية للسكة. فهي لم تتوقف بعد، نظرا لما كانت عليه من قوة دفع أولية، جعلتها تستمر في المسير ولو ببطء قبل أن تتوقف قطعا ما لم يتم إصلاح السكة وتعهدها بالصيانة اللازمة والسليمة.

 

من استنساخ إلى استنساخ لما لا تستوعبه منظومتنا الثقافية والاجتماعية، ومن مسخ إلى مسخ لهوية مؤسساتنا التعليمية وتلويث لبيئتها، ومن تراجع إلى تراجع للدور التربوي لرجال التعليم وللآباء، ومن دوران في حلقات مفرغة للمسؤولين على المنظومة التربوية والتعليمية إلى دوران، ضربت ناشئتنا بقوة على أم رأسها، فقامت تولول وتهرول، تسب المدرسة والمدرسين وتلعن التربية والمربين والمجتمع والناس أجمعين، ولم تعد تعرف للمؤسسة التعليمية عليها من جميل.

 

بلدنا، مغربنا الحبيب، تتجاوز مساحته أكثر من 710 ألف كلم مربع (ضعف مساحة اليابان)، وسكانه فقط حوالي 30 مليون (ربع سكان اليابان). اليابانيون رتبوا شأنهم الداخلي الذي يمثل القاعدة الصلبة السليمة، ليؤسسوا لمنظومة تعليمية بهوية وطنية. أسسوا لثقافة الوحدة الوطنية والتوحد في ظل الإمبراطورية كنظام سياسي، وفي كنف البوذية كدين، وعملوا على الحفاظ على الهوية بعدم التفريط  في الموروث الحضاري والثقافي لشعبهم، ولم يأخذوا من الآخر عند الانطلاق، إلا بقدر ما يصلحون به حالهم، ألا وهو استنساخ ما هو قابل لأن يستنسخ، ألا وهو التأسيس للبحث العلمي وللثورات التكنولوجية. لقد عرفوا ما يريدون، فاتجهوا صوب الهدف من أقصر الطرق المؤدية إليه. نحن المغاربة، حفدة العباقرة الذين وضعوا أسس الثورة العلمية في أوروبا التي عمل اليابان على محاكاتها، لم نعرف كيف نرتب شأننا الداخلي على بصيرة من الأمر، على ضوء موروثنا الحضاري الذي لم نعد نعرف عنه إلا النزر القليل والمشوه. عوامل الوحدة قوية، ضاربة في عمق التاريخ، يجمعنا الدين الإسلامي (الذي أسس لثقافة مبنية على نبذ العرقيات وكل النعرات القبلية وغيرها، وعلى مكارم الأخلاق، وعلو الهمم، وطلب العلم والمعرفة اهتداء واقتداء ب"علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم")، ولغة القرآن، اللغة العربية التي تكلم الله تعالى بها مع البشرية جمعاء، والنظام الملكي المتجذر في التاريخ، والضامن لهذه الوحدة بعد الله.

 

