Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

1/3النشاط اللغوي المعجمي أو مشروع لغة عربية حديثة

21 Mai 2009 , Rédigé par mazagan Publié dans #مقالات واخبار

النشاط اللغوي المعجمي

أو

مشروع لغة عربية حديثة()

 

                                                الدكتور مصطفى غلفان

                                                         أستاذ باحث - الدار البيضاء

                                                                       المملكة المغربية

 

 

        تنظر هذه الدراسة في الكيفية التي حاولت بها مجامع اللغة العربية لا سيما مجمع اللغة بالقاهرة رفع التحديات التي واجهت اللغة العربية في بداية القرن العشرين.

 

 

 

 

 

        نتتبع ذلك بالتفصيل ومن خلال أمثلة محددة جزءً من هذه القضايا اللغوية لنقف عند إمكانات وحدود الكتابة اللغوية المجمعية لا سيما في الجانب المتعلق بالمصطلح والمعجم. كما نبين من خلال هذه الدراسة هيمنة النزعة المحافظة داخل المجمع وكيف أن المجمع لم يستفد من الآراء اللسانية الجديدة التي عرضها بعض الأعضاء والتي كان بإمكانها أن تقدم الحلول المناسبة لبعض القضايا الشائكة التي عالجها المجمع.

        إن التحدي الحضاري الذي واجهته اللغة العربية منذ ما عرف بالنهضة وما زالت تواجهه إلى اليوم لم يزدد مع مرور الوقت إلا قوة وصلابة أمام ضآلة النتائج العلمية المحصل عليها في غياب سلطة لغوية شاملة يخضع لها الجميع أو يستأنس بها الكل في أحسن الأحوال. فأسئلة النهضة مثل: كيف تواجه اللغة العربية مظاهر الحضارة الغربية؟ وكيف ننمي اللغة العربية ونجعلها عملية ووظيفية لرفع التحديات والعقبات. هذه الأسئلة ما تزال تطرح نفسها بإلْحَاح شديد وربما بدرجة أكبر أمام تضخم غول العولمة وسيادة مجتمع المعرفة العالمي من جهة والتوتر القائم بين الهوية العربية بجميع مقوماتها ومنها اللغوية والهيمنة الاقتصادية والسياسية العالمية التي لا تتردد في قطع الطريق أمام كل الخصوصيات اللغوية والثقافية لا سيما إذا كانت لها مقومات وخلفيات فكرية ومجتمعية مغايرة لما هو سائد في الغرب.

 

1 - نشأة المجامع اللغوية

       1-1. من أجل عربية حضارية

        نشأت المجامع العلمية واللغوية العربية بدمشق والقاهرة وبغداد وعمان نظراً للمتطلبات الملحة التي استوجبتها الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي عاشها العالم العربي منذ عصر النهضة. وتنحصر هذه المتطلبات في الدور الحضاري الذي يمكن أن تقوم به اللغة العربية في حياة الإنسان العربي. وعلى غرار ما حاول بعض القادة العرب - آنذاك - القيام به سياسياً واجتماعياً، تركز النظر حول دور اللغة العربية الفاعل في كل عمل نهضوي سواء أتعلق الأمر بالجانب السياسي أو الاجتماعي أو العلمي أو الأدبي، إذ لا إصلاح ولا نهضة بدون إحياء لغة الأمة.

        إن المجامع التي تأسست في العالم العربي منذ بداية القرن العشرين لم تنظر إلى اللغة العربية في «حد ذاتها ومن أجل ذاتها»، وإنما باعتبارها وسيلة فعالة لدعم النهضة السياسية والاجتماعية. كان الاهتمام باللغة العربية في المجامع - موازياً لاهتمامات معرفية أخرى بدءً «بنشر الآداب العربية وإحياء مخطوطاتها وتعريب ما ينقصها من كتب العلوم والصناعات والفنون عن اللغات الأوربية وتأليف ما تحتاج إليه من الكتب المختلفة المواضيع على نمط جديد (...) وبجمع الآثار القديمة من تماثيل وأدوات وأوان ونقود وكتابات وما شاكل ذلك ولا سيما ما كان منها عربياً. كما عني بجمع المخطوطات القديمة الشرقية والمطبوعات العربية والإفرنجية على اختلاف موضوعاتها»(). وتتضح هذه القضايا من خلال مجلة "المجمع" التي  «تحتوي على دراسات في فقه اللغة والتاريخ والآداب والاجتماع من تأليف الأعضاء وغيرهم من الباحثين والدارسين»().

