Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

مفهوم المنهج وأهمية دراسته1/2

21 Mai 2009 , Rédigé par mazagan Publié dans #علوم التربية

 

الفصل الأول

مفهوم المنهج وأهمية دراسته

 

 

مقدمة

 

نتناول في هذا الباب عملية بناء مناهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، لأن هذه العملية تعتبر جزءاً أساسياً فى إعداد معلمي اللغة العربية وتكوينهم، وأمراً لا يستغني عنه العاملون في ميدان تعليم اللغة لغير أبنائها، والحديث عن بناء هذه المناهج يشتمل على المضامين التاليـة :

1. مفهوم منهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ودوره في إعداد معلم اللغة والعوامل المؤثرة في هذا المنهج.

2. أسس بناء المنهج.

3. عناصر بناء المنهج.

4. نماذج لأنواع مناهج تعليم اللغة وتنظيماتها.

وسيتم تناول هذه المضامين والموضوعات بشكل موجز في الفصول القادمة إن شاء الله يتناسب وطبيعة هذا الكتاب كما يتناسب وطبيعة العاملين في هذا الميدان من حيث تنوع مصادر إعدادهم، ومستواهم وخبراتهم وكون بعضهم من الناطقين بالعربية والبعض الآخر من غير الناطقين بها.

 

أولاً : مفهوم المنهج

 

بدأت محاولات تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها مستندة إلى تقديم مجموعة من المقررات تتضمن كماً من المعلومات والمعارف التي تتناول طبيعة اللغة العربية وتدور حول قواعدها وتراكيبها بصياغات تقليدية وصعبة مستمدة من كتب في أصول اللغة وفقهها، ثم تطورت هذه المحاولات فأخذت تتجه إلى تقديم مجموعة من النصوص اللغوية التي تختار من وجهة نظر الناطقين بها، أو مما يتوافر منها في البلاد التي تعلم العربية خارج نطاق الناطقين بها، وهي نصوص لا تراعى فيها المبادئ التربوية من حيث مستواها اللغوي ومضامينها الثقافية وارتباطها بحياة دارس اللغة وأغراضه منها، ويدفع الطالب إلى حفظ هذه النصوص وفهمها عن طريق الترجمة، وعادة ما كانت تصحب هذه النصوص قوائم من المفردات التي يطالب الدارس بحفظها وهجائها وكتابتها. ولذا اقتصر مفهوم منهج تعليم اللغة العربية على حفظ النصوص وترجمتها وتحصيل كم كبير من المفردات دون النظر إلى وظائف اللغة الحياتية والاتصالية والأدبية، ولقد ترتب على هذا المفهوم الضيق للمنهج أنه لم يمكن المتعلمين من فهم اللغة استماعًا، ومن التحدث بها أو التعبير بها كتابة، وأقصى ما أمكن لهذا المنهج تحقيقه هو قدرة ضعيفة على القراءة والترجمة، كما أدى هذا المنهج إلى قلة الإقبال على تعلم العربية.

ونتيجة لما وجه لهذا المفهوم القاصر لمنهج تعليم اللغة اتجه العاملون في هذا الميدان إلى التفكير في مفهوم واسع وفعال للمنهج يرى أن تعلم اللغة لا يتم إلا من خلال مواقف لغوية طبيعية حياتية اتصالية يمارس المتعلم من خلالها اللغة ممارسة طبيعية، لذلك رأوا أن المنهج يعني مجموعة من المواقف والخبرات اللغوية والأنشطة الاتصالية التي تُهَيَّأ وتعد وتختار وتخطط وتنظم لكي يعايشها متعلم اللغة ودارسها ويتمرس بها ليصبح قادراً على استخدام اللغة استماعاً وكلاماً وقراءة وكتابة.

يتبين لنا من هذا المفهوم الجديد أنه يهتم باللغة وبالمتعلم في آن واحد، فهو ينظر إلى متعلم اللغة على اعتبار أنه كائن حي يقوم بأنشطة مختلفة منها العقلية والانفعالية والحركية ولا يمكن أن نفصل بين هذه الأنشطة وبعضها البعض، فعندما يتكلم الفرد باللغة فإنه بذلك يمارس نشاطاً حركياً يستدعي استعمال الأجهزة الصوتية، ولكنه في نفس الوقت يفكر فيما يقول، كما أنه ينفعل بما يقول ويضمنه أحاسيسه وانفعالاته، كما أن هذا المفهوم يرى أنه يجب أن تتكامل خبرات المنهج بحيث لا يطغى جانب من تعلم اللغة على بقية الجوانب، فإذا اقتصرنا على المعلومات اللغوية دون استعمال اللغة استعمالاً وظيفياً، وإذا اقتصرنا على القراءة دون الكلام، أو الاستماع دون الكلام، أو القراءة دون الكتابة فإن ذلك يؤدي إلى قصور في تعلم اللغة، ومن هنا ينبغي أن تتكامل خبرات منهج تعليم اللغة لتؤدي إلى استعمال اللغة استماعاً وكلاماً وقراءة وكتابة.

فإذا نظرنا إلى واقع تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها الآن وإلى المناهج المستخدمة في ذلك في ضوء المفهوم الواسع للمنهج نجد العديد من الانتقادات وأوجه القصور من ذلك :

1. اهتمـام العديد من المناهج الحالية باللغة ذاتها من حيث ما يدور حولها من معلومـات ومعارف، وقصور الاهتمام بتعليم استعمالها وممارستها.

2. الاعتماد على المعلم كملقن للغة وليس كمهيء لمواقف لغوية يتيح الفرصـة للمتعلــم لاستعمال اللغة استعمالاً حقيقيًا.

3. الاعتمــاد على مادة الكتاب المؤلف لتعليم اللغة دون أن يصحب هذا الكتاب أنشطة لغوية معملية، أو ممارسة عملية للغة في مواقف حية وطبيعية.

4. اعتماد العديد من كتب تعليم اللغة العربية المطروحة في الميدان على مداخل تقليديـة في تعليم اللغة متأثرة بتعليمها لأبنائها، ومستندة إلى نصوص صعبة أو غير شائقة أو غير عصرية، وعلى موضوعات تقليدية بعيدة عن مواقف الاتصـال اللغوي الشائعة في حياة الدارسين.

5. الاهتمام بحفظ الطالب لما يوجد بالكتب من كلمات وجمل وتراكيب دون الاهتمـام  بتوظيف هذه الجوانب في مواقف لغوية جديدة.

6. الافتقار إلى تخطيط منهجى لتعليم اللغة العربية يأخذ في اعتباره الجوانب الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية للغة، كما يأخذ في اعتبـاره المحتوى الثقافي والمعالجة التربوية.

وهناك العديد من جوانب القصور يضيق المقام عن ذكرها حيث تكفينا الإشارة إلى بعض هذه الجوانب لتشد انتباهنا إلى ضرورة بناء مناهج تعليمية تربوية سليمة لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

وقـبل أن ننـتقل إلى أسـس بناء هذه المناهج وعناصرها قد تثار تساؤلات عـن : مـا أهميـة دراسـة عـلم المنـاهج بالنـسبة للعاملين في ميدان تعليم اللغة العربية خاصة المعلمين منهم ؟ وعن : ما العوامل المؤثرة في بناء منهج تعليم اللغة العربية ؟

وفيما يلى نقدم إجابة عن هذين السؤالين بإيجاز شديد.

أ) أهمية دراسة إعداد المنهج :

تتمثل أهمية هذه الدراسة بالنسبة للعاملين في ميدان تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها وخاصة المعلم في ضرورة معرفتهم بأن :

1. المنهج هو مجموعة من الخبرات والمواقف اللغوية التعليمية التي تخطـط وتقــدم للدارسين لتمكينهم من تعلم اللغة استعمالاً وممارسة، ومن ثم يلزمهم دراسة الأسـس والمعايير التي على أساسها تختار هذه الخبرات والمواقف وتخطط وتنظم وتسلسل في مستويات تتتابع بتتابع مستويات تعلم اللغة.

2. المنهج وسيلة لتحقيق أهداف تعليم اللغة، ومن ثم يلزمهم أن يتعرفوا ويمارسوا كيفيـة   صياغة الأهداف التعلمية وترجمتها إلى سلوك لغوي يمكن تنميته وملاحظته وضبطـه وقياسه.

3. تطبيق المنهج وتدريس محتواه عملية علمية وفنية ومن ثـم يلزمهـم معرفـة كـيف  يختارون الأساليب والاستراتيجيات التدريسية المناسبة لكل محتوى ولكل مستوى مـن مستويات تعلم اللغة.

