Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

النشاط اللغوي المعجمي أو مشروع لغة عربية حديثة2/3

21 Mai 2009 , Rédigé par mazagan Publié dans #مقالات واخبار

لم يحقق مشروع تيسير النحو العربي أهدافه بالرغم من مساندة المجمع، وأجمع كثير من الدارسين في مصر وغيرها من الأقطار العربية على رفض مقترحات تيسير النحو. ففي مصر كان لهذه الاقتراحات «أثر كبير في إثارة أنصار القديم وكان من أشدهم ثورة عليها بعض علماء الأزهر الذين عدوا عملها طعناً في قداسة اللغة وخروجاً عن الدين»(). وفي سوريا كما في العراق رفض المشروع جملة وتفصيلاً().

6-3. إمكانات الكتابة اللغوية المعجمية وحدودها

       6-3-1. الكتابة اللغوية المجمعية بين المحافظة والتجديد

        الواقع أن كثيراً من القضايا المتعلقة بوضع المصطلحات والمعاجم وتيسير النحو العربي وتطوير أساليب العربية وعلاقة العربية الفصحى باللهجات، لم تكن كلها موضوع إجماع المجمعيين. إن الاختلاف بين العلماء أمر طبيعي إذا كان مبنياً على أسس نظرية ومنهجية محددة واضحة. غير أن الاختلاف بين لغويي المجمع لم يكن قائماً على اعتبارات من هذا القبيل، يتبناها هذا الفريق ويرفضها الآخر وتدرس في ضوئها قضايا العربية.

        إن المجمع فيه نزعتان:

 

 

).

 

        كان أصحاب النزعة الأولى يرغبون في جعل اللغة العربية أكثر مرونة وحيوية تتجاوب مع روح العصر الحديث. ونظر هذا "الاتجاه المجدد" إلى قضايا العربية بنوع من الحرية الفكرية، ومن أصحاب هذه النزعة شخصيات "فكرية" عرفت بانفتاحها الفكري والسياسي أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين وأحمد أمين (1886-1954) وأمين الخولي (1895-1966) وعباس محمود العقاد وإبراهيم مصطفى (1888-1962) وأحمد حسن الزيات. عرف هؤلاء بمحاولاتهم المتكررة لإصلاح اللغة العربية متناً وقواعد. لقد دعا أحمد أمين() إلى إصلاح متن اللغة العربية بحذف الكلمات الحوشية التي يمجها الذوق ويكرهها السمع واستبعاد المترادفات التي لا حاجة إليها وحذف الكلمات الأضداد. كما يمجها الذوق ويكرهها السمع واستبعاد المترادفات التي لا حاجة إليها وحذف الكلمات الأضداد. كما طالب بفتح باب الاجتهاد في اللغة على مصراعيه. ودافع أحمد حسن الزيات عن حق المحدثين في وضع الكلمات لأنه "حق مقرر بالطبيعة لا مساخ للنزاع فيه"().

        مقابل هذه المواقف والآراء المجددة سعى الاتجاه الثاني إلى المحافظة على روح اللغة العربية القديمة وسد الباب أما كل مظاهر التجديد اللغوي خوفاً على العربية من الضياع وركز أصحاب هذا الاتجاه أمثال أحمد العوامري (1876-1954) وأحمد الإسكندري (1875-1933) وحسين والي (1869-1936) وعطية الصوالحي ومحمد الخضر حسين (1877-1957) ومحمد علي النجار (1895-1965) اهتمامهم بعض التصويبات اللغوية المعيارية التي رأوا أنها من "عثرات اللسان" و"الأقلام". وكان ذلك واضحاً عند مجمعي القاهرة ودمشق() على حد سواء.

        وتعكس محتويات مجلة المجمع ومحاضر الجلسات والبحوث التي ألقيت في المؤتمرات السنوية للمجمع التعارض البين في مواقف المجمعيين إزاء سلامة أو خطأ كثير من الأساليب العربية().