        وقد كان مجمع اللغة العربية بالقاهرة أكثر التصاقاً باللغة العربية وقضاياها النحوية والصرفية واللغوية والمعجمية لجعلها أكثر قدرة على مواجهة الحياة الجديدة ومواكبة لمظاهر التقدم العصري في مجال العلم والصناعة والاجتماع...

        حددت أعراض هذا المجمع فيما يلي:

 

 

 

 

).

 

        وأضيفت لهذه الأغراض بعد عشرين سنة «نشر ما يراه لازماً لأعمال المعجم ودراسة فقه اللغة من النصوص القديمة بالطرق العلمية»(). ثم أصبحت قضايا المجمع وموضوعاته أكثر اتساعاً وشمولية حين بات من أهدافه مناولة جوانب معرفية وفنية أخرى تخرج عن حدود الأغراض اللغوية التي تم سردها. لقد أضيف لأغراض المجمع:

 

 

).

 

        وجاء أيضاً ضمن الأغراض الجديدة للمجمع:

 

).

 

        مما لاشك فيه أن الأهداف السالفة لها قيمتها "المعرفية" إضافة إلى "قيمتها التاريخية"، لا سيما إذا أخذنا بالحسبان الظروف الحضارية التي ظهرت فيها المجامع من خدمات جليلة للغة العربية قصد النهوض بها بدءً من جمع جديد لمفرداتها والتكفل بتأليف المعجمات اللغوية المناسبة مثل ("معجم الوسيط" 1960) ووضع المصطلحات العلمية بالعربية وألفاظ الحضارة الملائمة. وقامت المجامع - لا سيما مجمع اللغة بالقاهرة - بالبحث في كل السبل التي تيسر النحو العربي وتجعله وظيفياً ليستفاد منه تربوياً. وكذلك كان دأب المجامع اللغوية العربية بالنسبة لتيسير الخط العربي ليكون في مستوى ما تقدمه صناعة الطباعة من تقنيات حديثة(). ونجد «في محاضر المجمع ومجلته دراسات قيمة وبحوثاً عميقة (...) وليست ثمة مشكلة من مشاكلنا الحاضرة في الأدب واللغة إلا وله فيها رأي أو توجيه. وقد تكون هناك قضايا لم يقطع فيها برأي ولكنه قلبها على وجوهها واقترنت فيها الحجة وألقي عليها كثير من الضوء»().

 

2 - المحاور الكبرى في البحث اللغوي المجمعي

        تمحورت اهتمامات المجمعيين حول القضايا اللغوية التالية:

 

 

 

 

).

       

 

    2-1. وضع المصطلحات العلمية وألفاظ الحضارة

        يعد مجمع اللغة بالقاهرة() نموذجاً لباقي المجامع العربية. وقد تشكل هذا المجمع منذ نشأته من مجموعة من اللجان التي أنيط بها النظر في المصطلحات العلمية المتنوعة وألفاظ الحضارة(). ونذكر من هذه اللجان:

 

 

 

 

 

 

 

 

).

 

        وهكذا تآزرت جهود أعضاء اللجن المذكورة لوضع المصطلحات والألفاظ التي أضحت العربية الحديثة في حاجة إليها. وقلما صدر عدد من مجلة المجمع دون لوائح مطولة بالمصطلحات التي اقترحها المجمعيون في مختلف مجالات العلم والحياة().

        ما المقصود بالمصطلح؟ إنه «اللفظ أو الرمز اللغوي الذي يستخدم للدلالة على مفهوم علمي أو عملي أو فني أو أي موضوع ذي طبيعة خاصة».

        لكن ما هي القاعدة المنهجية التي اتبعها المجمع في وضع المصطلحات؟ «الواقع أنه لم يستقم له لأول وهلة منهج لوضع المصطلحات وإقرارها. وتردد في ذلك زمناً: أيخترع أم يسجل؟ أيعرب أم يحيي الألفاظ القديمة؟ أيقبل العامية أم يأخذ من الفصحى وحدها؟ أيسلم بالنحت أم يرفضه»().