4.  تطبيق المنهج عملية لها نتائج ينبغي أن تقاس وتشخص وتعالج ومن ثـم يلزمهـم أن  يعرفوا، كيفية تشخيص جوانب الضعف عند الدارسين، والصعوبات التي تواجههـم فـى تعلم اللغة وأسباب ذلك حتى يمكنهم البحث عن أساليب ووسائل للعلاج.

5. المنهج في النهاية بناء علمي هندسي تربوي له أسسه وله مكوناته وفنيات بنائه وتنفيذه وتقويمه، ومن ثم يلزمهم أن يتدربوا ويمارسوا عمليات بناء المنهج فضلاً عن عمليات إعداد المواد التعليمية.

ب) العوامل المؤثرة في بناء المنهج :

هناك العديد من العوامل التي تؤثر في هذا المنهج نشير إلى بعضها هنا بإيجاز :

1. تطور الدراسات اللغوية والدراسات التربوية في ميدان تعليم اللغات وتعلمهـا ممـا أدى إلى استحداث مناهج جديدة في دراسة اللغات وتعليمها وظهور علوم  جديـدة مثـل علم النفس اللغوي وعلم اللغة النفسي وعلم الاجتماع اللغـوي والدراسـات التقابليـة، وظهور مداخل جديدة لتعليم اللغة وتعلمها مثـل المدخـل الإيحائي، والمدخل اللغوي التكاملي، ومدخل الاستجابة الجسمية الشاملة... الخ.

2. تطور استخدام التكنولوجيا الحديثة في تعلم اللغات وظهـور الحاسـبات الآليــة والأجهزة الصوتية والمرئية واستعمال الوسائط المتعددة في التدريس، ممـا أدى إلى استحداث برامج لتعليم اللغات تعتمد على التعلم الذاتي الفـردي والجمـاعي.

3. زيادة الاهتمام بالبحث العلمي التربوي في ميدان تعليم اللغات وتعليمها ممـا أدى إلى ظهور اتجاهات جديدة في بناء المناهج والبرامـج مثل البرمجة، والنمذجـة والكفاءات، والأداء... الخ.

4. الاهتمام بالمستوى الفني للمعلم،  والاتجاه نحو إعداد معلم اللغـة العربيـة لغير الناطقين بها، وإنشاء العديد من المعاهد التي تقوم على إعداده وتدريبه، وإقبـال معلمي هذه اللغة في أنحاء العالم المختلفة على الدورات التدريبية التي تقـوم بهـا المنظمات العربية والإسلامية الدولية منها والمحلية لتدريب المعلمين، ومن ثم فإن نجاح أي منهج أو برنامج لتعليم العربية إنما يتوقف على مدى الاهتمام بالمستـوى الفني للمعلم.

5. طبيعة وخصائص الدارسين المقبلين على تعلم اللغة العربية من الصغار والكبار، ومن مختلف الجنسيات واللغات والأغراض، فكلمـا توافـرت لدينـا دراسـات ومعلومات ومعارف وبيانات حول نوعية الدارسـين وخصائصهـم وأعمارهـم ولغاتهم ودوافعهم وخبراتهم السابقة،  توافرت لدينا إمكانية بناء مناهج فـي تعلـم اللغـة وبرامج مناسبة لهم، بالإضافة إلى إمكانية إعداد المواد التعليمية المناسبة لهم أيضاً.

6. تجارب الأمم الأخرى في تعليم لغاتها ونشرها، هذه التجارب التي يمكن أن نفيـد منها في بناء برامج تعليم اللغة العربية من حيث المداخـل والطـرق والفنيــات والاستراتيجيات ومن حيث التكنولوجيات والوسائل.

 

 

 

الفصل الثاني

الأسس اللغوية والثقافية

 

 

مقدمة

 

لكي يتحقق المفهوم العلمي والواسع للمنهج بما يحقق إفادة العاملين في الميدان، ويستجيب لتلك العوامل المؤثرة ينبغي أن تستند عملية بناء هذا المنهج على مجموعة من الأسس، ومجموعة من العناصر :

أ) أما الأسس التي يستند إليها بناء منهج تعليم اللغة العربية فهي :

1. الخبرة اللغوية والممارسة.

2. طبيعة اللغة العربية.

3. الثقافة العربية الاسلامية.

4. طبيعة المتعلمين للغة.

5. طبيعة عملية تعليم العربية باعتبارها لغة أجنبية.

ب) أما العناصر التي يتكون منها تعليم اللغة العربية فهي :

1. أهداف تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

2. محتوى منهج تعليم العربية لغير الناطقين بها ومستواه وتنظيمه.

3. طرق التدريس وفنياته واستراتيجياته.

4. دليل معلم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

5. تقويم المنهج تخطيطاً وتنفيذاً، وتقويم المتعلمين.

وفي هذا الفصل نتناول من الأسس ما يتصل بالأسس اللغوية والثقافية.

 

1. الأساس الأول : الخبرة اللغوية

 

ذكر في موضع سابق أن منهج تعليم اللغة العربية عبارة عن مجموعة من الخبرات اللغوية وهنا يثار التساؤل التالي : ما الخبرة اللغوية ؟ هذا التساؤل الذي يجعلنا نتحدث عن مفهوم الخبرة اللغوية وأنواعها ومقوماتها وشروطها.

أ) مفهوم الخبرة اللغوية :

يقصد بالخبرة اللغوية الموقف اللغوي التعليمي الذي يهيأ ويعد لكي يعايشه الطالـب، ويمارس من خلاله استعمال اللغة، ويحتك بمحتواه وينفعل به ليخرج منه وقد اكتسب مجموعة من المعلومات والمعارف عن اللغة واستخداماتها، ومجموعة من مهـارات الاستماع والكلام والقراءة والكتابة، وقدرة على التفكير باللغة والتعبير عما يريـد، مع تقدير لثقافتها وثقافة لغته، ومن ثم يكتسب في النهاية القدرة على استخدام اللغة العربية في مواقف حقيقية تتفق وأغراضه ودوافعه.

ب) أنواع الخبرة اللغوية :

ونعني بهــا أن يتعلم الدارس اللغة ويكتسب مهارات استعمالها من خـلال نوعيـن مـن المواقف :

أولهمـا :

مواقف طبيعية حقيقية يمارس فيها الطالب تعلم اللغة في موطنها وبين أبنائها والمتحدثين بها، وهذه تسمى الخبرة المباشرة في تعلم اللغة واكتساب مهاراتها.

ثانيهمـا :

مواقف تعليمية غير مباشرة يتعلم فيها الطالب اللغة عن طريق مواد تعليميـة مختــارة ومنظمة في مؤسسة تعليمية متخصصة خارج وطنها وبعيدًا عن متحدثيها، وفـي هـذه الحالة تدعم هذه الخبرة غير المباشرة باستعمال الكتب والتدريبات والمعامـل اللغويــة والتسجيلات والأنشطة اللغوية التي يعدها أبناء اللغة العربية المتخصصين فى تعليمها، وقد يستعان في هذه الحالة بمعلمين من أبنائها.

جـ) مقومات الخبرة اللغوية وشروطها :

ولكي تكون الخبرة اللغوية فعالة ومجدية ومحققة لأهداف تعليم اللغة وتعلمها، وقـادرة على مساعدة الطالب على التعلم، ينبغي أن تتوافر لها وفيها مجموعة مـن المقومـات والشروط، منها :  

1. الاستمرار :

ونعني به أن تصاغ المواقف اللغوية وتقدم بشكل متدرج ومستمر بحيث نبـدأ بتقديـم خبرة لغوية بسيطة وضيقة، ثم مع تقدم الطالب في مستويات تعلم اللغة تـزداد الخبـرة اتساعاً وعمقاً. مثال ذلك في القواعد : لوفرض وأردنا أن نقدم الفاعل، فـلا ينبغـي أن نقدمه دفعة واحدة، وإنما قد نقدم الفاعل المفرد المرفوع بالضمـة، ثـم بعـد ذلــك الفاعـل المثنى ثم الفاعل الجمع ثم الفاعل الضمير، وهكذا في مراحل متتاليـة ؛ أي أن دراسة هذا المبحث لا تتم مرة واحدة، وإنما تستمر دراسته مع الطالب فـي مستويـات مختلفة.

2. التكامـل :

ونعني به أن تتكامل جوانب الخبرة اللغوية وتترابط، بحيث يتكامل ويرتبط تدريـس الاستماع بتدريس الكلام بتدريس القراءة بتدريس الكتابة، ويرتبط المحتوى اللغــوي بالمحتوى الثقافي، ويتكامل كل ذلك ويرتبط مع أنشطة استعمال اللغـة الاستعمـال الوظيفي بحيث يؤثر تعلم كل جانب من هذه الجوانب على تعلم الجوانب الأخرى، وبحيث تتكامل مهارات اللغة في الموقف الواحد من استماع وحديث وقراءة وكتابة، ومن خلال كل ذلك يتكامل تعليم قواعد اللغة وأدبها.