 فبدل أن ننهض من كبوتنا (حقبة الاستعمار)، فنسلك الطريق "السيار" الذي تؤمنه لنا ثوابتنا الحضارية والثقافية الأصيلة، نحو الهدف المنشود، دونما عناء ولا إضاعة وقت، ها نحن لم نحدد بعد وجهتنا، بحيث لازلنا نراوح مكاننا، إن لم نكن قد تقهقرنا إلى الوراء في كثير من الميادين؛ فكما يقول المثل الفرنسي "من لا يتقدم يتأخر". نشأت نخبة مثقفة في البلد، وكان المعوَّل عليها ولازال أن تستنهض الهمم وتعمل بعزيمة وحكمة على تقويم الاعوجاجات الطارئة فتكون بمثابة صمام الأمان للمجتمع، إلا أنه تبين أنها لم تتمكن حتى من امتلاك ولو رؤيا ضبابية لما يجب أن تكون عليه الأمور. فبدل استنهاض الهمم، تاهت الغالبية العظمى من المثقفين في متاهات الحياة اليومية كأيها الناس، بينما تخصصت فئة من القلة المتبقية ممن يسعون للتأثير في مجريات الأمور إلى تسفيه أجدادهم والتنكر لثوابت حضارتهم عبر افتعال الفتن العرقية البغيضة التي نظَّر لها منظرو النظام الاستعماري العالمي الجديد. إنها فعلا انتكاسة خطيرة جدا، فلقد تبين أن مثقفينا، نخبتنا، وإن تخطوا حاجز الأموية، لم تسعفهم شهاداتهم في تخطي حاجز الجهل بواقعهم ومحيطهم وحضارتهم ومستقبلهم. فكما تنبأ شرطي السبعينات من القرن الماضي  (انظر كتاب "آليات صناعة التخلف")، وقد صدق حدسه، فإن الطالب الذي يتبول في الشارع تحت تأثير الخمر، لن يرجى منه خير حتى لنفسه. ثم إن من غش نفسه، فلن يجد أدنى حرج في غش غيره ومجتمعه ووطنه، وهذه قصة مريرة أخرى، فمن تربى على الغش بكل ألوان الطيف في الامتحانات، ونجح " بالنقيل" (كما يقال)، فماذا يرجى منه؟ فلا أحد يمكن أن يعطي ما لا يملك. ومن أقوى المؤشرات على نجاح منظومة تعليمية وتربوية في بناء مجتمع قوي أو إفلاسها، أن من لا يتقدم يتأخر.

 

من طارق بن زياد الى تيفناغ

نعم، "من لا يتقدم يتأخر"، و"من يزرع الريح يجني العاصفة"، فلقد عاش المغاربة في كنف الإسلام متصاهرين، متلاحمين ومنصهرين، لا فرق بين عربي وبربري (أمازيغي)، على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا. تلاحم وانصهار منذ الوهلة الأولى، أدى إلى ذوبان النعرات العرقية المذمومة على ضوء "إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم". انتفت النعرات العرقية والقبلية لتفسح المجال لظهور إنسان بثقافة سامية، رفيع القدر، عالي الهمة، واضح الوجهة، عالمي النظرة، همه إصلاح حال البشرية ونشر العدالة الاجتماعية وتأمين الأمن والسلم للمجتمعات. ولازال ٳسم أشهر مولود أنجبته هذه الثقافة عند إشراقتها الأولى في الغرب الإسلامي يشهد عليه الجبل الذي يحمل ٳسمه المموه "جبرلتار" (جبل طارق). ٳسم يشهد بدينونة أوروبا ومديونيتها لعظمة هذه الثقافة التي أسست لأعظم حضارة إنسانية على الإطلاق، انتفت فيها العصبيات الدينية والعرقية، وعم التمدن والتحضر، وساد العدل، وانتشر العلم. العربي بربري، والبربري عربي، انصهرت جينات العنصرين لتتجمع في جسد المغربي لتكون وحدة بشرية ستظل شامخة في وجه حتى أعتا عواصف التفرقة التي يثيرها صليبيو الغرب وصهيونيوه، ويتلقفها من خانتهم عصبية حرب الطبقات ليشعلوها حرب عرقيات وحرب أسرة.

 

طارق بن زياد البربري، لم يخرج ورقة تفناغ "كلغة وطنية" في وجه اللغة العربية الحديثة العهد بدخول المغرب آنذاك. إن كانت هناك من هيروغليفات تفناغ كلغة بربرية (أمزيغيه) معروفة ومتداولة، فقد كان هذا القائد، المخلد الإسم على الباب الجنوبي لأوروبا، أقرب إليها بكثير ممن يدّعون حاليا العمل على إحيائها إمعانا في إذكاء نار الفتنة والتفرقة. عرف طارق بن زياد، القائد العسكري ما يريد فحدد وجهته، عرف مهمته في الحياة مع سريان الحضارة الإسلامية السامية في شرايينه، فوضع يده في يد أخيه القائد السياسي العربي موسى بن نصير واتجها شمالا لوضع الأسس لبناء أعظم حضارة إنسانية (اكتشافات علمية رائدة، تمدن بأرقى المواصفات)، كما يشهد بها الأسبان المنصفون أنفسهم (انظر صرخة مغربي)، وكما يشهد بها وثائقي للتلفزة الألمانية من عدة حلقات كما سنرى (انظر "علم الاسلام الدفين" على يوتوب).