        ولم يتردد أحد المجمعيين في الإشارة إلى الأخطاء اللغوية التي ارتكبها المجمعيون أنفسهم كقول بعضهم متحف و"منطقة" وإنكارهم لكلمة "مبرر" لأنها لم ترد بهذا المعنى()، ثم جاء رد معجمي آخر ليثبت أن هذه الكلمات غير قياسية فعلاً().

 

       5-3-2. تهميش مبادئ الفكر اللساني الحديث في أعمال المجمع

        لا نريد أن ننتصر لهذا الاتجاه أو ذاك. إن ما يهمنا أساساً هو المنطلقات النظرية والمنهجية لكل فريق. وبصرف النظر عن مواقف المجمعيين تجاه القضايا اللغوية المدروسة فإن مواقفهم لم تكن قائمة على أسس نظرية ومنهجية مستمدة من علم اللغة/ (اللسانيات)، إن الدفاع عن هذا الرأي أو ذاك يعتمد أساساً بلاغة الإقناع والحجاج بالرجوع للنصوص اللغوية القديمة وتأويلها بما يلائم القضية المعروضة للنقاش في تجاهل شبه تام لأصول علم اللغة(). ومن الغريب أن الجمع ما فتئ منذ نشأته يردد أن من أهدافه الأساس دراسة العربية ولهجاتها علمياً. فأي عملية يقصد المجمع؟ وهل ثمة علمية في دراسة اللغة خارج علم اللغة (اللسانيات) وفروعه؟

        لقد شغل المجمع نفسه لمدة طويلة بكثير من القضايا الهامة في العربية صرفاً ونحواً ومعجماً. وتوصل المجمعيون إلى وضع كثير من القرارات في هذه الموضوعات كان بإمكانها أن تنمي العربية وتطورها بشكل ملموس لو أن بحوث المجمعيين كانت أكثر التصاقاً بالمبادئ النظرية لعلم اللغة الحديث. إن كثيراً من مشاكل المعجم العربي ما تزال قائمة ويتعين حلها في إطار العلوم الإنسانية المعاصرة وليس في إطار رؤية لغوية ضيقة خاصة بعلوم العربية وآدابها وتراثها. يعتبر وضع المعجم اليوم صناعة متطورة بالمعنى الدقيق. إن المعاجم أشياء مصنعة يخضع إنتاجها في المجتمعات المتقدمة لمتطلبات إعلامية وتواصلية، وتتحكم في صناعتها معطيات علوم أخرى خصوصاً العلوم الإنسانية، وفي اللسانيات. «إن مقاربة المعجم تستوجب من الدارس أن يطرح قضايا اللسانيات التي تكاد تكون كلها متجمعة فيه»().

        تفيدنا اللسانيات العامة كثيراً في وضع المعجم (العربي) الحديث. إنها تمكننا مثلاً من التمييز بين «صناعة المعجم (المعاجمية) وبين علم المفردات "المعجمية" فالأولى عريقة تعتمد مناهج مختلفة في جمع مادة اللغة ووضعها أو ترتيبها والثانية تهدف إلى دراسة المعجم دراسة علمية نظرية وتطبيقية تتعلق بتقديم المداخل حسب وحدات معجمية وأخرى تركيبية معرفة تعريفاً ينتسب إلى إحدى النظريات الدلالية وما لها من صلة بقضية المدلول والدال»().

        وللسانيات أيضاً أهميتها النظرية والمنهجية في تحديد طبيعة التعارف التي يقدمها المعجم للكلمات، هل هي تعاريف منطقية؟ أم اصطلاحية؟ أم لغوية؟ كما تفيدنا اللسانيات العامة في تحليلها لبعض الظواهر المعجمية الهامة كالمشترك اللفظي والمشترك المدلولي وعلاقتهما بالمحور الاستبدالي والترادف الجملي Paraphrase والتمييز بين دلالة الكلمة ومعناها. وتزودنا اللسانيات بمعلومات نظرية ومنهجية حول دور اللغة الواصفة وأهميتها في تحديد مداخل المفردات والفرق بين الوجهة التزامنية والوجهة التلاحقية في تحديد معاني المفردات.

