Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

مدارس الضجر لا تقبل الشرود عندما يحتجز الخيال يفسد العقل ويختفي الوجدان

30 Septembre 2010 , Rédigé par mohamedمحمد Publié dans #مقالات واخبار

http://www.alittihad.press.ma/def.asp?codelangue=29&id_info=115794&date_ar=2010-9-30%2022:28:00

مدارس الضجر لا تقبل الشرود عندما يحتجز الخيال يفسد العقل ويختفي الوجدان

مدرستنا رهان ملتبس

عبد الإله حبيبي

حلم الطفولة بمدرسة أليفة
طفل حالم، يسمح المعلم لحلمه بأن يقال، ليصاحب المفهوم، أو ليتآلف مع الفكرة التي تؤسس الدرس واللحظة البيداغوجية، هو رجل قادر في المستقبل كمسؤول أو مهندس أو مقرر ميزانية أو صانع قرارات سياسية على أن يتحرر نسبيا من ثقل المعطيات، وضيق المحددات، لكي يتخيل حلا أو نموذجا، أو عالما أو تصميما يضع فيه ذكاءه المتحرر من خوف الوقوع في الخطأ لحل معضلة أو التنبؤ بأزمة، أو التخفيف من انعكاسات اختلال ما على التوازنات التي قد تهدد البناء ككل بالانهيار.
إنها المغامرة التي يفترض في المدرسة أن تكون برامجها ومناهجها هي التي تتكلف باستنباتها في نفوس الصغار كعادة مقبولة وممارسة مرغوب فيها. عندما لا يتكلم الطفل إلا نادرا ليترك المجال لخطاب الكبير والمعلم والراشد والمخطط والمقوم والمصحح، لينالوا حصة الأسد من مجال الحرية التي لا تعطى إلا لمن له سلطة، أو موقع، أو منبر قوي بالمال أو بالحشود ، فإننا نعلمه أن يصمت لما يرى السرقة تمر أمام عينيه وهو موظف، أو مسؤول، أو محاسب، وبأن يصم أذنينه لكي لا يسمع أنين المظلومين وهم يكتوون بنار التهم عندما يصبح شرطيا، أو دركيا، أو قاضيا يقف الناس أمامه لكي ينالوا حقوقهم التي أخذت منهم ظلما وجورا، لن يشعر بألم الضمير، أو بوخز الوازع الأخلاقي الذي مات فيه لما كان صغيرا وهو ممنوع من المشاركة في الحكم على الأشياء، والجهر برأيه البريء في وجه الخطأ حتى ولو ارتكبه الكبار أو المعلمين أو الحكماء.
الطفل الجريء ممنوع من الإقامة بمدرسة لا تحب من يشوش على ثوابتها، أو يقلق راحة معلميها الذين يستهويهم جلال مهنتهم حتى تخيلوا أنفسهم فعلا أنهم أنبياء لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم أو من خلفهم. الجرأة مؤامرة ضد المدرسة التي تسير وفق منهاج يضع الحدود، ويرسم الهوامش، ولا يترك للمدرس والمتعلم سوى هاجس الخوف من الامتحان.
الطفل المحروم من الجرأة على القول والاقتحام لمجال الممنوع، هو في المستقبل الرجل العاجز الذي لن يتحرك إلا إذا توفرت له الضمانات الكافية لكي لا يخطئ، أو يخسر، أو يموت، أو يعطب، أو حتى أن يتعلم من خطئه. إنه الشاب الذي لن يغامر أبدا بارتياد المخاطرة للحصول على مجد، أو بطولة في فن، أو رياضة أو غناء أو تجارة.