3. التتابـع :

ويقصد به البدء بتعلم الجوانب السهلة والبسيطة والانتقال منها إلى الصعب والمعقد بحيث يبنى اللاحق على السابق، وتمهد الخبرات اللغوية السابقة للخبرات اللاحقة، وقد نأخذ بمداخل التتابع كأن نبدأ بالجزء وننتهي بالكل، أو نبدأ بالكل ونتجه إلى الجزء.. وهكذا طبقاً لطبيعة المادة المقدمة والأهداف التعليمية التي نسعـى إلـى تحقيقها، وهذا التتابع هو ما يسمى التنظيم المنطقي لخبرات التعلم الذي يجعلنـا لا ننتقل بالطالب من خبرة لغوية إلى أخرى انتقالة فجائية.

4. الاتـزان :

ويعني ألا يطغى جانب في الموقف اللغوي التعليمي على جانب آخـر، حيـث لا  ينبغي أن نهتم بمهارة لغوية على حساب مهارة أخرى، أو نهتـم بمعـارف اللغـة ومعلوماتها على حساب تعلم مهاراتها ومواقف استخدامهـا وتوظيفهـا ، أو نهتـم بأغراضنا نحن من تعليم لغتنا على حساب أغراض المتعلم وأهدافه ودوافعه. وباستقراء هذه المقومات للخبرة اللغوية نجد أن الخبرة اللغوية أو الموقف التعليمي لتعلم اللغة ينبغي أن تضمن معلومات ومعارف لغوية وثقافية، ومهـارات لغويـة واتصالية وثقافية، وأنشطة لغوية متعددة تتيح الفرصة لتنميـة كفايـات الطـلاب ومهاراتهم في استعمال اللغة بحيث يكون تعلم اللغة تعلماً وظيفياً استعماليـاً وليـس تعلماً نظرياً.

 

2. الأساس الثانى : طبيعة اللغة العربية وخصائصها :

 

ينطلق هذا الأساس من حقيقة أن محتوى المنهج الذي نتصدى لبنائه هو محتوى لغوي، وأن الخبرات التي تقدم في مواقف تعليم اللغة وتعلمها إنما هي مستمدة من اللغة كنظـام يتضمن مجموعة من النظم هي النظام الصوتي والنظام الصرفـي والنظـام التركيبـي والنظام الدلالي ولذلك وجب على المسؤولين عن وضع مناهج وبرامج تعليم اللغة دراسة هذه النظم والتمكن منها، هذا بالإضافة إلى ضرورة دراسة الموضوعات التالية :

 أ) الخصائص العامة للغة :

1. اللغة سمة إنسانية : أي خاصة بالانسان وحده، وهي على هذا يجب أن تكــون دائماً في خدمــة أهدافه وأغراضه الحقيقية. وأن تـرتبــط بنمـوه اجتماعيــاً واقتصادياً وفكرياً، وعلى هذا فرقي الفرد مرتبط ـ إلى حد كبير ـ بنمو لغته، ونهضتها.

2. اللغة صوتية، وهذه الخاصية تعني أن الطبيعة الصوتية للغة هي الأساس، بينما يأتي الشكل المكتوب لها في المرتبة التالية من حيث الوجود. وعلى هذا فتعليم اللغة يبدأ بالشكل الشفوي ـ الأدنى. وهذا ما يحدث بالنسبة للطفل، وما يحـدث  في المدارس الحديثة في تعليم اللغات، إذ تبنت هذه المدارس ما يسمى بالمدخـل الأذني ـ الشفوي ولو أن هناك جدلاً حول هذا المدخل في السنوات الأخيرة.

3. واللغة تحمل معنى، ومعنى هذه الخصيصة أن اللغة تتكون من رموز لها معـانٍ وهذه الرموز يعرفها كل من المتكلم والسامع، والكاتب والقارئ، وبـدون هـذه المعرفة الثابتة للمعاني يصبح الاتصال صعباً ـ إن لم يكن مستحيـلاً، وينبغـي أن يكون واضحاً أن الصلة بين الرمز والشيء الذي يعنيـه صلـة عرفيـة، أي ليســت طبيعية.

4. واللغـة ذات نظام خاص، وتعني هذه الخصيصة أن أية لغة تتكون مـن وحدات خاصة. وهذه الوحدات تحدث في أنماط ثابتة. فالكلمات في العربية ـ مثـلاً ـ تشتق بطريقة خاصة، وترتب في الجمل ترتيباً مرتبطاً بنظام العربية وحدهـا، ومن هنا تحرص كل لغة على أن تضع لنفسها قواعد معينـة تساعـد علـى ضبـط استخدامها. وتساعد بالتالي على استمرارها. وذلك بدلاً من أن يكون لكل فـرد الحرية في أن يفعل بلغته ما شاء.

5. واللغة سلوك مكتسب، ومعنى هذا أن العادات اللغوية المختلفة يكتسبها الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه. فالطفل يولد بدون أي معرفة باللغة، لكن لديه ـ فقط ـ الاستعداد لتعلمها، ومن هنا تأتي أهمية البيئة الاجتماعية، والتربية المنظمة فـي اكتساب الفرد للغة. وفي ترقية عادات استخدامها، كذلـك علينـا أن نعـي أن الكلمات رموز للمعاني. وليست المعاني المتصلة بالكلمات فيها نفسها، بل في عقولنا نحن وبالاستخدام الطويل لهذه الكلمات اتفق على ربط معاني معينة بكلمات خاصة ويحمل الفرد هذه المعاني من الخبرات المختلفة التي يمـر بهــا. ومن محاولتنا المستمرة للتعبير عن أفكارنا بالكلمات.

6. اللغة نامية، أي أن اللغة في حالة تغير دائم. ويمكن ملاحظة هذا التغير في أنظمة الأصوات، والقواعد والمفردات من جيل إلى جيل، ومن إقليم إلى آخـر، وذلك لأن الناس يُنمّون النماذج اللغوية التي تؤدي حاجاتهم بفعالية. ومن أظهـر ميادين التغير في اللغة، الكلمة، وإذا تتبعنا تاريخ الكلمة في أي لغة ـ فسنـرى شيئاً عجيباً ـ فمعاني الكلمة تتغير دائماً، وتنتقل من ميدان إلى آخـر، فهنـاك معنى عام وآخر خاص، وهناك معان حقيقية وأخرى مجـازية،  وقـد يكـون للكلمـة أكثر من معنى، وقد تؤدي عدة كلمات معنى واحداً(1).

ب) خصائص اللغة العربية :

من أهم خصائص اللغة العربية أنها لغة اشتقاقية، وهذا الاشتقاق أكسبهـا مرونـة ومناعة في وقت واحد، فسمح لها بخلق ألفاظ جديدة، وحافـظ علـى ثروتهـا، وحماها من الزيغ والشطط. والاشتقاق باب واسع تستطيع به اللغة أن تؤدي معاني الحضـارة الحديثـة علــى اختلافها،  والاشتقاق في العربية يقوم بدور لا يستهان به في تنويع المعنى الأصلي، إذ يكسبه نواحي مختلفة بين طبع وتطبع، ومبالغة، وتعدية ومطاوعة، ومشاركة ومبادلة... إلخ. ولا نزاع في أن منهج اللغة العربية الفريد فى الاشـتقاق قــد زودها بذخيرة من المعانى. والواقع أن تركيب الكلمات في العربية أكثر تعقيداً، وليس من السهل وضع الصيغ المختلفة للأصل اللغوي تحت معنى واحد. فلكل صيغة معناها الخاص بها ، فمثلاً صيغة (فعلان) تــــدل على الاضطراب، والحركة مثل طيران، وصيغة (فُعـال) تدل على الأدواء، مثل صداع، وصيغة (مِفْعال) تدل في الأغلب على عـادات الاستكثار، مثل مطعام. وصيغ الأفعال، وأوزانها في العربية عامل من العوامل التي تثري اللغة ، والتـي تمكنها من الدلالة على فروق وظلال تضاف إلى المعنى الأصلي، فما الزيادة فـي المبنى إلا زيادة في المعنى.

كذلك من خصائص لغتنا أنها فى بنيتها وتركيبها لا تحتاج الجمـل الخبريـة فيـها إلى إثبات ما يسمى في اللغات الأوربية، فعل الكينونة، وهو في الإنجليزية مثلاً (be) فنحن نقول في العربية على سبيل الإخبار "فلان شجاع" دون حاجة إلـى أن نقـول "فلان هو شجاع"، أو "فلان كائن شجاع" ونقول "كل إنسـان فـان" دون حاجة إلى أن نقول "كل إنسان يكون فانياً"، أو "كل إنسان يوجد فانيـاً"، أو "كل إنسان كائن فانٍ".