        إن العمل المعجمي لم يعد يقتصر في عصرنا الراهن على جميع أكبر عدد من المفردات وشرحها بالاستناد إلى قواميس قديمة وحديثة وإعادة ترتيب كل ذلك، إن هذه العملية لا تخلف سوى تراكم في القواميس نفسها.

        أما مشروع تيسير النحو العربي الذي سانده المجمع فإنه لم يكن بعيداً في جوهره عن الأفكار النحوية العربية القديمة.

        إن المشروع لم يأخذ بعين الاعتبار ما وصل إليه البحث اللساني من نتائج نظرية ومنهجية في دراسة الجملة، إذ ظل النحو العربي في مشروع "التيسير"، "نحو أبواب" وليس "نحو جملة"؛ كما لم يكن المشروع شمولياً وإنما جاء «جزئياً وسطحياً، والسبب في ذلك يرجع إلى أنه لم يجرؤ أحد على إصلاح النحو إصلاحاً منظماً لأن الإصلاح الشامل الذي يتناول مسألة النحو كاملة يعتبر الإصلاح الوحيد الكفيل بإبراز نتائج مثمرة علماً بأن المسائل النحوية مرتبطة»().

        كان بإمكان البحوث المجمعية التي حاولت رصد ما اعتبرته "أخطاء لغوية" لدى مستعملي اللغة العربية حديثاً أن تكون بمثابة استقراء تام لبعض الاستعمالات الجديدة في العربية. إن عملاً من هذا القبيل سيشكل - ولا شك - أساساً ضرورياً للكشف عن مظاهر التطور اللغوي الذي عرفته اللغة العربية ويتحدث عنه دونما تحديد. إن اطراد ما سمي "بالاستعمالات الجديدة" أو ما اعتبر "أخطاء لغوية" هو في حد ذاته دليل على وجود قواعد ثابتة تحكم هذه الاستعمالات. ولو أن هذه الأبحاث اللغوية استهدفت الوصف الشامل والتسجيل الدقيق - بالرجوع لمبادئ لسانية في الموضوع - لكان ذلك أجدى وأفيد بالنسبة للدرس اللغوي العربي الحديث.

        إن تتبع "الأخطاء" بشكل معياري دون تحديد لطبيعتها. ودون تساؤل عن الأسباب المؤدية إليها وعلاقة الاستعمالات الجديدة بالاستعمال العربي الفصيح، نقول إن تتبعاً من هذا الصنف لا يفيد أبداً. لا يكفي أن نقول بأن الخطأ اللغوي ناتج عن ضعف في المستوى التعليمي والثقافي للمتكلم العربي وتعلق أبناء العربية بالثقافات الأجنبية وتغاضيهم عن العربية()، لا يكفي «أن نقضي العمر في تأليف الكتب في عثرات اللسان عند العامة وعند الخاصة كما فعل الشيخ عبد القادر المغربي وغيره دون أن يكون لها نفع لأنه لم يبحث عن السبب الذي جعلنا نقول الجرأة لا الجرأة والنسر لا النسر والخطة لا الخطة فهل اللغة لقلة مستعمليها أم لغلبتهم؟ من يمثل الصواب ومن يمثل الذوق؟ هل لنا حق فيهما وفي تطوريهما؟»().

        إن الأعمال الجليلة التي قامت بها المجامع لم تكن لتحجب عنا كثيراً من الصعوبات المنهجية التي واجهت المجامع منذ نشأتها وما تزال تواجهها.