طفل أمريكا يعلمونه في المدرسة المبدأ التالي: « المغامرة بداية الطريق»، لهذا سيخرج من بيته، ومن حيه، ومن ولايته ثم من بلدهن لكي يذهب للبحث عن فرص النجاح، والثروة، والغنى، وتحقيق الذات في دول أخرى، أو في أمكنة نائية لن يتردد عن مناداتها وطني الثاني بدون حرج أو تردد، أو هاجس ندم على مبدأ أخلاقي مثالي لا وجود له إلا في نفسية المنهزمين والجبناء الذين لا يحبون أن تنتج مدارسهم سوى أناس يشبهونهم في الصورة والروح؛ لكنه سيحمل هوية بلده لكي يجعلها علما مغريا، وفاكهة مطلوبة لأنه تعلم المغامرة من أجل الوطن وليس بالوطن.
التربية هنا جوهر أولي فيه تصان جمرة الوطن.
الطفل الفرنسي تعلمه مدرسته أن الحياة لا معنى لها بدون حرية التفكير والقول والفعل. إنه وريث الأنوار والوصي دوما على تراث الفلاسفة العقلانيين الذين علموا الناس أسلوب التجرؤ على استعمال العقل بشكل عمومي للخروج من حالة القصور، وتحقيق الاستقلال عن الآخرين. إنها الدعوة الجهرية التي وضعها كانط في شكل تنظير بياني لمفهوم التنوير كما فهمه الألمان بعد الفرنسيين. الاعتراف بالخطأ أو بالذنب جزء من هذه التربية الأنوارية التي يتحفظ عليها الممسوسون بداء الخوف من نور العقل كأعدل قسمة بين الناس هبة من لدن إلاه عادل.
الجرأة على استعمال العقل هي التربية التي تؤسس أخلاقيا لمواطن محصن ضد الخوف والتردد. لا مكان في هذا الخيار لأية وصاية على عقول الناس، ليس هناك إكليروس أو عقول متصلة بالسماء، أو كهنوت عالم بعوالم الغموض، أو موهوبين يتوهمون أنهم أقرب الناس إلى الحق لكي يسمحوا لأنفسهم المعتلة بأن تضع على العقول ضوابط المنع والحجر حتى يخلوا لهم المجال ليمارسوا التضليل والتعتيم باسم التخويف من غيب يحسبون، خطأ، أنهم يمتلكون وحدهم مفاتيحه السرية.
الجرأة على استعمال العقل هي حرب مفتوحة ضد الأقلية التي تريد أن تحكم العباد باسم المقدس طمعا في نيل متاع المدنس. لن يمكنها أن تنجح في مشروعها ا»لتأثيمي» عندما نبادر، وبقناعة بيداغوجية، لكي نصنع بسلطة الخيال المبدع مدرسة الطفل التي ستعلمه فنون التحليق في العوالم المنفلتة، والأسرار المنزوية في عتمات العقل المحاصر بحدود شائكة.
منهاج متخيل
إن أخطر ما يهدد كيان التربية ومآل المجتمع هو أن نسمح للمناهج بأن تجعل التلاميذ يستشعرون أن المعرفة العلمية حاجز في طريقهم نحو الحياة والنجاح. إنه الإحساس الذي قد يراكمه الطفل خلال مساره الدراسي بحيث لن ينفك أن يأخذ شكل موقف نهائي من المعرفة ككل، و ذلك باستعدائها كسموم قاتلة، وبالنظر إلى أصحابها كأعداء للحياة، وكتماثيل بالية ينبغي التخلص منها. هنا ستسرع الخطى الإيديولوجيات السطحية لكي تقدم خدماتها المجانية في شكل انتقام لهم من هذه «الخورذة» التي قضت على طموحهم، وشلت خيالهم، وكانت سببا كافيا، تبعا لاستهاماتهم، لجعلهم بؤساء عصرهم .