 

معنى هذا أن الإسناد في اللغة العربية يكفي فيه إنشاء علاقة ذهنية بين موضـوع ومجهول، أو "مسند ومسند إليه" دون حاجة إلى التصريح بهذه العلاقة "نطقاً أو كتابة" في حين أن هذا الإسناد الذهني لا يكفي في اللغات الهندوأوربية إلا بوجود لفظ صريح مسموع أو مقروء، يشير إلى هذه العلاقة في كل مرة، وهـو فعــل الكينونة في اصطلاحهم.

جـ) صعوبات تعلم العربية :

1. الصعوبات الصوتية :

 وهي الصعوبات الصوتية التي تكشفها دراسات التحليـل التقابلـي وتحليــل الأخطاء وخبرة المعلمين والقائمين على تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ومنها :

1. بالنسبة للصوامت                               Consants 

ــ أصوات حنجرية                              الهمزة (ء)، هـ

ــ أصوات حلقية                                 ع  ،  ح

ــ أصوات لهوية                                  ق

ــ أصوات طبقية                                  ك

ــ أصوات غارية                                 ش

ــ أصوات لثوية                                  ص، س، ز، ر

ــ أصوات لثوية وأسنانية                         ض، ط ، د، ت

ــ أصوات أسنانية أو بين أسنانية                  ظ، ذ، ث

ــ أصوات شفاهية                              و

2. أما بالنسبة للصوائت فأهم الصعوبات تتمثل في ما يعرض للصوائت مـن قصــر وطول طبقاً للتركيب المقطعي الذي تقع فيه.

وتكمن معظم صعوبات الجانب الصوتي فيما يلي :

أ) صعوبة نطق بعض الأصوات العربية غير الموجودة في اللغة الأم للمتعلم.

ب) قد يسمع المتعلم بعض الأصوات العربية فيظن أنها أصوات تشبه أصواتاً في لغته الأم، وهي في واقع الأمر خلاف ذلك.

جـ) قد يخطئ المتعلم في إدراك ما يسمع،  فينطق على أساس ما يسمع فيؤدي خطـأ السمع إلى خطأ في النطق.

د) قد يخطئ المتعلم في إدراك الفروق المهمة بين بعض الأصوات العربية،  ويظنها ليست مهمة قياساً على ما في لغته الأم، فإذا كانت لغته لا تفرق بيـن س، ز أو بين ث، ظ أو بين ت و ط، فإنه يميل إلى إهمال هذه الفروق حين يسمعهـا فـي العربية أو عند نطقه لها.

هـ) قد يضيف المتعلم إلى اللغة العربية أصواتاً غريبة عنها يستعيرها من لغتـه الأم، فقد يميل الأمريكي مثلاً إلى إضافة صـوت P  أو V إلـى العربيــة لأنهــا أصــوات مستعملة في لغته الأم.

و) قد نـجد صـوتاً مشـتركاً بيـن العـربية واللغـة الأم لمتـعلم مـا، ولـكــن هــذا الصــوت يشــكل صـعوبة لـدى المتعلم في بعض المواقع، فالإنجليزي لا ينطق (هـ) في آخر الكلمة في لغته، رغم أنه ينطقها فى أول الكلمة أو وسطهـا،  ولهـذا فـإن (هـ) عندما تأتي في آخر الكلمة العربية تشكل صعوبة في النطق للإنجليـزي والأمريكي وربمــا للناطقين بلغات أخرى.

ز) مـن الأصـوات الصعـبة على غير العربي ط، ض، ص، ظ، فهي أصوات مفخمة أو مطبقة أو محلقة تعرضت لتفخيم، أو إطباق أو تحليق، وقد يصعب على المتعلـم تمييز ط عن ت، وتمييز ض عن د، وهكذا بين ص وس، وبين ذ وظ.

ح) ومن بين الأصوات الصعبة على غير العرب خ، غ، وأحياناً يصعب التمييز بينهما حتى على الطفل العربي.

ط) ويصعب على غير العربي أيضاً التمييز بين هـ وح، والتمييز بين الهمـزة (ء) وع، وبين ك وق، وبين الهمزة (ء) والفتحة القصيرة.

ك) قد يصعب على المتعلم أن يدرك الفرق بين الفتحة القصيرة والفتحــة الطويلــة مثل ( سَمَر ـ سَامَر ) والتمييز أيضاً بين الضمـة القصيـرة والضمـة الطويلـة ( قُتـل ـ قُوتل )، وأيضًا قد يصعب عليه التمييز بين الكسرة القصيرة والكسـرة الطويلة مثل ( زِر ـ زير ) كما قد يصعب عليه نطق (ر) العربية التكراريـة أو المرددة.

2. صعوبات النطق والقراءة :

1. صعوبة التعرف على أشكال الحروف والكلمات، وذلك بسبب :

أ) اختلاف أشكال الحروف عن بعضها.

ب) اختلافها في مواقعها من الكلمة وفي الكلمات المختلفة.

 نحن ـ مشمش ـ فلفل ـ محموم  ]

جـ) اختلاف رسم الكلمات باختلاف الحروف :

 فرح ـ فحر ـ رفح ـ حرف ـ حفر ]

د) كثرة أعداد الحروف بكثرة أعداد أشكالها.

هـ) اختلاف الحروف باختلاف نوع الخط.

2. صعوبة نطق الكلمات نطقاً صحيحاً معبراً وإخراج الأصوات من مخارجها بشكل صحيح، وذلك بسبب :

أ) كل حرف له صورة صوتية خاصة به.

ب) ضرورة تناسب نطق الكلمات والجمل بطريقة تحمل المعاني التي تعبر عنها.

جـ) خروج الصوت بأكثر من أداة :

* أحرف الحلق                        * الميم من الشفتين والأنف.

د) الضبط والحركة الإعرابية ـ ضبط الحروف وسط الكلمات.

هـ) عدم مطابقة الرسم الكتابي للصورة الصوتية والعكس.

3. صعوبة إدراك العلاقات السائدة بين وحدات الكلام، فهنـاك الفاعليـة، والمفعوليــة، والحالية والوصفية، والظرفية، والمجازية، والحقيقية ـ وهناك أيضاً الجملة والعبـارة وجمــل العبارة، وعبارات الفقرة والموضوع كله.

 

3. الأساس الثالث : الثقافة العربية الإسلامية

تحتل الثقافة العربية الإسلامية مكانة مهمة فى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، فهي تعتبر أساساً مهماً لمحتوى المواد التعليمية، فاللغة تصحب ثقافتها بالضرورة ولا يمكن أن يتم تعليم اللغة العربية من خلال محتوى مفرغ من الثقافة العربية الإسلامية، ولقد أثبتت الدراسات أن المعلومات والمعارف الثقافية هدف أساس من أهداف أي مادة تعليمية لتعلم لغة أجنبية، وأن الطلاب عادة ما يتوقعون دراسة ثقافة اللغة بنفس القدر الذي يدرسون به مهارات اللغة، ولذلك قيل إن نجاح الشخص في التفاهم والاتصال والاندماج والتعامل مع أبناء لغة يتعلمها لا يتوقف فقط على مقدار المستوى اللغوي الذي وصل إليه في لغة هؤلاء، وإنما يتوقف وبنفس القدر على الحصيلة الثقافية التي تعلمها من خلال تعلمه اللغة.

معنى هذا أن القدرة على التفاعل مع الناطقين باللغة العربية لا يعتمد فقط على إتقان مهارات هذه اللغة، بل يعتمد أيضاً على فهم الثقافة العربية الإسلامية من عادات وتقاليد وأساليب حياة وآمال وتطلعات وتراث وتاريخ، فالدارسون للغة العربية عادة ما يكونون شغوفين بالناس الذىن يتكلمونها ويودون معرفة أشياء كثيرة عنهم : من هم ؟ أين يعيشون ؟ كيف يعيشون ؟ ما طبيعة بلادهم و ما طبيعة حياتهم ؟ ما تراثهم وآدابهم وفنونهم... إلخ.

هذا بالإضافة إلى أن فهم الثقافة العربية والاسلامية والتفاعل معها أمر مهم فى حد ذاته للدارسين، ذلك أن التفاهم العالمي الآن والاتصال بعالم الناطقين بالعربية أصبح أمراً مهماً وضرورياً لإحداث تقارب وتعاون بين بلاد الدارسين والبلاد العربية والإسلامية.