 

جاء العرب بالإسلام، والمغرب يقطنه البرابرة، فلم يهرع هؤلاء ليرتموا في أحضان الغرب لمواجهة هؤلاء "المستعمرين" (وحق لهم ذلك آنذاك، لو كانوا من صنف مثقفينا الحاليين الذين لم تغسل بعد أدمغتهم من ترسبات شعار حرب الطبقات، فأعلنوها حروب قبليات وعرقيات وأسرة، فلا بد لحرب الشعارات أن تسمر) كما يحلو القول في هذه الأيام لفئة من أبناء جلدتنا المغتربين المتغربين الذين يغردون خارج سرب أبائهم وأجدادهم. فعلى مر العصور، انصهر العربي الأمازيغي انصهارا تاما حتى أصبحا يكونان وحدة لا انفصام لها، وهكذا فإن العربية عربية كل المغاربة، والأمازيغية أمازيغيتهم أجمعين. فحينما يقول الله تعالى "جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا"، معناه ليس لأية هوية الحق في العمل على إقصاء الأخرى؛ نعم للأمازيغية كما كان الحال عند أجدادنا، لكن ليس بهيروغليفات تيفناغ ولا بالحروف اللاتينية.

 

ثم، هل وصل الحد بهؤلاء المتنورين الجدد بظلام حقد الغرب الصليبي الاستعماري إلى التبرؤ من أجدادهم وآبائهم الذين تعايشوا في سلم وسلام ووئام عربا أمازيغ، أمازيغ عربا لما يناهز 14 قرنا. وإذا طعن هؤلاء بهذه الكيفية الغير اللائقة في أصولهم، فأية هوية أمازيغيه بقيت لهم؟ هل كان آباؤهم جهلة خونة، مفتقدي الإرادة، لا حول ولا قوة لهم بما كان يُفعل بهم؟ ٳنه طعن ما بعده طعن في أقوام حق للتاريخ أن يسجل بطولاتهم بمداد من ذهب في بناء الجناح الغربي لحضارة إسلامية شامخة ضاربة جذورها في الأرض (المغرب) والزمان (يوسف بن تاشفين، يعقوب المنصور الموحدي، أحمد المنصور الذهبي، المولى إسماعيل، محمد المختار السوسي، عبد الكريم الخطابي، واللائحة تطول طول التحام ووئام الأربع عشرة قرنا، أسماء عربية لعظماء أمازيغ عرب)، ولم يصبها ما أصابها من الوهن والضعف إلا بعدما أصبح أحفادهم، من حيث يدرون أو لا يدرون، معاول للهدم في أيادي الغرب الصليبي الحاقد على اللحمة العائلية التي خلقها الإسلام بين هذين المكونين الرئيسيين للهوية المغربية العربية الأمازيغية ـ الأمازيغية العربية.

 

لو كان العرب مستعمرون كما يحلو القول لغرابيين تغربوا في أفكارهم فتنكروا لتاريخهم، لما احتل طارق بن زياد البربري الصدارة كقائد أعلى للجيش الذي عبر إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض الموسط لنشر تعاليم الرسالة الحضارية الخالدة. المستعمر! (العربي) يقلد أحد أبناء البلد الذي احتله (الأمازيغي) قيادة الجيش وإرساله لفتح بلدان أخرى بكل ثقة وبدون توجّس، هل هذه معادلة يمكن للعقل السليم تقبلها؟ معروف أن طارق بن زياد، لما قطع إلى الضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، أحرق السفن وقال قولته المشهورة للجيش الذي يقوده "البحر من ورائكم والعدو من أمامكم، فليس لكم إلا النصر أو الهلاك". ألم يخطر بباله، لو كان عنده أدنى إحساس بأن العرب المسلمين مستعمرين، أن يبيع الجيش لعدوه الأوروبي، أو أن يطلب منه العون والنصرة ثم يعود لمهاجمة العرب وطردهم من المغرب؟ أليست هذه هي السيناريوهات الكلاسيكية المعروفة عند الخونة في مثل هذه الحالات؟ ألم تكن هذه أسنح فرصة له ليقول للجيش الذي يقوده "البحر والعدو من ورائكم، فارتموا في أحضان الغربيين، وتقووا بهم على هزم عدوكم العربي المستعمر؟" هل كان هذا القائد مفتقد الإرادة إلى هذا الحد الذي لا يليق حتى بأجبن الجبناء، وبأذل المذلولين والأذلاء؟