باعتماد هذه المسوغات المدبجة بالنقد السطحي، والـتآمر الباطني ضد العقل والحرية والعلم و الخيال المنتج لمساحات الفرح، ستقترح عليهم مشروعا تطهيريا، ضخما، حماسيا، مناوئا لهذه «المعرفة المميتة «التي لا مفر اليوم من «هدمها»، أو «تقويض بنيانها» بمعاول فتاكة لا تترك أثرا لأي ذرة من الخيال أو الفلسفة أو الفن، أو كل تلك المعارف التي تخاطب عقل ووجدان الإنسان الجميل، لكي تنجز عملية الإبادة لكل التراث التخييلي والجمالي والبرهاني والعرفاني نيابة عنهم، بل و باسمهم وهي توهمهم بأنها تضع حدا «لثقافة فاسدة» و»علوم مجردة» و»أفكار منحطة».
المنهاج الدراسي هو صانع المعجزات أو باعث الجائحات، له روح لا نكاد نتلمسها إلا عندما تبدأ علامات الذبول أو النشاط تعلو محيا الأطفال، لتمسح عنهم الحزن أو لتملأ قلوبهم بالأدران التي لن يشفوا منها حتى ولوا نالوا المراتب العلا والشواهد والتقديرات المميزة.
بالمنهاج الدراسي نصنع الحياة، أو نبث الموت في نفوس الأجيال. أخطاؤه نقطا إضافية في سجل الذين يتربصون بفشل العقل وانهيار التخييل ليعلنوها حربا تطهيرية ضد «فساد الروح واختلال النواميس».
يركب التلميذ قطار زمن مدرسي يسير بسرعة جنونية نحو محطة نهائية تعتبر بمثابة آخر طقس من «شعائر» العبور لحقول جافة، وأروقة تعرض سلعا معلبة عليها علامات جودة زائفة، وبراري طويلة يملؤها الحجر الأصفر والرمال المتحركة في كل الاتجاهات. بين الفينة والأخرى تظهر لعين راكب هذا القطار المخيف أثرا لبعض الواحات المنعزلة التي تغري بالمقام، لكن القطار الهارب لا يمكنه تخفيض سرعته حتى يسمح لممتطيه التملي، ولو قليلا، بمنظر الجمال النادر التي تختزنه البرامج والمقررات التي يخترقها هدير قطار مدرسة لا تفكر سوى في أن يصل هذا الأرعن، المنفلت من زمن التلميذ، بسلام إلى محطة الامتحانات .
لن نصل أبدا إلى محطة ما بعد الامتحانات بسلام، أي محطة الحياة التي هي التقويم الحقيقي للخبرات المكتسبة في المدرسة، ما دمنا لم نركب بعد قطار التلاميذ، وأجنحة الأطفال التي تحلق بسرعة مغايرة، وتندفع بإيقاع حثيث نحو اكتشاف فضاءات أخرى قد تخبو إلى الظل عندما يمر قطار المدرسة بسرعته الهوجاء دون أن يقف لكي ينزل المسافرون، ويسمح لهم بلمس كائنات وأشياء قد تبدو لهم مجرد خيالات بدون وجه وهم محتجزون وسط غرف هذا الهارب من هدوء الحكمة، والذي لا يحب التوقف لأنه مبرمج على محطة نهائية، هي ديدنه، وهي ضالته التي يهجر كل العوالم الممكنة في طريقه من أجل الوصال بها، لتقبيل جبينها، وتسليمها بالتالي، ما حمله من حشود لم تشحن فيه إلا من أجل زيارة هذه المحطة المقدسة من بين كل الأمكنة المتعددة التي لا مجال لارتيادها لأن زمن المدرسة لا يسمح بذلك .
الكل يتحدث إلا التلميذ، الكل يكتب بيانه، ويغني نشيده، ويحلم بمملكته المتوجة في خياله إلا التلميذ. يظل صامتا طوال السنة وهو قابع داخل غرف هذا القطار الداهم لكل الحواجز النفسية، والاعتبارات البيداغوجية، والعلامات التي تحد من السرعة في بعض التقاطعات التي تفترض الترجل، والسير على الأقدام قصد التحلي بالرؤيا الدقيقة، لتبين معالم لوحة فنية أو صورة مجازية، أو لفهم معادلة رياضية، أو التعرف على مفاتيح خريطة جغرافية.