        يتضح جلياً من الأعراض التي رسمتها المجامع العربية غاية أن دراسة العربية لغوياً لم يكن أمراً مستقلاً عن الأغراض الفكرية الأخرى التي تقترب أو تبتعد من الدراسة اللغوية سواء في دراسة المصطلحات أو الدراسات الأدبية أو ما يتعلق بإحياء التراث. لم تهتم المجامع في دراسة اللغة العربية بما وصلت إليه الأبحاث اللسانية الحديثة. لقد تَمَّ التنصيص غير ما مرة على "الدراسة العلمية" للغة العربية ولهجاتها. لكن المجامع لم توضح معنى هذه الدراسة العلمية وما هو الأساس النظري والمنهجي الذي ستقام عليه الدراسة العلمية للعربية ولهجاتها. إن المجمع اللغوي بالقاهرة - مثلاً - ظل حتى حدود الستينيات مقتصراً على ترديد صدى المنهج التاريخي من خلال إلحاح أعضائه على «وضع معجم تاريخي للغة العربية وأن ينشر أبحاثاً دقيقة في تاريخ بعض الكلمات وتغير مدلولاتها». هل تنحصر كل مشاكل اللغة العربية في وضع معجم تطوري؟

        الواقع أن اللغويين المنجمين قلما تحدثوا بدقة وعمق عن النظريات اللسانية الحديثة، مكتفين بإحالات عامة إلى بعض المفاهيم اللسانية وأسماء بعض العلماء كما فعل إبراهيم أنيس() ومراد كامل في تقديمه لعلم الأصوات() ومصطلحات علم اللغة التي وردت في بعض أعداد مجلة المجمع(). وقد بدأ تهميش المبادئ اللسانية أمراً واضحاً أثناء دراسة القضايا المطروحة على المجمع.

        لم تقدم المجامع أي دراسة لسانية للغة العربية في إطار لساني حديث سواء تعلق الأمر بالمنهج المقارن أو التاريخي أو الوصفي، ولعل مرد هذا التهميش أن أغراض المجامع - مهما اختلفت صياغتها وتعددت - ظلت منحصرة في المحافظة على العربية وإحيائها بجعلها لغة العلم والتعليم والحياة، لذلك ركزت المجامع اهتمامها على البحث في الوسائل التي تضمن تحقيق الأهداف الكفيلة بترقية اللغة العربية. وقلما خرجت المجامع اللغوية عن هذه الغاية "الحضارية" التي أنشئت من أجلها.   

        يرجع السبب الثاني في عدم الاهتمام بالتحليل اللساني الحديث للغة العربية لطبيعة المجمع ذاته باعتباره مؤسسة دورها الأساس المحافظة على اللغة العربية وتطويرها. إن المجامع حيثما وجدت أقرب إلى المحافظة والتقليد منها إلى التجديد «ولعل فكرة المجامع اللغوية ألصق بالماضي منها بالحاضر وأقرب إلى القرن السابع عشر منها إلى القرن العشرين»(). وقد دعم هذه النزعة نحو المحافظة والتقليد عدم وجود عدد كاف من اللغويين المجمعيين الأخصائيين في علم اللغة الحديث. إلا أنه لا ينبغي ربط غياب الأسس النظرية اللسانية في الخطاب اللغوي المجمعي بغياب الأفكار اللسانية ذاتها. لقد كان من بين المجمعيين من تعرف على الفكر اللغوي بمفهومه الغربي أمثال حامد عبد القادر وعبد الحميد حسن ومراد كامل وإبراهيم أنيس اللغوي المعروف().

        إذا نحن تتبعنا ورود بعض الأفكار اللسانية الحديثة إلى رحاب المجمع بالقاهرة وجدنا أنها صدرت أساساً عن مجمعيين غير عرب أي المستشرقين.