 

في أواخر التسعينات من القرن الماضي، كنا قي لقاء علمي جيولوجي بوزارة الطاقة والمعادن بالرباط، وخلال فترة الاستراحة بين حصتي التدخلات العلمية للباحثين لبعد الزوال، دار الحديث بين مجموعة من المهندسين يعملون بهذه الوزارة، فقال أحدهم أن ٳسم طارق بن زياد الأصلي هو طارق بن زيان، لكن لما كان قائدا فذا وبطلا لا مثيل له، عمل العرب على تغيير ٳسمه إلى ابن زياد (ٳسم عربي)، بدل ابن زيان (أمازيغي) ليحسب عليهم. لم أتملّك نفسي أمام هذا الجهل المكعب، فقلت للمتكلم الذي تجمعني به صداقة العمل، أن طارق بن زياد أو ابن زيان (كما يحلو لك القول)، لو كان حاضرا معنا لكان له معك كلاما لن يعجبك أبد الدهر، ولو كنت أنت زمانه لما خطر ببالك ما تقول، لأن دماغك لم يكن قد أصابه ما أصابه من عاهات عصر التخلف والانحطاط الذي نعيشه.

هل بكل هذه السهولة تم احتواء طارق بن زياد وتدجينه من طرف أعدائه المفترضين؟ إنه لأمر عجيب غريب هذا الهذيان الصادر عن عقل مهندس، فحسب التصور العلمي المفترض لصاحبنا، فبما أن طارق بن "زيان" بطل أمازيغي، فما كان على العرب "المستعمرين" إلا أن يغيروا إسمه إلى ابن زياد حتى ينسلخ من هويته ويصبح واحدا منهم، منصاعا لهم، ليقلدوه أخطر منصب، ألا وهو قيادة الجيش. أي قدرة هذه على غسل الأدمغة كانت عند العرب، حتى بلغ بهم الحد إلى تحويل الفذ من أعدائهم لخدمتهم بتفان وبكل ثقة وأمان وبكل تلقائية؟ وإذا كان هذا هو حال من يريدونه ابن زيان، بدل ابن زياد، من سهولة التدجين والانسياق "للمستعمر" العربي، أليس من الحكمة والفطنة السياسية، أن يتنكر له من يريدونها تيفناغ على طول، بدل الكتابة بالحرف العربي كما هو الحال في إيران وباكستان وأفغانستان، ..؟ ألا يشكل لهم، ابن "زيان" الأمازيغي، وصمة عار بانقياده "للمستعمر العربي"، بل والانخراط في الدفاع عن أطروحاته كما يحلو لنا القول في زمن المسخ السياسي والفكري والعقدي الذي نعيشه؟

 