وجدت المدرسة أصلا لغرض مد الأجيال الجديدة بفرص السفر في عوالم الأجيال السابقة بدون إكراه أو عجلة، أو حتى مجرد الإلحاح على حفظ ما لا تود العين رؤيته، أو لا يميل القلب للتملي بصورته. يسرح التلميذ في تجارب الأولين لا طمعا في محاكاتهم والسير على منوالهم ، بل لكي يتعلم أساليب جديدة في البحث والفهم والتفكير والتنظيم والاستدلال.
المدرسة الناجحة هي التي توفر لمريديها فرص الاختلاف عن الأولين دون لعنهم، أو التبرؤ من انتاجاتهم. بهذا فهي ستسمح للمتعلم بأن يستشعر ضرورة الابتكار دون خوف من مخالفة السلف، أو مصادمة الجد المقدس القابع في نصوص لا تقبل الاختراق أو حتى التسويد بقلم المراجعة والتدقيق. يستحيل التخيل الحر وعين الرقيب الميت لا تفتر عن حراسة فضول الخلف، ورغبته في ارتياد آفاق جديدة لم يطرقها خياله، أو السير في رحاب واحات مكتشفة لم تطأها أقدام القدماء بحكم افتقارهم يومها للوسيلة المناسبة والكفاية العقلية الكافية .
ستنجح المدرسة في أن تكون يوما ما جزيرة مغرية بالاكتشاف لما ترفع القيود عن الذكاء، والحذر عن الزمن، والرقيب عن الإبداع الذاتي للمعلم والمتعلم، ولما أيضا تدفع الكل لكي يتحرر من إحباطاته وعيوب طفولته، وجروح تنشئته، ووساوس شيوخه، ولواعج سياسييه، ومرض الاحتفال بالأصالة البائدة أو المعاصرة المتسكعة في العلب المستوردة، والابتسامة الصفراء في وجه الرداءة المتكبرة التي تحتفي بالمناصب والامتيازات أكثر من انشغالها بالفعل التربوي الذي لن يكون إلا رحلة أبدية في تاريخ البشرية وسفر ضوئي في مستقبلها.
المربي الحقيقي هو صنو للمربية الحاضنة لهشاشة الطفولة، صديق الأمومة، حفيد النبوة، رفيق الديمومة، خليل الحدوس الإنسانية، رقيق المشاعر، متعفف عن المال وزاهد بالضرورة الوجودية في أواني الحياة، إنه رمز الحقيقة التائهة، منذ الأزل، بين الكتب والعقول والدهاليز السرية، حكيم لأنه يعلم الطفل معنى عمارة الأرض والمرور من الحياة بأمن وآمان، صادق لأنه وريث النبل والحفاوة الضائعة على عتبات التسول التقنوقراطي ال»حداثي» جدا.هيهات لم يبق منه سوى عبير الذكريات.

لغات المجتمع ولغة المدرسة
لغة مدرستنا تقتلها الغربة والبعد عن روح مجتمعها، إنها تقرأ التربية بالعربية الفصحى أو بالفرنسية الشاعرة، لكي تمارسها كفعل يومي بدارجة مفضوحة، متهتكة، لأنها لسان منبوذ في خطاب التربية الرسمي. تربية تقال بلغة غير متوجة هي تربية بدورها متهتكة، لهذا سينتقل التوصيف الاجتماعي السلبي للدارجة أو الأمازيغية لكي يسم أيضا الفعل التربوي الذي سرعان ما سيخر من عليائه الخطابي لكي يصبح قولا مبتذلا في لغة حارس يكلم تلميذا في الساحة، أو معلم يستشيط غضبا بدارجة جريحة، أو مدير يشتم عونا، أو يؤدب قسما، أو يستفسر مدرسا. إنه اللسان الحقيقي الذي يفجر زيف اللغة التي تحتفي بمعقولية أخلاقية داخل حجرات منفصلة روحا عن منطق الحياة وألسنه.