لكل ذلك وغيره كثير يلزم القائمون على تخطيط مناهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها وإعداد برامجه أن يتعرفوا مكونات هذا الأساس حتى يمكنهم اختيار محتوى المنهج واعداده بالشكل الذى يقدم الثقافة العربية الاسلامية بصورة صحيحة ومقبولة وفى ذات الوقت تحترم ثقافة الدارسين. ولذا فعلى القائمين على تخطيط المنهج واعداده دراسـة المكونــات التالية(2) :

أ) مفهوم الثقافة العربية الاسلامية.

ب) موقف الثقافة الاسلامية من الثقافة العربية.

جـ) مصادر الثقافة العربية الاسلامية.

د) الأبعاد الماضية والحاضرة والمستقبلية للثقافة العربية الاسلامية.

هـ) خصائص الثقافة العربية والاسلامية.

و) مستويات الثقافة العربية والاسلامية المادية والمعنوية.

وفى ضوء دراسة هذه الأبعاد يحدد المختصون ببناء المنهج انعكاس هذه الدراسـة على المحتوى الثقافى لمنهج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وعلى كيفيــة اختيار العناصر الثقافية الاسلامية والعربية المناسبة لحاجات الدارسين  وأغراضهم ورغباتهم، والمناسبة أيضًا لأهداف الناطقين باللغة ومتحدثيها فى نشر لغتهم.

 

 

 

الفصل الثالث

الأسس النفسية والتربوية

 

 

مقدمة

 

تناولنا في الفصل السابق ثلاثة أسس لبناء منهج تعليم اللغة العربية، هي : الخبرة اللغوية وطبيعة اللغة بشكل عام، واللغة العربية بشكل خاص، ثم الثقافة العربية الإسلامية، وهي تلك التي جمعناها تحت مسمى الأسس اللغوية والثقافية.

وفي هذا الفصل نتناول الأسس النفسية والتربوية متمثلة في أساسين هما : طبيعة متعلمي اللغة العربية من غير الناطقين بها، وطبيعة عملية تعلم اللغة واكتسابها.

 

الأساس الرابع : طبيعة متعلمي اللغة

 

تعتبر عملية دراسة طبيعة متعلم اللغة وتعرف خصائصه صغيرًا أم كبيرًا، واستكشاف أغراضه وحاجاته ودوافعه من دراسة اللغة العربية، أمرًا في غاية الأهمية، لأننا نعد المنهج لمتعلم، فكيف نعد وجبة تعليمية في غياب من تعد من أجله ليتناولها بإقبال وتفاعل، لذا فدراسة المتعلم تفيدنا في تخطيط المنهج وبنائه على الوجه التالي :

أ) تحديد الأهداف العامة لمنهج تعليم اللغة العربية، وأيضاً الأهداف الخاصة لكل وحدة من وحدات محتوى المنهج.

ب) اختيار الخبرات اللغوية التعليمية المناسبة لمستوى كـل فئـة مـن الدارسـين، وتطويعها وتنظيمها بحيث تكون قابلة للتعلم.

ج) اختيار أفعل مداخل التدريس وطرقه وفنياته وإجراءاته واستراتيجياته ووسائلـه، وبالشكل المناسب للدارسين.

د) تخطيط ألوان النشاط اللغوي والاتصالي والثقافي، التي تتفق مـع رغبـات الدراسين واحتياجاتهم واستعداداتهم وقدراتهم.

هـ) تحديد واختيار الأدوات والوسائل التعليمية التكنولوجية والمعامل والأجهـزة التي يمكن أن تسهم في حفز الدارسين وإثارة دوافعهم لبذل الجهد في تعلـم اللغـة والتي تساعدهم بالفعل في التغلب على مشكلات تعلمها وتيسر هذا التعلم وتفعله.

و) إعداد وسائل تقويم التعلم تشخيصاً وعلاجاً وأساليبه بالشكل الذي يناسـب الدارسين حتى يمكن في ضوء استعمالها تصحيح مسار عملية تعليم اللغة العربية مـن حيث أهدافها ومحتواها وطرقها ووسائلها.

ز) مراعاة الفروق الفردية التي تكشف لنا عنها دراستنا للدارسين من حيـث تنــوع الأهداف والخبرات والأنشطة والتدريبات وفنيات التدريس وأيضاً وسائل التقويـم وأساليبه.

وفي دراستنا لطبيعة متعلم اللغة العربية من غير الناطقين بها سنجد بالطبع دارسين كبارًا وآخرين صغارًا، وسنجد ناطقين بلغات مختلفة، وفئات من الدارسين بينهم اختلافات في ثقافاتهم وأغراضهم ودوافعهم وحاجاتهم من تعلم اللغة العربية ـ لذا يلزم دراسة كل فئة من هذه الفئات حتى يصبح كل منهج لكل فئة متميزًا عن الآخر بمقدار قدرته على مراعاة هذه الاختلافات بين تلك الفئات، إذ يصبح لدينا برنامج للصغار، وآخر للكبار، وتختلف وتتعدد برامج كل من الصغار والكبار ــ كما سبق أن أشرت ــ باختلاف اللغات والدوافع والحاجات والأغراض والميول والاهتمامات. لذا فالأمر يحتاج إلى دراسات لغوية مقارنة وتقابلية بين لغات الدارسين والعربية، ودراسات نفسية تربوية تحدد الدوافع والحاجات والأغراض والميول والاهتمامات باعتبار أن كل هذه الأمور تمثل دوافع للتعلم ينبغي أن تستثيرها لدى الدارسين ليزداد إقبالهم وتفاعلهم مع مواقف تعلم اللغة.

وتقدم لنا مثل هذه الدراسات زادًا يمكن الاستفادة منه في تحديد أهداف المنهج ومحتواه وطرقه ووسائله وتقويمه وتطويره من حيث :

* مسايرة ومناسبة الخبرات اللغوية للخصائص المميزة لكل فئة من فئات الدارسين.

* توفير الخبرات اللغوية الوظيفية المتنوعة والمتدرجة في المستوى حتى تتاح فرصة النجاح في تعلم اللغة أمام كل دارس.

* التنوع في طرق التدريس وفنياته بالقدر الذي يحقق فاعلية التعلم مع كل مجموعـة من الدارسين.

* التنوع في مظاهر النشاط والوسائل التعليمية التكنولوجية في تنفيذ المنهج.

* توجيه الدارسين ومساعدتهم على حل المشكلات التي تواجههم في تعلمهم العربية.

* ربط محتوى المنهج بحاجات الدارسين ورغباتهم وأغراضهم وميولهم.

* وضع مناهج وبرامج لأغراض خاصة تتفق وأغراض كل مجموعة من الدارسين.

* وضع مستويات متدرجة لتعليم اللغة العربية، ووضـع مسـتويات استراتيجيــة ومرحلية للانتهاء من تعلمها واكتساب الكفاءات اللغوية المطلوبة ومستويـات الأداء  المرغوبة.

إن أهمية دراسة حاجات الدارس وأغراضه من التعلم أمر أقره الميدان التربوي بشكل واضح(3)، ذلك أن مفهوم الحاجات والأغراض كأساس لبناء المنهج قد أصبح أمـرًا معتمـدًا ومنتشرًا ومعروفاً الآن، والسعي إلى تطبيقه عملياً قد أصبح أيضاً أمرًا واقعياً، كما أن النظر لبناء المناهج في ضوء هذا الأساس يأخذ فى اعتباره أولاً الدارس بحيث لا يترك العملية التعليمية خاضعة للموضوع الدراسي والمحتوى واهتمامات المعلم واجتهاداته والعوامل الأخرى. إن دراسة أغراض الدارسين وأهدافهم وحاجاتهم من تعلم اللغة يمكننا من اشتقاق الأهداف وتحديد السلوك اللغوي الذي يساعد على مقابلة حاجاته وتحقيق أغراضه وإنجاز أهدافه من تعلم اللغة، كما أن مثل هذه الدراسة تمكن المعلم من تحديد أنواع وأنماط السلوك اللغوي التي إذا ما حصلها الدارس ساعدته على مقابلة أغراضه وحاجاته،وهذه الأنماط من السلوك تقرر أنواع الخبرات اللغوية التي يحتاجها الدارس لمقابلة أغراضه وهي تختلف عن الخبرات التي تقدم في برامج تعليم اللغات من أجل تعلم اللغة بشكل عام(4).

ومن الأسس التى يقررها ميدان تعليم اللغات الأجنبية بل ومن الاتجاهات المعاصرة في عملية التعلم  بشكل عام، الأخذ بعين الاعتبار وصف الدورالذي سيقوم به المتعلم بعد تعلمه للغة، وذلك عند وضع المقررات وتحديد الموضوعات والمجالات التي سيتعامل معها المتعلم بعد ذلك، ويساعدنا على وصف هذا الدور معرفتنا بأهداف الدارسين وأغراضهم من تعلم اللغة. ولقد بينت وقررت إحدى الدراسات التي تدور حول خصائص البرنامج الجيد لتعليم اللغة الأجنبية أن من أهم خصائص هذا البرنامج أن يركز في كل المستويات على الأبعاد المختلفة لحاجات ورغبات وأهداف الدارسين من تعلم اللغة الأجنبية(5).

