Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

محمد عابد الجابري، العقل الهادئ

5 Mai 2010 , Rédigé par mazagan Publié dans #مقالات واخبار

محمد عابد الجابري، العقل الهادئ

محمد عابد الجابري، العقل الهادئ - Hespress

علي الوكيلي

Wednesday, May 05, 2010

حين كنت تلميذا في الثانوي أواخر السبعينيات، تحدث لنا أستاذ الفلسفة عن الجابري، باعتباره أحد مؤلفي الكتاب المقرر آنذاك "دروس في الفلسفة"، وربما لم أستوعب مكانة الرجل آنذاك، لأني كنت مشتت الذهن، أمام مقرر طويل وعريض، وربما لم أكن تلميذا متميزا في درس الفلسفة، غيرأني أذكر أن مقرر الفلسفة كان رائعا، استنفذت منه خارج الحاجة والضرورة المدرسيتين.

لكن حين انتسبت للجامعة، ووسعت مداركي، وانخرطت في موقف سياسي يساري واضح، وزنت الجابري وعرفت قدره، بقراءتي لكتبه الصادرة آنذاك في فترة السبعينيات، وقدرته أكثر حين استشعر الحاكمون خطورة الدرس الفلسفي فشنوا حربا شعواء عليها، في الثانوي والعالي، فقط لأنهم اعتقدوا أن تدريس الفلسفة وتحبيبها للمتمدرسين وطلاب الجامعة هو تقوية لدراع الأحزاب اليسارية، ولم تدرك بعد أن الفلسفة لا علاقة لها بالإديولوجيات، وإنما هي أداة علمية تبحث في تاريخ الفكر الإنساني وآلياته ومواقفه من الوجود المادي وغير المادي.

تعرفت بعد ذلك على الجانب السياسي للجابري، فعلمت أنه مناضل كبير قبل الاستقلال وبعده، وأن مواقفه كانت يسارية واضحة، وأنه ناضل في حزب الاستقلال ثم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وأنه كان منظرا للحزب وقائدا للفكر الحر فيه، دون أن "يتبند" في الصفوف الأولى كما فعل آخرون، كان المنارة الفكرية التي يعتز بها أي حزب، ومع ذلك..

تحفظ الجابري على مسار الحزب ورجع إلى الوراء، هو ومجموعة أخرى، دون أن يقطع تماما مع الناضلين، لكن تراجعه إلى الوراء كان ينم عن حكمة الرجل وعن إرادته في النأي بنفسه عن توجهات جديدة لم تكن تسر أحبة ومناضلي الحزب، توجهات ابتدأت مع خلاف الاتحاديين حول الانسحاب من البرلمان بعد أحداث 1981 الدامية. ثم توالت الأحداث وتشعبت، والرجل مشارك بقلبه مع الحزب  دون أن يتورط في أي اتجاه للحزب بعد هذا التاريخ. لا شك أنه احتفظ بعلاقة طيبة مع جميع إخوانه، وربما استشاره هؤلاء في الكثير من الفترات الحالكة التي مر منها الاتحاد الاشتراكي، وهذا ما جعله محبوبا من طرف جميع ألوان الحزب، لكنه لم يبد أي موقف رسمي له.

هذا يعني أن الرجل لم يتهافت على المناصب ولا قلب المعطف كما فعل بعض الليبراليين الاشتراكيين، ظل نقيا عفيفا يعيش حياة متوازنة لا تختلف عن حياة أي أستاذ جامعي مؤلف لكتب اخترقت المغرب إلى العالم العربي إلى العالم بأسره، لهذا السبب كبر في أعين الناس من حيث صغر الكثيرون من "المناضلين" الذي ناضلوا في المال العام، حتى ولو كانوا "مخززين" في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

الجانب الأهم في حياة الجابري يتعلق بفكره، هو رجل عقلاني منذ أن تعرفت عليه، وإذا كان المغرب لم يفقد في تاريخه رجالا متنورين، فإن هذا الرجل تميز بأسلوب خاص، ألخصه في جملة واحدة: "العقلانية القوية غير الصدامية"، فهو لم يكن متطرفا في فكره داعيا إلى القطع مع التراث، وإنما كان يدعو إلى حداثة عقلانية تستمد قوتها من التراث، لكن بنظرة أخرى تتجاوز أعطابه النابعة من أعطاب العقل العربي عموما. وبما أن الأمر يتطلب  كثيرا من الجرأة في تخطي الحدود الحمراء فإنه اختط أسلوبا في البحث ظاهره لا يستفز أنصار النص لكن باطنه فيه الكثير من الغنى الفكري الذي يمكنه تأسيس مشروع كبير واعد بنتائج خطيرة (بالمعنى الإيجابي)، وسيبين التاريخ أن الجابري كان على حق حين تجنب الصدام، آخذا تخلف العقل العربي بعين الاعتبار، ومن حيث أن الصدام سيعطل المشروع نهائيا لأنه سيخلق مقاومة عنيفة لن تسمح حتى ببداية النقاش، مقاومة أو حساسية مفرطة عند أكثر الناس استعدادا لمراجعة التراث، فإن تجديد العقل العربي له سبيل واحد، المراجع الشاملة للمنظومة الفكرية العقدية العربية وإعادة بنائها من جديد، بعد فضح أعطابها وتناقضاتها، بالمنطق الذي يقهر الجميع.

وقد يكون القرآن الحكيم أحد أهم الكتب التي أراد الجابري قراءتها بطريقة أخرى، وهو الذي ظل غير قابل للقراءة خارج المألوف والموروث، بينما من الممكن الحد من تلاعبات التأويل الذي جعل الناس تحوله إلى أداة لوقف حركة الأمة الإسلامية إلى الأمام، وربما كان التعرف على أسباب النزول أحد أهم وسائل تقنين التأويل الخاطئ والمزاجي للقرآن. والحقيقة أن بعض ما جاء فيه مقترن بتاريخ وحدث معينين يمنعان سريان الأحكام والشرائع على الحاضر، وحتى يتم التحقق مما أراد الله وضعه تشريعات لكل زمان ومكان وما جاء وليد لحظته مقترنا بزمنه، وما العيب في ذلك؟

لو كان الجابري في زمن آخر، يقبل فيه الناس الفكر الحر، لكتب الجابري كتبه بطريقة أخرى تماما، لكنه كان يكتب في حقل ملغوم يتطلب الكثير من الهدوء والذكاء، وقد نجح في إيصال أفكاره بعقلانيته الرزينة أكثر مما فعله آخرون بالفكر المستفز الرافض، أفكار الآخرين ماتت مع موت الإيديولوجيا بينما فكر الجابري سيظل أبديا يموت مع نهاية العالم.

فهل يسعفنا هذا البلد بمثل الجابري؟ صعب لكن غير مستحيل.

http://el-ouakili.maktoobblog.com

http://www.hespress.com/?browser=view&EgyxpID=20793&utm_source=feedburner&utm_medium=email&utm_campaign=Feed%3A+hespressnewsletter+%28%D8%A2%D8%AE%D8%B1+%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1+%D9%87%D8%B3%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B3%29

Partager cet article

Commenter cet article