ليس العيب في اللغة العربية التي اختارها أجدادنا لكي يجعلوا منها لغة المعرفة والعلوم بكل أنواعها، بل المشكل هو في عدم الارتقاء بلغاتنا الوطنية لكي تزول عنها كل الأوصاف القدحية التي تأسرها في صورة شيطان يشوش على العربية الفصحى. لن يتقن أبناؤنا العربية كلغة للتعبير وكلغة للتواصل داخل الفصول الدراسة والمدرجات الجامعية إلا بإعادة النظر في تدريسها والاجتهاد في تطويعها لكي تتصالح مع اللغات الوطنية بدون تعالي أو تشويه. وعلى فقهاء العربية أن يتعلموا كيف أن اللغة إذا لم تعانق حياة الشعوب اليومية لن يمكنها أن تكون سوى تحفة يمجدونها ويتملقون كبريائها بقرابين تنحر القلب النابض للغات اليومية التي تعتبر حقا هي لغات الأم لأطفال مدارس بلادنا، وتقديسها بطريقة فجة هو الذي سيجعلها تأسر وعينا دوما داخل أنساقها التي لا تساير منطق العصر وعولمة الاتصال.
ليس هناك ما يبرر التخلي عن العربية لأنها لغة تجذرت في لا وعينا كحاملة للوحي والتاريخ المقدس الذي تحيكه الكتب التي صيغت ببيانها، بل المطلوب هو مساءلة أدوراها البيداغوجية والإعلامية والتحسيسية حتى تسمح لنا بتعديل علاقتنا بها ونحن ننتظر منها أن تنساب في منطق الحياة والتفاعل مع الحاجات التي تفرض نفسها علينا. السؤال الذي يثيرنا هنا هو فهم لماذا لا يتعلمها أبناؤنا حتى وهم في نهاية الدروس الثانوية التأهيلية، حيث تندر الإنشاءات التي تحضر فيها اللغة العربية سليمة أنيقة معافاة من كل الإصابات واللوثات التي يبدو أنها لن تغادر كتابات التلاميذ وهم يغادرون المدرسة برصيد ضعيف من لغة قضوا في تعلمها أكثر عشر سنوات.
مأخذ اللغة يرحل بنا لسؤال تعريب المواد العلمية التي ومنذ أن تعرضت لهذا الذي يسمى، ظلما، تعريبا لم تكف عن إنتاج الانتكاسات تلو الأخرى، بدء بتفكيك المادة العلمية بين لغتين متجاورتين فرنسية وعربية، ومرورا بتقويض البنية المنطقية للبراهين والاستدلالات، وانتهاء بتمرين التلاميذ على ازدواجية فجة لا هي بالعربية السليمة ولاهي بالفرنسية المدرسية، بل يكونون بصدد تعلم تخريب رؤيتهم الفكرية وبنياتهم المعرفية التي لن تتشكل من هذا التنافس المختل بين لسانيين تمارس بهما عملية تدريس العلوم والرياضيات في نفس اللحظة مع اعتماد الترجمة لتدارك النقص في معجم التلاميذ الاصطلاحي.
التعريب خيار إيديولوجي أملته ظرفية سياسية كانت لها علاقة بمرحلة هيمنة الفكر القومي العربي على مصادر المعرفة واحتكاره عملية توزيعها وبلوغها، مع تنميط رواده ووسمهم بالنخب المناضلة والطليعة الحاملة لثقافة المعارضة للغات المستعمر وهوياته المتكبرة.
اليوم نعيش عصرا آخر، بمعادلات أخرى، ومدرستنا تسير نحو الاختناق بهذا التعريب الذي لا معنى لبقائه كابوسا مسلطا على رقاب أبناء الفقراء والقرى وغير المحظوظين الذين ليس بإمكانهم أداء فواتير الساعات الإضافية؛ ينبغي التفكير في عقد مناظرة وطنية للبث في لغات التدريس من جديد بما يكفل الحق لجميع التلاميذ في أن يستفيدوا من الدراسات العليا باللغات التي تقدم بها الدروس في كليات العلوم والمدارس والمعاهد العليا وذلك حتى نحقق بالفعل شيئا من هذا الذي نسميه، زيفا، بتكافؤ الفرص.