ولقد أدت هذه النظرة إلى أهمية معرفة أغراض الدارسين وحاجاتهم من تعلم اللغة الأجنبية إلى ظهور اتجاهات جديدة في تعليم اللغات الأجنبية. فمن بين التيارات السائدة الآن(6) ــ استجابة لهذه النظرة لتطوير تعلم وتدريس اللغات ـ الاتجاه نحو تعلم اللغات من أجل أغراض خاصة وليس بشكل عام.

فالدارسون للغات الأجنبية مثلاً يبحثون عن تعليم اللغة الروسية من أجل ـ وبشكل خاص ـ قراءة الأبحاث العلمية حول الطيران "السوبرسونيك"، أو عن تعلم الألمانية خاصة من أجل العمل وكلاء لشركات الأجهزة الكهربائية الألمانية، أو الفرنسية خاصة من أجل العمل خبراء للزراعة في المناطق الحارة كالسنغال مثلاً، أو الانجليزية خاصة من أجل دراسة هندسة النسيج فى جامعة ليدز... إلخ.

هذه أمثلة للاتجاه نحو دراسة اللغة من أجل أغراض خاصة، وهذا الاتجاه يقـوم علـى أساس من تحديد الأغراض الخاصة للمتعلم، ومن ثم الاحتفاظ بقوة دافعية الدارس لتعلم اللغة، وتحقيق تحصيل عال وإشباع ورضا لدى الدارس.

إن تـدريس اللـغة العـربية مـن أجـل أغـراض خـاصة Arabic for Special purposes بما في ذلك الأهداف والمحتوى والمواد التعليمية، إنما يتحدد بمطالب المتعلم وأغراضه أكثر منها بعوامل خارجية مثل معايير التعليم العام. وإذا كانت اللغات الأكثر انتشاراً وشيوعاً فى العالم مثل الإنجليزية لا ينطبق عليها هذا النوع من الاتجاه بشكل كبير، فإن اللغات الأخرى ومن بينها اللغة العربية تدخل فى نطاق هذا الاتجاه، كأن يقبل الدارسون على تعلمها من أجل اعتناق الدين الإسلامي، أو التفقه فى الدين، أو قراءة القرآن، أو إقامة علاقات مع العرب.. إلخ، ومن ثم تحتاج العربية للاستفادة من هذا المدخل فى تعليمها للراغبين والمقبلين على تعلمها.

وفي هذا السياق يستلزم أن نعرض وبشكل تفصيلي دور الدوافع في برامج تعليم العربية لغير الناطقين بها.

 

الدوافع و تعليم  اللغة

 

ألمحنا في الصفحات السابقة وبشكل سريع إلى أهمية التعرف على دوافع الدارسين لتعلم اللغة العربية من غير الناطقين بها في تحقيق أهداف تعليم وتعلم هذه اللغة، وفي زيادة فاعلية التعليم والتعلم عند الدارسين، وذلك عندما نأخذ مثل هذه الدوافع في الاعتبار عند تخطيط المناهج ووضع البرامج والمقررات وصياغة المواد التعليمية واختيار أفضل طرق التدريس، وفي الصفحات التالية نحاول أن نلقي الضوء على الميدان واتجاهات تعليم اللغات الأجنبية  نحو ما يدفع الدارسين لتعلم اللغة الأجنبية.

يشيع اليوم بشكل كبير فى ميدان تعليم اللغات الأجنبية اسـتخدام مصطلحـات مثـل Learner-centered, student-centered, personalized, individualized, humanized(7) :

وهذه المصطلحات تشير إلى تفريد التعليم، أو تمركز تعليم اللغات حول المتعلم، ولذلك نجد أن مؤتمرات تعليم اللغات الأجنبية مثل الاجتماع العالمي الثالث عشر لتعلم اللغات للاتحاد العالمي للمتخصصين في تعليم اللغات الحية الذي عقد في ربيع سنة 1978م بسويسرا قد ناقش بحوثاً حول هذه المصطلحات.

ولقد ازدهرت فكرة التمركز حول المتعلم في السبعينيات من القرن الماضي، حيث ألفت مجموعة من الكتب تناولت هذه المصطلحات التي أشرنا اليها وجعلت المتعلم محور اهتمامها، مثل :

1. Oller and richards : Focus on the learner, pragmatic perspectives for the language teacher, (1973).

2. Finocchiro and Bonomo : The foreign language learner : A guide for Teachers, (1973).

3. Schumann and Stenson : New frontiers in second language learning, (1974).

4. Papalia : learner-centered language teaching : methods and  materials, (1976).

وهذه الكتب تختلف عن كتب تعليم اللغات في الستينيات، تلك التي كانت تتحدث عن تدريس اللغات بشكل عام، أما هذه الكتب فتدور حول المتعلم، وهي تصل إلى القول بأن المعلم وحده لا يستطيع أن يمركز العملية التعليمية داخل الفصل حول المتعلم، بل هناك المواد التعليمية التي يمكن أن تصاغ وتدار حول المتعلم، كما أنها نادت بالاتجاه الذي يسمى "تصميم مقررات من أجل أغراض خاصة لتعلم اللغة الأجنبية".

والمقصود بتمركز تعليم اللغة حول المتعلم هو إشراك المتعلم في العملية التعليمية بوجه أو بآخر، ولعل في مقدمة هذه الوجوه وضع مفردات المقرر والمواد التعليمية لتعليم اللغة في ضوء أغراض المتعلم وحاجاته.

وهناك ثلاثة اتجاهات رئيسية تحدد ملامح مداخل تعليم اللغة التي تدور حول المتعلم(8).

الاتجاه الأول :

ويشير إلى أن تدريس اللغة ـ المتمركز حول المتعلم ـ يتضمن عملية تعلم تحدد فيها حاجات وأغراض وميول الدارسين ـ كلما أمكن ـ شكل منهج تعليم اللغة الأجنبية ومقرراتها.

الاتجاه الثاني : 

هو أن تدريس اللغة ــ المتمركز حول المتعلم ــ يمكن أن ينظر له من خلال أربعة أمور هي : الأهداف، الوسائل، المعدل، التوقعات.

بمعنى أن المدرس يستطيع أن يفرد أهداف التدريس بحيث تسمح لمتعلمين مختلفين بأن يتابعوا مقررات مختلفة في نفس المنهج، ويستطيع أن يقرر وسائل تحقيق الأهداف التي يتابع بها مختلف الدارسين الأهداف بطرق مختلفة، ويستطيع أن يفرد معدل التدريس بحيث يناسب كل دارس، وفي ذات الوقت يستطيع أن يفرد التوقعات كنتائج للتعلم.

الاتجاه الثالث :

تدريس اللغة ــ المتمركز حول الدارس ــ يتضمن عملية تبسيط التدريس ليناسب رغبات وحاجات الدارسين حتى ولو كانوا فى جماعات مختلفة الأحجام.

وإن الصفة المتميزة لهذا الاتجاه هي أن التدريس المثالي عنده هو الذي يقدم للمتعلمين فقط ما يودون تعلمه، وعندما يرغبون في ذلك، وفي شكل بسيط يتناسب وقدرتهم على التعلم ورغبتهم في التعلم بحيث يستطيعون تحت هذه الظروف أن يحصلوا أعظم فائدة ممكنة.

هذه الاتجاهات الرئيسية الثلاثة التي تحدد الأسس الفلسفية والتربوية لتدريس اللغة المتمركز حول المتعلم مشتقة من المقدمة المنطقية التي تقول إن كل الطلاب لا يتعلمون اللغـة الأجنبية، أو أي شيء آخر فى المنهج بشكل متساو نتيجة لاختلاف أغراضهم ورغباتهم وحاجاتهم، وكذلك استعداداتهم وقدراتهم من تعلم اللغة.

معنى هذا أن الاتجاه إلى تفريد التعليم قائم على أساس من دراسة أغراض وحاجات ورغبات المتعلم، ذلك أن دراسة هذه الأغراض والحاجات والرغبات وتعرفها يساعدنا على تصميم مواقف تعليمية لغوية لأغراض محددة، كما تساعدنا على تصنيف مجموعات عديدة متجانسة من الدارسين، كما أنها تساعد مصمم المقرر الدراسي على تحقيق أمرين :

1. تقديم عرض تفصيلي لما يحتاج الدارس أن يكون قادراً على فعله باللغة العربية في العمل أو الدراسة أو الغرض الذي من أجله يدرس العربية.