طارق ابن زيان، بدل ابن زياد، كما يريدون له، يشكل حجة بالغة على من تنكروا لبطولاته ولمواقفه الخالدة التي خلدت اسمه على جبل تتنازع السيادة عليه إسبانيا وإنجلترا. والأخطر في الأمر والأدهى، ألا تتنبه أدمغة أطرنا العلمية العليا، للورطة التي يضعون أنفسهم فيها بهذا السجال الرديء؛ فإن كانوا غير قادرين على استيعاب ما أوردته من بديهيات تدحض ما يرددونه من دون أدنى تمحيص، فالمصيبة أكبر وأعظم. طارق بن زيان (ابن زياد في حقيقة الأمر)، يعطيه "المستعمر" قيادة جيشه، ألا يبدو الرجل خائنا حتى النخاع، فلكي يحظى بثقة العرب إلى هذا الحد منذ الوهلة الأولى لدخولهم المغرب، فليس هناك إلا احتمالا واحدا، فهو قطعا من استدعاهم ومهّد لهم الطريق وسهّل لهم السيطرة على قومه الذين انساقوا معه للترحيب بهم. وإذا كان الأمر كذلك من باب التحليل السياسي، وحتى العلمي المحض، فلماذا التعصب لهذا "الخائن" من طرف من يريدونها نخوة أمأزيغيه تيفيناغية تاريخية؟ إن الأمر ليس كما يتصوره ويصوره من لم تسعفهم مؤهلاتهم الفكرية والعلمية لفهم الأمور الفهم الصحيح على بداهتها ووضوحها. وفي كلتا الحالتين، فقد وضع هؤلاء أنفسهم في مواقف لا يحسدون عليها، مواقف لا تشرف المغربي العربي الأمازيغي المسلم، حفيد طارق بن زياد وموسى بن نصير ومن جاء بعدهم على امتداد أربعة عشر قرنا من الزمن.

 

طبعا، لم يكن طارق بن زياد خائنا ولا جبانا، بل هو بطل مغوار، ٳرث حضاري وتاريخي لكل المغاربة الأحرار (كما هو الحال مع المختار السوسي الأمازيغي وعبد الكريم الخطابي الأمازيغي العربي الأصل)، فرض احترام نفسه عبر تخليد ٳسمه حتى على من غزاهم في ديارهم. فلمن يريدونها نخوة وعلو همة، ويريدون إعادة الاعتبار للمكون البربري الأمازيغي للشعب المغربي (في حقيقة الأمر يريدون الإساءة لهذا المكون)، أن يسلكوا نهج الأكابر والعظماء. فعليهم أن يتطلعوا بعزة نفس، لتقفي آثار أقدام طارق بن زياد وهو يتجه صوب الشمال لوضع الحجر الأساس لأروع حضارة بشرية عرفها التاريخ. حضارة علمية شاملة، واجتماعية راقية عوملت فيها الأقليات الدينية والعرقية (اليهود والنصارى،..) على قدم المساواة مع الأغلبية المسلمة (العربية الأمازيغية)، امتثالا لأوامر الإسلام العادلة الخالدة، نزولا عند مقولة عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهات أحرارا". نعم، علينا أن نتطلع بعلو همة إلى تقفي خطى طارق بن زياد، صانع التاريخ، بدل أن نصبح، من حيث لا ندري، معاول هدم في أيدي ساسة الغرب الحاقدين على من علموهم أصول الحضارة العلمية والاجتماعية، فنلقي بأنفسنا في مزبلة التاريخ، بل نجعل من أنفسنا قمامات تلقى فيها النفايات في مزبلة التاريخ.

 

وحتى أحيط بهذا الموضوع من كل جوانبه، أعود إلى صديقي في العمل، المهندس الذي يرى أن ٳسم طارق بن زياد هو ابن زيان، والذي استطرد قائلا: "لا أحب العرب بالرغم من أن أم أبنائي فلان وفلان، وابنتي فلانة عربية، من مدينة وجدة"، وزاد قائلا أن أحبّ المطربين إليه هو محمد عبد الوهاب المصري.

 