ليس هناك من يجادل في أن التعريب أدى إلى تراجع نسبة التلاميذ، المنحدرين من البوادي الأمازيغية بالخصوص، في الالتحاق بالمدارس العليا المتخصصة في إنتاج المهندسين؛ وذلك عكس النسبة التي كانت سائدة قبل التعريب، هي ملاحظة لها ما يبررها لما يتبين لنا أن المفرنسين الذين استفادوا من تدريس العلوم بالفرنسية خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي يتشكلون في معظمهم من أبناء الصحراء والأطلس ومناطق قروية أخرى. إنها فرضية قابلة للتفنيذ والتصديق، لكنها تفرض نفسها لما نرى نسبة المدرسين بمدارس المهندسين الآتين من منطقة الهامش كالراشدية وقبائل الجنوب والشرق هي نسبة مهمة ومثيرة بالمقارنة مع الأجيال الجديدة التي يهيمن فيها العنصر القادم من المدن الكبرى، أي أبناء الطبقات المتوسطة التي تدفع ثمن الساعات الخاصة، أو تلك التي تدرس أبناءها بالمدارس الخصوصية التي تعطى فيها دروس الرياضيات باللغتين الفرنسية والعربية منذ الابتدائي، أو الذين يدرسون أبناءهم بمدارس البعثات الأجنبية. التلاميذ العلميين من أبناء الشعب المهمشين الذين لا يحصلون على معدلات مرتفعة ومنهم المتخصصين في العلوم الرياضية يفضلون اللجوء إلى كليات الآداب أو القانون كحل وسط بعدما يتبين لهم أنهم لا يستطيعون متابعة دروس كليات العلوم بلغة فرنسية يجهلون أسرارها.
لقد أدى التعريب إلى خلق أجيال تابعة بشكل وجداني للشرق وقنواته الفضائية ، حيث شاحت بوجهها عن أوروبا وثقافتها العقلانية التي كانت من نصيب جيل قبل الاستقلال وبعده بقليل. التشريق كان مفتاحه التعريب؛ واستقطاب العقول من لدن الخطابات المتطرفة مهد له هذا التعريب المجاني الذي دفع بميولات الشباب إلى تمجيد الخطابات العاطفية الآتية من الشرق لأنها سهلة وانفعالية وتخاطب الوجدان، في حين غاب من مشهدنا منظر التلاميذ الذي يتهافتون لاقتناء كتب «زولا او فيكتور ايغو، أو قصيدة للمارتين، او رامبو او غيرهم من روا الحداثة الأدبية في الغرب.
خسارات إيديولوجية كان التعريب مقدمتها، بل و ممونها الروحي. التعريب فتك بروحنا المغربية، وقبر خيال أطفالنا وطلق ثقافات مجتمعنا، وفقر لعب صغارنا، وداس على هويتنا الاحتفالية بشعارات مزيفة، وجفف ينابيع الضحك فينا ، ومسح من طاولاتنا كل ما ألفنا أكله أو شربه من عادات مطبخية كونية. التعريب ليس شيطانا رجيما، بل عاصفة رعدية زلزلت فينا قدرتنا المغربية على الحلم والسفر والتخييل.
ليس هناك شك في أن مدرستنا تستحق أن تدرس فيها كل اللغات عربية و أمازيعية وفرنسية وانجليزية ، لكن تدريس العلوم ينبغي أن يحظى بمقاربة أخرى مع تطليق الخيارات القومية المشبعة بروح شوفينية التي لم يعد لها وجود سوى في بعض النداءات المنفلتة من تاريخ يحتضر في بقع معزولة عن التحولات العالمية الجديدة.