2. تصميم مهارات اللغة المطلوبة، وتحديد الأشكال والوظائف المطلوبة لتحقيق عملية الاتصال التي ظهرت فى الأغراض والحاجات والرغبات في الخطوة السابقة(9)  بمعنى أن معرفة أغراض الدارسين وحاجاتهم ورغباتهم وداوفعهم الأخرى من تعلم اللغة العربية يفيد في معرفة :

أ) من هم الدارسون ؟

ب) أي الميادين الدراسية أو الوظيفية يحتاجـون فيهـا للغـة العربيــة ؟ وعند أي مستوى ؟

ج) أي الأنشطة الاتصالية يحتاجون فيها للغة العربية ؟ وعند أي مستوى ؟

ولقد أشارت ولجا رفرز( Rivers) إلى أن المتعلم يصبح أكثر انخراطاً واندماجاً في تعلم اللغة عندما تقدم له البرامج المبنية على اهتماماته وأغراضه وحاجاته، كمـا أن ذلك يجعـل عملية تعليم اللغة لها معنى، كما تخلق لدى المتعلم الرغبـة فـي السيـطرة عليها.

ويقول لان Lane  : >إن طرق البحث الحالية في تعليم اللغات الأجنبية لم تأخذ في اعتبارها كثيراً الفـروق بين الطلاب، مع أن هذه الفروق قد تكون المتغير الوحيد المهم فى تحديد تحصيلهم للغة الأجنبية. ولعل من أهم ما يساعد على تبين هذه الفروق معرفة الحاجات والدوافع والفروق فيما بيــن الدارسين في هذه الحاجات والدوافع، وتخطيط برامج التعليم وطرق التدريس فى ضوء هـذه الحاجات والدوافع مما يحقق لكل برنامج تمايزه على الآخـر فـي ضـوء مـا بينهـا مـن فروق فردية<(10).

ويقول فرانك مدلي Frank Medley : >إن معرفة الحاجات والعوامل التي تدفع المتعلم لتعلم اللغة يمكن أن تحدد لنا أغراض تعليم اللغة كما تحدد لنا وسائل تحقيقها<(11).

أما كل من جارفنكل Garfinkel وهاملتون Hamiltion  فقد قررا ـ فى كتابهما فى معرض حديثهما عن الإجراءات والطرق التطبيقية لتصميم مناهج وطرق تعليم اللغات الأجنبية فى ضوء الأهداف المبنية على أساس من الحاجات والأغراض والاهتمامات الفعلية للدارسين ـ أن معرفة هذه الحاجات والأغراض والاهتمامات تفيد في :

أ) اشتقاق الأهداف والتأكد من صدقها وتنظيمها وترتيبها طبقاً لأهميتها.

ب) صياغة الأهداف صياغة إجرائية أدائية.

ج) وضع الخبرات التعليمية المشتقة من الأغراض والاهتمامات والتي تشـد قابليـة المتعلم لتعلم اللغة(12).

ويقول هنري هولك Henri Holec(13)  : >وهناك مداخل لتعليم اللغات الأجنبية تحاول زيادة فاعلية تعلم اللغة الأجنبية لاعلى أساس طرق التدريس ولكن على أساس الدرجة التي أخذت بها حاجات وأغراض واهتمامات المتعلم في الاعتبار، ولم يكن الاهتمـام فـي هـذه المداخل منصباً على المعلومات والمعارف، ولكن اهتمامها انصب على العلاقة بين المحتوى وفنيات التدريس من جانب وبين المتعلم من جانب آخر، ولقد أدى هذا إلى انتشار واسع لتعليم اللغة من أجل أغراض خاصة يعبر عنها الدارسون Language for special purposes هذا الاتجاه الذي أدى أيضًا إلى تعدد في الأهداف والبرامج والمقررات<.

ويضيف هولك Holec(14) : >إن الأمر الأساسي في تحديد الحاجات والدوافع والأغراض هو أنها سبيلنا لوضع نظام تدريس اللغة وتحسين مواده بحيث يكون أكثر فعالية، ولهذا السبب فإن معرفة حاجات وأغراض ودوافع أكبر عدد ممكن من المتعلمين أمر ضروري كلما أمكن ذلك خاصة وأن هذا النظام سيقام على أساس من هذه الحاجات، سواء أكانت مشتركة بين جميع الدارسين أو خاصة بهم كأفراد وجماعات<.

إن المادة التعليمية (اللغة) التي ينبغي أن يحصلها الدارس يجب أن تحدد من خلال الأهداف الاتصالية والأغراض الاستعمالية لجماعة الدارسين، دون النظر بكثير من الاعتبار للكفاءة الاتصالية للمتحدثين باللغة. إن هذه الأهداف تتكون من سلوكيات الاتصال التي يعتقد الدارس أنه سوف يحتاجها أو يحتاج السيطرة عليها لكي يؤدي لغوياً بنجاح في المواقف التي سيجد نفسه فيها، وهذه الأهداف ستختلف من مجموعة من الدارسين إلى مجموعة أخرى، بحيث يمكن بناء مناهج ووضع مواد تعليمية تتناسب مع كل مجموعة. مثال ذلك أننا قد نجد مجموعة من الدارسين للعربية تريد أن تدرس الثقافة الإسلامية، ومجموعة أخرى تريد أن تسأل عن الأماكن والأوقات والأشياء والبيع والشراء وتتحدث في الحياة العامة لأنها تريد أن تعمل وتعيش في البلاد العربية، ومجموعة أخرى تريد أن تقرأ مقالات متخصصة في الأدب العربي، أو تشارك في عمل اقتصادي أو دبلوماسي... الخ.

وعادة ما يعبر الدارس عن غرضه أو حاجاته من تعلم اللغة في تصوره الإجرائي لهذا الغرض أو الحاجة، وعندما نقدم له تعليم اللغة في تصوره الإجرائي لها فإنه سيحاول الوصول إلى هذا المستوى الإجرائي من تعلم اللغة.

يقول ويدوسون(15)  في تفسيره للحاجات بالنسبة لمتعلم اللغـة الأصليـة : >إن تعبير (حاجات المتعلم) يتسع لتفسيرين :

الأول :

يشير إلى ما يحتاج المتعلم فعله مع اللغة حينما يتم تعلمه لها، وهذا هو تفسير الحاجات من وجهة نظر أهداف تعليم اللغة في اتصالها بالسلوك اللغوي الذي هو نهاية التعلم.

والثاني :

يشير إلى ما يحتاج المعلم فعله لكي يحصل اللغة فعلاً، وهذا هو تفسير الحاجات من وجهة نظر عملية التعلم ووسائلها<.

 والتفسير الأول هو الذي نأخذ به ونقصده في هذا السياق، يقول كلارك : >إن أول خطوة في أي مشروع لتدريس اللغة الأجنبية ينبغى أن يعتمد على تصميم مقرر يعكس الحاجات والرغبات اللغوية The language needs and wishes للمتعلم، وأن إغفال ذلك يقودنا إلى كارثة نواجهها فى تدريس اللغة في الفصول حيث لا وجود لما يريد المتعلم أن يتعلمه من اللغة<(16).

إنه ينبغي لمصمم المقرر وواضع مفرداته أن يصحب معه الأغراض والحاجات الاستعمالية الضرورية للدارس لكى يتعلم ما يريد أن يتعلمه learn to learn what he wants to، وإذا كان الدارس سوف يتعلم بشكل فعال ما يريد أن يتعلمه، وفي ذات الوقت ما يحتاج لتعلمه من اللغة، فإننا ينبغي بل ومن المهم أيضاً أن نترك برنامج تعليم اللغة لتحدد رغبات وحاجات الدارسين أهدافه ومحتواه(17).

إن بناء المقرر فقط في ضوء الكفاءة اللغوية المطلقة قد لا يحقق بالضرورة رغبات الدارس، ولذلك يقول فان إك Van Ek : >ينبغى أن يخطط المقرر في صورة الحد الأدنى، وتعطى الحرية للمعلم في هذه الحالة لكى يقدم بعض المواد والمواقف التعليمية في دروسه من خلال ما يشعر بأنه أساسي لمجموعة الدارسين الذين أمامه، بمعنى أن يكون مرجعه فيما يقدمه نوعية ورغبات وحاجات الدارسين<. والواقع أن مثل هذه المقررات تمكن المعلم في الواقع العملي من تدريس المادة اللغوية من منظور استخدام اللغة استخداماً فعلياً، وفي شكل مهارات أدائية اتصالية، وبشكل أكثر فعالية من تدريسها من منظور تعليم اللغة كلغة فقط، أو تقديم معلومات منتقاة من اللغة تدور حول اللغة.