        لقد تحدث مثلاً لويس ماسينيون (1883-1962) «عن البرامج الحديثة التي بدئ النظر فيها لجميع اللغات على مقتضى نظرية علم الصوتيات لمؤسسها Troubetskoy() وبين ماسينيون للمجمعيين الفرق النظري والمنهجي بين علم الصوتيات Phonologie وعلم الأصوات Phonétique، فعلم الصوتيات ترﻛﻴﺒﻲ وعلم الأصوات تحليلي، وأهمية نظرية علم الصوتيات هي بحث الأشياء جملة كما هي في الحياة لا تفصيلاً كما في علم الترشيح(). كما عرض هذا المستشرق المجمعي لبعض المفاهيم النظرية في علم الصوتيات البنيوية فتحدث عن مفهوم "الورود Récurrence أو Fréquence. والحروف Opposées ومعناها المتباعدة "أي" أن الفرق الثابت بين الحروف المتناسبة أبعد مخرجاً في النطق. مثلاً هناك تباعد بين الفاء والباء والميم وهذا التباعد ثابت يميزها ويمنع الاشتباه بغيرها»(). ومعلوم أن المقصود بالحروف المتباعدة أو المتقابلة ما أصبح يعرف بالتقابلات، وهو المفهوم الذي أرسى دعائمه مدرسة براك انطلاقاً من قولة سوسور الشهيرة «ليس في اللغة إلا الاختلاف»(). عبر ماسينيون عن ذلك بشكل مبسط لا يخلو من فائدة قائلاً: «يقول علماء الصوتيات إنما الإنسان إذا فكر في مادة عامة كاللون ففكرة الأسود كامنة في ضميره إذا ذكر الأبيض لأن الفكر ترﻛﻴﺒﻲ وفكرة اللون تجمع النقضين. فالقضبان هما حدان يشيران إلى منتهى التباعد وأحدهما ملازم للآخر في التصور الذهني وفي الاصطلاح النطقي»().

        وتحدث ماسينيون عن مفهوم القيمة الوظيفية للحرف Valeur fonctionnelle() وهو أيضاً مفهوم بنيوي أكد عليه أساساً براك تربسكوي وجاكبسون ومن جاء بعدهم أمثال مارتيني().

        وينتهي ماسينيون إلى القول بأن المعجم يمكن أن يستفيد من الصوتيات، «يمكن على أساس نظرية علم الصوتيات أن ننظم ذلك في المعجم»().

        هذه مبادئ أساسية في البحث اللساني كان بإمكانها أن تثري أعمال المجمع والمجمعيون. إن الاكتفاء بالإحالات العامة لبعض "الأفكار" اللسانية الحديثة لم يكن كافياً لأن يقدم أي جديد على المستوى العملي. نعم إن ماسينيون وغيره من المستشرقين ليسوا لسانيين بالمعنى الدقيق لكلمة "اللساني" "Linguiste"، وصحيح كذلك أن الأفكار اللسانية التي عبر عنها المستشرقون داخل المجمع وخارجه - كما هو الشأن بالنسبة للآراء برجشترايس - لم تكن دقيقة وكافية للتعريف بالمبادئ النظرية والمنهجية لعلم اللغة الناشئ، لكن الصحيح أيضاً أن المجمعيين العرب لم يعطوا للسانيات العامة ما تستحقه من العناية والأهمية بالرغم من أنهم كانوا في أمس الحاجة لرؤية نظرية ومنهجية يمكن من خلالها تسليط أضواء جديدة على قضايا اللغة العربية.

        هل نجح المجمع في مهمته التاريخية رغم الإمكانات المادية والفكرية التي توفرت له؟ يبدو أن ثمة جملة من مظاهر النقص التي يمكن تبريرها كالتالي:

 

        أولاً: إن معاجمنا في مجملها تعكس تصوراً فكرياً من النمط التقليدي الذي يتطلب مجهوداً كبيراً بحثاً عن القليل.