قرارات حاسمة تحتاجها مدرستنا بعيدا عن الديماغوجية وحرب المواقع التي أفسدت مسارنا التعليمي في بنياته النفسية والتخييلية، إنها المقدمات التي مهدت لقتل العقل الذي طالما حلم به مفكروا الرعيل الأول بعد الاستقلال منهم العروي والجابري وأمليل وأركون وغيرهم من المنظرين الذين خاب طموحهم وهم يتابعون مدرسة تستعين بالمراهم البيداغوجية لتدليك أطرافها التي أصابها تصلب عضلي من قلة التمرين على الحيوية اللغوية وتغيير المسارات في أفق ملامسة المعارف من داخل المعاجم التي احتضنت مسارها التاريخي الأصيل.إنه العقل المنبعث من مخيال نشيط وبداهة لطيفة تفهم اعقد المعادلات وتحلل أعتى المعضلات؛ لكنه انفلت من وعينا لما اسلسنا القياد لتقليد الآخر الغارق في سبات مشرقي فيه العجيب والغريب أكثر من الواضح والظاهر.
إنها الأسرار غير المرئية التي تجثم على أسوار المدارس المتهرئة، والحجرات المكتئبة، والشعارات المنتكسة، والأقاويل اليابسة التي فقدت بريق المجاز، ونور الحق الذي لا يتجلى إلا في العبارات التي تدل على الجرح والنزيف. بين هذا العراء وذاك المعنى الحالم بمجد معلم قضى في أزمنة التعاويذ والرقى التي تعالج كل شيء إلا الموت، لا يملأ الفراغ سوى حفيف الأفاعي التي اغتنت بمأساة روح مجتمعنا، وسموم الكراهية التي تنقض على الأرقام والمعادلات الجوفاء لتصنع منها مهرجانات الانتصار على الحقيقة المؤلمة، والانتقام من الإعاقة التي لن تقدر العبارات المسكوكة عل مواراتها التراب.
لقد قرر تاريخ الكون تأجيل موعدنا مع ربح رهان مدرسة لكل الناس، مدرسة قادرة على أن تمنح العلم ملفوفا في كراسات حية، تنتفض فيها الحياة، وتتدفق منها رائحة طفولة حالمة بالمغامرة والاكتشاف، دون خوف من امتحان يكره العقل ويمقت الذكاء، ويؤجل حديث الوجدان، ويطيح بمجد الشرود الذي يحرر الطفولة من أسقام الجمود، و لا ينتصر سوى للتكرار والاجترار. أجل مؤجل على الدوام، لأن التربية فعل بسيط أخف من الهواء، وأثقل من الرياء. لا يستحيل أمرها إلى صناعة يتفنن فيها دعاة التقنية والتقنين، لأنها نفس عاقل يحمل ريحا رقيقة لتغذية الروح بالطمأنينة وبالرغبة في الكمال الخلقي والرشد العقلي.
المدرسة المنتظرة لن تجبر المعلم على أن يكون حكيما وهو منشغل بعلله وخصاصه الذي لا يريد أن ينتهي، ولن تفرض على المتعلم نظاما لكي يصير بصيرا متبصرا قبل رشده، إنها الأم التي تعطي بدون أن تقبض، وتمنح لكي تموت ويحيا الصبية سعداء طلقاء كسحاب صيف جميل. هي الصفاء الذي يطهر المجتمع من رجس المال وعوائد الملل. لكنها ستظل مجرد طيف هارب لأن كرم الروح قد جف من مشاتل التربية تاركا الفضاء برمته حكرا لسماسرة العلم والنجاح المعلب بين أنياب الدفع المسبق أو الرسوب اللامشروط. لكن الحياة تتكلم لغة أخرى سيظل الشعراء والفنانون والفلاسفة يحفظونها كجمرة النار المقدسة في انتظار بزوغ فجر مدرسة بدون مقابل.

9/30/2010


التعليق | الطباعة | الرجوع | أرسل إلى صديق

Partager cet article

Commenter cet article