وفي سياق حديث أحمد المهدي عبد الحليم عن البحث التربوي في تعليم العربية لغير الناطقين بها يثير قضية الدوافع ويقول : >إن السؤال الرئيسي في هذا المجال هو : ما دوافع غير الناطقين بالعربية إلى تعلمها ؟ ويلي هذا السؤال سؤال آخر هو : ما المهارات التي يودون تعلمها ؟ ويقول إن معرفة الإجابة على هذين السؤالين ذات أهمية بالغة في تحديد مداخلنا إلى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وفي اختيار محتويات المادة التي نعلمهـا وتنسيقها، ووضع التدريبات اللازمة لها، وكذلك اختيار الطريقة أو الطرق التى نعلم بها. وليست أهمية معرفة الدوافع قاصرة على اتخاذها أساساً لتحديد الأهداف ووضع البرامج واختيار المواد والطرق، ولكنها مهمة أيضاً في معرفة الوسائل والأدوات التي تمكن المعلمين من الاحتفاظ بمستوى عال ـ دائماً ـ من الدافعية لدى من يتعلمون اللغة العربية، رغم ما قد يصادف بعضهم من صعوبات في تعلمها<(18).

وتساعد معرفة الدوافع أيضاً في تحديد المهارات، وأيها يحتاج إلى تركيز في عملية التعلم من حيث المادة والطريقة، فنوع الحاجة مثلاً (قراءة القرآن الكريم) يشير إلى التركيز على مهارة القراءة والفهم، وهكذا. ولعل الأمر الملح في هذا الصدد هو الحاجة إلى وضع أدوات موضوعية لمعرفة هذه الدوافع.

نخلص من العرض السابق إلى أمرين :

الأول :

أن هناك اتجاهاً سائداً ومعتمداً في ميدان تعليم اللغات الأجنبية يعتمد على دوافع الدارسين في تخطيط عملية تعليم وتعلم اللغة الأجنبية، هذا الاتجاه يتمثل فى عدة مداخل وبرامج منها :

1. مدخل رغبات المتعلمين Learner's want's approach.

2. مدخل تعلم اللغة مـن أجـل أغـراض خاصــة Language for special purposes approach.

3. مدخل قائم على أساس تقسيم الدارسين إلى مجموعات ووضـع برامـج تتفـق وحاجات ورغبات كـل مجموعـة A group-based learning programs وهذه المداخل تأخذ في اعتبارها عدة أمور(19) :

1. أن أغراض المتعلم من تعلم اللغة هي الأساس الرئيس في وضع البرامج.

2. أن محتوى مقررات اللغة على ذلك تتحدد في ضوء بعض أو كل الطرق التالية :

أ) الحصر : أي حصر المهارات الأساسية فقط "الفهـم والتحـدث والكـلام والقراءة والكتابة" تلك التي ينبغي أن يتضمنها البرنامج من حيـث أنهـا مطلوبة لأغراض الدارس.

ب) الاختيار : أي اختيار المفردات والتراكيب والمضامين وأنمـاط القواعــد ووظائف اللغة التي ينبغي أن يتضمنها المحتوى من حيث أنهـا مطلوبة لأغراض الدارس.

ج) المباحث والموضوعات : أي الموضوعات والمواقف، ومـواقف استخـدام اللغة التى ينبغى أن يتضمنها البرنامج من حيـث أنها مطلوبة لأغراض الدارس.

د) الحاجات الاتصالية : أي الحاجات الاتصالية والتفاعل المناسـب عـــن طريق اللغة مع الآخرين أفراداً وجماعات، تلـك التي تتصل بأغراض الدارسين.

الثانى :

أن دراسة دوافع الدارسين لتعلم اللغة العربية كلغة أجنبية تفيدنا في عدة أمور :

1. ربط المقرر ومفرداته بما يمكن توقع حدوثه في حجرة الدراسة.

2. الاهتمام بوضع مقررات خاصة، تتضمن ترجمة حقيقيـة للأهـداف التــى وضعت في ضوء التحديد الموضوعي لدوافع الدارسين.

3. تأكيد العلاقة التدريسية بين المعلم والدارسين من خلال تعرفه على دوافعهـم.

4. تحديد عمليات التدريس وإجراءاتها بما يتناسب مع المهارات التــي يرغـب الدارســون في اكتسابها، وتوجيه هذه العمليات والإجراءات نحو تحقيق الأهداف.

5. تكييف مهارات التدريس عند المعلم مع طبيعة عمليات التدريس وإجراءاتـها التي تتناسب مع المهارات اللغوية المطلوبة للدارسين. 

6. تعرف أفضل طرق إثارة دوافع  الدارسين للتعلم والاحتفاظ بحماسهـم، وذلـك بربط هذه الطرق برغباتهم وأغراضهم.

7. وضع وابتكار أدوات ووسائل وأساليب تقيس مدى تقدم الدارسين  والمعلمـين تجاه تحقيق الأغراض.

أنواع الدوافع :

يمكن أن ننظر إلى دوافع الدارسين لتعلم اللغة الأجنبية من منظورين :

المنظور الأول :

وفيه ننظر إلى الدوافع من منظور ما يسمى بالدوافع التكاملية والدوافع الوسيلية(20).

أ) الدوافع التكاملية :

هي تلك التي تعكس مستوى عال جداً من الدافـع الشخصـي لتحصيـل لغــة ما تمثل شعوبها له قيمة اتصالية، وذلك من أجل تسهيل عملية اتصاله بهذه الشعوب. وهذه الدوافع التكاملية تتصل بالرغبة في تعلم اللغة.

وهذا النوع من الدوافع يقوم بدور نشيط في تعلم اللغة، حيث أجمعت الأبحاث على أن الطلاب أصحاب الدوافـع التكاملية يثبتون نجاحاً واتجاهاً إيجابياً نحوها ونحو شعبها أكثر من أي دوافع أخرى. وهذه الدوافع التكاملية تتصل بالرغبة في تعلم اللغة. يقول جاردنر (Gardner, R.) ولامبرت (Lambert, W.)(21)  إن الكفاءة في اللغة الأجنبية تعتمد على ما هو أكثر مـن أن تكـون للمتعلـم أذن لتحصيل اللغة، إن دوافع المتعلم نحو اللغة والدرجة التي ترجع إليها رغبته في مشاركة أصحابها سماتهم وثقافتهم وأنشطتهم، تحدد إلى حد كبير مستوى النجاح في تعلم لغة جديدة، وهما بهذا المعنى يقصدان الدوافع التكاملية(22).

ويقول جاردنر في مكان آخر، إنه لأمر لا شك فيه أن التحصيل الناجح للغة الأجنبية يعتمد وبشكل كبير على عوامل الدافعية بشكل خاص، وأن مفتاح النجاح يكمن أيضاً في اختيار دوافع تكاملية تجاه الثقافة الأجنبية، تلك التي يعبر عنها الدارسون في رغباتهم Willingness في مشاركة الجماعة اللغة.

ب) أما الدوافع الوسيلية :

فهي الرغبة في تحصيل اللغة من أجل أغراض نفعية، ويدخل فيهـا تشجيـع الوالدين والآخرين وما شابه ذلك. وهذه تقوم بدور أقل في تعليم اللغة (فتعلم اللغة يقل نجاحاً إذا كانت دوافع الدارسين وسيلية أكثر منها تكاملية، لأن القيمة هنا كغاية لتحصيل الكفاية في اللغة الأجنبية تتقدم، ويقل البحث عن علاقة نشيطة مع المتحدثين باللغة وينحصر الأمر في معرفة بعض المعلومات عن ثقافة اللغة)(23).

ولقد قام جاردنر ولامبرت بدراسة قائمة على فرض مؤداه أن التحصيل في تعلم اللغة الثانية يعتمد على مجموعة من الدوافع شبيهة بالدوافع الضرورية لتعلم اللغة الأم، بمعنى الرغبة لأن يصبح المتعلم عضواً في ثقافة الجماعة.

وقد قاما باستخدام عدد من المقاييس المتنوعة مع 75 من المتحدثين باللغة الإنجليزية في مونتريال في الصف الحادي عشر، منهم 43 من الذكور، و32 من الإناث. ولقد قاما بالتمييز بين من يدرسون اللغة الفرنسية في العينة من أجل أن يطلعوا على الثقافة الفرنسية، وبين هؤلاء الذين يتعلمونها من أجل أغراض نفعية. ولقد وجدا أن الطلاب الذين يدرسون اللغة من أجل معرفة ثقافتها أكثر تفوقاً من الآخرين في تحصيل اللغة، ولقد توصلا من خلال استخدام التحليل العاملي لسجلات التحصيل

Partager cet article

Commenter cet article