        ثانياً: تضخم المادة المعجمية نفسها ومرد ذلك في نظرنا ارتباط المعجم بصورة غير محددة للغة العربية من حيث إنها حالة لغوية محددة بالمعنى العلمي الدقيق لكلمة حالة. فنحن لا نعرف بالتحديد أين تبدأ اللغة العربية وأين تنتهي. فمفردات اللغة العربية قد تنتمي للعصر الجاهلي كما قد تنتمي للعصر الحديث أو لعصر المقامات أو لأي مرحلة لغوية أخرى على عكس ما هو حاصل بالنسبة للغات أخرى. والنتيجة أن مفردات اللغة العربية تنتج وتفهم اليوم بشكل تقرﻳﺒﻲ والقارئ العربي لا يبدو أنه يرجع كثيراً للقواميس العربية للتدقيق في معاني الكلمات وذلك لعدة أسباب:

 

 

 

 

 

        ثالثاً: انتفاء السلطة اللغوية لدى المجامع العربية ونعني بذلك غياب العلاقة بين ما هو لغوي وما هو فكري أو اجتماعي أو حتى سياسي. فالمجامع أو الهيئات اللغوية التابعة له لا تمارس سلطتها اللغوية كما يحصل بالنسبة للغات أخرى، لأن الإرادة السياسية الوصية على المجامع لا تهتم كثيراً بالتدبير السياسي لقضايا اللغة العربية سواء في المحافظة عليها (إعلانات/ لغة الوصلات الإشهارية المسموعة والمكتوبة إلخ) أو في تطويرها وتنميتها والتخطيط لها تربوياً وإدارياً. ولا يمكن للمجامع اللغوية أن تستمد سلطتها اللغوية إلا حين يكون للغة وضع اعتباري فاعل اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وهو الوضع الذي تفتقده اللغة العربية رهناً بانحصارها في إطار معرفة محددة. فما أكثر قرارات المجامع منذ بداية القرن العشرين وما أكثر المؤسسات الرسمية المكلفة بالنهوض باللغة، لكن بالمقابل ما أكثر مظاهر الانحراف والتدمير والعوائق التي تعيشها اللغة العربية يومياً وعلى يد أبنائها قبل غيرهم. من يملك سلطة مراقبة لغة المذيع الصحافي والمعلق الرياضي والكاتب الصحفي والأديب؟ من يسهر على ضبط الاستعمال الصحيح للغة العربية لمعجم اللغة العربية وتراكيبها؟ من يسهر على تنسيق الاستعمال الصحيح والموحد للمصطلحات العربية في الأوساط الفكرية والجامعية عبر ما ينشر في العالم العربي من دوريات وكتب ودراسات؟ ندرك جيداً أنه لا مجال لفرض قيود جديدة من أي نوع على مستعملي اللغة، نحن لا ندعو إلى سلطة لغوية جديدة لفقهاء اللغة ونحاتها حتى ولو جاؤوا في تسميات جديدة، لكننا مع إجراءات وتدابير كفيلة برفع تحديات العصر اللغة ليس المعجم إلا عنصراً واحداً منها.

        لقد أشرنا في بداية هذه الدراسة أن الحركة اللغوية المجمعية ذات طبيعة حضارية قوامها جعل اللغة العربية لغة ملائمة للعصر الحديث ومتطلباته، لذلك فإن المجمع قلما نظر إلى العربية في "ذاتها". وإذا كانت المجامع قد حققت إلى حد كبير مهمتها الحضارية في النهوض باللغة العربية وتطويرها بشتى الوسائل والطرق فإنها لم تضف أي جديد يذكر في وصف العربية الفصحى وفق ما تقدمه النظريات اللسانية الحديثة من مفاهيم ومناهج.

        لقد كان الخطاب اللغوي المجمعي معاصراً في كثير من الموضوعات والقضايا التي طرحها للبحث والتداول لكنه كان تقليدياً في أسلوب تناولها والحديث عنها بالرغم من كثرة الإحالات العامة إلى "الدرس اللغوي الحديث" الواردة عند المجمعيين دون تحديد أو ضبط.

 

 

(

.

http://www.attarikh-alarabi.ma/Html/Adad43partie12.htm

Partager cet article

Commenter cet article