ماذا يمكن استنتاجه زيادة على ما هو بديهي في هذه القصة؟ طارق بن زياد، الأمازيغي الجينات (قطعا لم يكن أحد أبويه عربيا كما أصبح حال كل المغاربة فيما بعد)، لم يجد أدنى حرج في الاتحاد والالتحام مع موسى بن نصير، العربي الجينات (قطعا لم يكن أحد أبويه أمازيغيا كما أصبح حال المغاربة فيما بعد)، فكونا وحدة ثقافية ولغوية لا مثيل لها في التاريخ، انتفت فيها العصبيات العرقية والقبلية وغيرها. بين هذه اللبنة الأولى لالتحام الدم العربي الأمازيغي، ومحطة صاحبنا الذي يتكلم اللهجة الأمازيغية والمتزوج ممن تتكلم العربية، يمتد تاريخ أكثر من أربعة عشر قرنا من الانصهار الجيني الذي أدى إلى ذوبان المكونين بعضهما في بعض. فإذا لم يجد طارق بن زياد الأمازيغي أدنى حرج في الالتحام مع العربي القادم من الشرق، فما هي مسوغات صاحبي المهندس، أبو أبناء أمهم عربية! في الابتعاد من كل ما هو عربي، حتى وإن من باب المناوشات الكلامية؟ هل يدري صاحبي المهندس ماهية جيناته وحقيقة ما مرت به من تفاعلات خلال أربعة عشر قرنا مضت؟ كم من مرة تم فيها صهر جيناته بين جينات أب أمازيغي وأم عربية، وبين جينات أب عربي وأم أمازيغية؟ كيف لجسد أن تتبرأ نصف جيناته من النصف الآخر، ويلعن نصفه النصف الآخر؟

 

في أحد أيام سنة 1982، حينما بدأت أتلمس طريقي في البحث العلمي في الجيولوجيا كطالب في السلك الثالث من التعليم العالي، في منطقة ٳمين تانوت بناحية مراكش، أرسل معي خليفة القائد رجلا مسنا ليوصلني عند شيخ بأحد الدواوير. كانت المسافة تتجاوز      10كلم، قطعناها مشيا على الأقدام، بحيث أعجبت كثيرا بقدرة ذلك الرجل المسن على المشي بخطى سريعة دونما عناء يذكر، وبغزارة كلامه. تركته يتكلم في كل المواضيع التي يريد وأنا أستمع إليه بإمعان مشجعا إياه على الكلام. تكلم في كل شيء إلى أن تطرق إلى موضوع العرب و"الشلوح" (الأمازيغ)، وأطال الكلام فيه، وفي سياق الكلام بلغ به الأمر أن قال "حتى الله راه شلح". أثارني ما قاله واستفزني من منظور التفرقة العرقية اللئيمة فقط آنذاك، فقلت له أنت في مقام جدي وأعجبت بحيويتك فتركتك تتكلم لتتفوه بهذا الكلام الخطير، هل أنت فعلا  "شلح" أم تتكلم فقط "الشلحة"؟ هل أنت فعلا أمازيغي الأصل؟ سكت بعض الوقت، ثم أجابني قائلا "عندك الحق يا ولدي، أنا من أصل حسّاني، من الصحراء المغربية". وزاد قائلا أن من الحسّانيين أعمامي من ذهبوا إلى الدار البيضاء (ونحمل نفس الإسم العائلي)، فلم يعودوا يتكلمون الحسّانية ولا يعرفون الأمازيغية، ومنهم من جاءوا إلى هنا، أجدادي، ومن بيننا أفراد لا يعرفون لا اللغة الحسّانية ولا العربية.

 

وفي نفس السياق، سياق "تعرب" الأمازيغي و"تمزغ" العربي، فأنا شاهد عيان من قريب على وجود تجمع من "الشرفاء"  بشمال مدينة تازة، يتكلمون العربية أبا عن جد، ولا أحد منهم يتكلم ولو حرفا واحدا بالريفية. في المقابل، يوجد تجمع آخر لهؤلاء الشرفاء (نفس الأسماء العائلية) شمال كرسيف بمطالسا، يتكلمون الريفية أبا عن جد، ومنهم لا يحسن النطق بالقليل من العربية، وكلا أفراد التجمعين ينادي أفراد التجمع الآخر بأبناء العمومة. لا أدري ماذا سيكتشف صاحبي المهندس إن هو أمعن البحث في هويته.

 

من طارق بن زياد، قائد الجيش الإسلامي العربي الأمازيغي المغربي وصاحب الفتوحات الإسلامية الكبرى في أوروبا إلى المختار السوسي الذي حارب الاستعمار الفرنسي وتصدى للظهير البربري المشؤوم، وعمل على إسقاطه، تتجلى ملاحم الرجولة والبطولة للمغربي المسلم العربي الأمازيغي– الأمازيغي العربي. مصاهرة فانصهار، فمصير مشترك في كنف الدين الاسلامي  داخل المغرب كوطن، مع وجود عدو متربص بالجميع، الكل أدى إلى التفاعل في لحمة ووحدة.

 

وإمعانا في الإدلاء بالدليل ولو بالنزر القليل من ذاكرة التاريخ الطويل، أورد بكل اختصار سيرة العلامة محمد المختار السوسي، وهو من أعلام سوس العظام الذي عاش بين 1900 و1963.

"يعتبر المختار السوسي شخصية بارزة لامعة في أسماء العلم والأدب والتاريخ والبحث والدراسة، والاستفادة والإفادة، مشارك في كثير من فنون المعرفة، متخصص بارع في مادة الأدب والتاريخ، خصوصا تاريخ سوس، متضلع في ميدان اللغة العربية، متمكن من ناصيتها. فقد أثرى المكتبة بعدد لا يستهان به من نوادر المخطوطات العربية التي اكتشفها في مختلف المكتبات المغربية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
× ديوان ملك غرناطة يوسف الثالث     
× مختصر رحلة العبدري لمؤلف مجهول 
× طبقات المالكية لمؤلف مجهول. 
 وقد خلف رحمه الله مؤلفات بالغة الأهمية نذكر منها :
× المعسول في عشرين جزءا     
× سوس العالمة    
× من أفواه الرجال
× رجال العلوم العربية في سوس
× أصفى الموارد   
× بين الجمود والميع وهو رواية من أفكار إسلامية     
× تقييدات على تفسير الكشاف للزمخشري"

 

                         نقلا عن الشبكة الإسلامية –المغرب – سعد بنيحيى

 

العلامة محمد المختار السوسي، سوسي باسم عربي، يعمل مع باقي المغاربة، والسوسيين بالخصوص، على فضح ما بالظهير البربري للمستعمر الصليبي من مكر وخداع بهدف التفرقة بين أجزاء الجسد الواحد. ثم تمر الأيام، ويكبر أبناء وأحفاد هؤلاء العظام (مثقفين وغير مثقفين)، ويدرسون بالجامعات المغربية وفي الخارج ليحصلوا على الدبلومات العليا. وبدل أن تؤهلهم الشهادات التي حصلوا عليها للعمل على إعلاء صرح الوطن بالعلم والمعرفة والتفاني في تحمل المسؤوليات بأمانة وصدق لتوطيد أواصر الأخوة والمحبة بين كافة مكوناته، في انسجام مع التاريخ، اقتداء بأجدادهم وسيرا على خطاهم، فلم توفق فئة منهم حتى في معرفة ما هي مهمتها في الحياة وما هو مطلوب منها. انخدعوا بالشعارات البراقة التي أطلقها من فشلوا في تمرير النسخة الأولى للظهير البربري، ليستعملوا في الدعاية للنسخة الثانية المعدلة منه. 

   

هل إلى هذا الحد ابتعدنا عن المربع الأول حيث أفشل أجدادنا المغاربة (العرب الأمازيغ ـ الأمازيغ العرب) بعزة نفس وعلو همة وشهامة قل نظيرها، مشروع الظهير البربري الاستعماري المشؤوم؟ يا لها من انتكاسة خطيرة لا يستسيغها العقل السليم، أن تفشل المنظومة التعليمية في تكوين مثقف مغربي لا يوجه طاقته للتدمير الذاتي. فكما قلت في كتاب "صرخة مغربي"، "فحينما تنحط الهمم وتتقزم التطلعات، وتغتال النخوة، وتفتقد المروءة والرجولة، ويسود الجهل الثقافي وتتفشى ثقافة الجهل، فلا عجب في أن تبدأ عرى المجتمع في الانفراط. وطن شاسع مترامي الأطراف، وأرض معطاء، وحضارة ضاربة في أعماق التاريخ، لكنه ضاق درعا بساكنته فأصبح شبابه يحاول الهروب منه بكل الوسائل، إما جسديا، وما قوارب الموت إلا وجها من أوجه الظاهرة، وإما فكريا ووجدانيا، وما ظواهر كتابة الأمازيغية بهيروغليف تفناغ، ونوادي فريق ريال مدريد وبرشلونة في المدن المغربية، وظاهرة عبدة الشياطين،..وظاهرة التشيع أخيرا، إلا "كليبات" (clips)، لقطات من واقع مجتمع تكاد تنفصم عرى المواطنة فيه. أصبح المغاربة يتبرأ بعضهم من بعض، ويحملون بعضهم البعض سلبيات ونكسات الواقع المعيش، فتفشت ظاهرة الحقد حتى على ما كان يحظى بشيء من الاحترام ونوع من القدسية كالمدرسة والمدرس".

نعم، لقد اهتز وجدان رجل الشعب العادي وفكره، شرطي السبعينات من القرن الماضي، بفعل تبول طالب على سواري البنايات في شوارع العاصمة أفقده الخمر صوابه، لما يمثله بالنسبة إليه من انتكاسة في أخلاق من يرجى منهم تعليم الناس ثقافة احترام الذات المغربية، بيئتها وعمرانها وجدرانها وبشرها وحضارتها. نعم، لقد استشعر رجل الشعب العادي بحدسه وبعد نظره، أن رجال الغد من أمثال هذا الطالب، لن يتحرجوا من التبول على الموروث الحضاري لآبائهم وأجدادهم تحت تأثير أنماط من المسكرات الخارجية.

 

وفي الختام، فلنعلم أن اللغة العربية ليست لغة عرق من الأعراق، بل لغة أمة لن يأفل نجمها من السماء حتى وإن أحاطت بها في بعض الأحيان هالة تبهت سطوعها الطبيعي. فللغة العربية مكانتها عند كل المسلمين بكافة أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، لأنها اللغة التي كلم الله تعالى بها البشرية عبر القرآن الكريم، ولغة يوم القيامة لمن يؤمن بالغيب. وهنا أورد ما قاله علي الحسني الندوي العالم الهندي في كتابه "المسلمون وقضية فلسطين، في  الصفحة 82: "ولم تزل اللغة العربية هي لغة العلم ولغة التأليف في بلاد عريقة العجمة، في بلاد توارثت لغتها واحتضنتها، ولا تزال تعتز بها، وهي لغات غنية خصبة، فيها ثروة علمية هائلة، ومع ذلك كله، لا تزال اللغة العربية هي اللغة الحبيبة المفضلة في بلادنا الهند والباكستان".

إن النبش والنفخ في العصبيات والعرقيات هو نتاج عقليات متأخرة، تعمل على تغذية ثقافة متخلفة، ثقافة من لا يحسن النظر إلى أبعد من أنفه، ثقافة عنكبوتية، حيث أنثى العنكبوت تفترس المقربين إليها، صغارها والذكر زوجها. ليس مشكل العقليات المتردية من لوازم الأمية، بل من صناعة من لم تسعفهم ثقافتهم من تخطي حاجز الجهل بذواتهم ومحيطهم، صناعة منظومة تعليمية لم تعرف وجهتها في المغربة الحقيقية للذات المغربية، فعملت على تغريبها. عقليات غرابيه، متعلقة بثقافة الغير، معلقة بذيولها وقشورها، فهي لا تعرف كيف تقتفي آثارها بالرغم من أنها تتنكر لماهيتها وهويتها، لتبقى متغربة بدون هوية. اليابانيون يتوحدون في ظل البوذية ويجتمعون على الإمبراطور ويتشبثون بالموروث الحضاري ويتفرغون للتشييد وبناء صرح وطن قوي، تصمد أبنيته حتى أمام أعتا الزلازل والأعاصير المدمرة. أما الكثير من مثقفينا، المفتقدي الهوية، فقد عمدوا إلى تحري كل سبل الخمول والركون إلى التخلف، ومنهم من عمدوا إلى تحري كل السبل المؤدية إلى الصراع والتفرقة. لقد تفرغوا لإضعاف صرح الوطن، إن لم يكن لتقويضه، وهذا هو نتاج العقليات الغرابية، صانعة ثقافة الانحطاط والإحباط.

 

 

Partager cet article

Commenter cet article