        تلك بعض الإشكالات المنهجية التي واجهت المجمع وهو يحاول صوغ المصطلحات. غير أن المجمعيين لم يخرجوا في وضعهم للمصطلحات عن الأسس المعروفة قديماً في توليد الألفاظ العربية وتنميتها وهي: الاشتقاق والمجاز، والنقل والنحت والتعريب. وتم تقنين هذه المبادئ وتحديدها وتوضيح شروط تطبيقها، ومكنت الوسائل السالفة اللغة العربية من ابتكار المصطلحات العلمية الجديدة والألفاظ العامة التي تحتاجها العربية لمواجهة مستجدات العلم واختراعاته.

        واتسم موقف المجمع بكثير من المرونة والانفتاح في توليد الألفاظ العربية الجديدة سواء كانت مصطلحات علمية أم ألفاظاً حضارية. وتوسع في الاشتقاق وزواج بين التعريب والاشتقاق ومزج بين المولد والمقيس بعد أن ضبط كلاً منهما وسمح بما لم يسمح به أئمة اللغة العربية من قبل.

        أما الاشتقاق «فأخذ كلمة من كلمة أو أكثر مع تناسب بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى»(). وتجاوز المجمع مبدأ الاشتقاق من الصيغ الفعلية «فأجاز الاشتقاق من الأسماء الأعيان»()، «لتدليل عقبة وضع مصطلحات العلوم الكيمائية والطبيعية والحيوية»(). واعتبر قرار الاشتقاق من أسماء الأعيان خاصاً بلغة العلوم ضرورة(). وعلل أحد المجمعيين اللجوء لهذا القياس الجديد بأنه «أخذ بما ذهب إليه ابن جني وأبي علي الفارسي واستناد لمجموعة من الشواهد اللغوية القديمة لهذا النوع من الاشتقاق: ومن ذلك قولهم مُذهَّب (من ذهَبَ) مُدَنَّر (من دينار) مُدَرْهَمٌ (من درهم)». وعلى هذا المنوال القديم يجوز لنا أن نقول «مُنَحَّس (من النحاس) مُبَلَّر أو مُتَبَلَّر (من البلور) مُقصْدَر (من القصدير) مُكَهْرَب (من الكهرباء) مُغَنْطَسٌ (من المغنطيس)»().

        وتميز مجمع اللغة العربية بالقاهرة بمواقفه الجديدة الإيجابية حيال بعض الأوزان الصرفية التي أقر أنها قياسية رغم أنها لم تكن كذلك من قبل، كدلالة «فِعالة على الحرفة أو شبهها من أي باب من أبواب الثلاثي»، «ودلالة فَعَلان على الاضطراب من كل فعل لازم مفتوح العين إذا دل على تقلب واضطراب»، و«قياس فُعال» من الفعل اللازم المفتوح العين للدلالة على المرض «(كُباد أي مصاب بداء الكبد) وقياس فُعال وفَعيل للدلالة على الصوت»، و«قياس مِفْعَل ومِفْعَلَة ومِفْعَال من الثلاثي للدلالة على الآلة التي يعالج بها الشيء». واعتبر المجمع أن «تعدية الفعل الثلاثي اللازم بالهمزة قياسية»(). ومن القرارات الهامة في وضع المصطلح قول المجمع بقياسية المصدر الصناعي و«يكفي لتكوينه أن يضاف إلى الكلمة ياء نسب وتاء تأنيث فيقال المثالية والكانطية. ولهذا المصدر أهميته في الدلالة على المعاني العلمية الدقيقة، وخاصة أسماء المذاهب والنظريات مما هو مفتوح بـ isme في اللغات الأوربية»().

        ورغبة منه في تسهيل مهمة وضع المصطلحات عدل المجمع عن قراره بإجازة الاشتقاق من أسماع الأعيان للضرورة جاعلاً هذا الصنف من الاشتقاق جائزاً من غير تقييد بالضرورة().

        أما ما يتعلق بالتعريب، فقد سمح المجمع بأن «تستعمل بعض الألفاظ الأعجمية عند الضرورة على طريقة العرب في تعريبهم»(). وتم قبول أسماء مثل أوكسجين وهيدروجين وأنزيم وأيون وإلكترون(). كما أجاز المجمع مجيء بعض الأفعال من الأسماء المعربة فوافق على اشتقاق "بَسْتَرَ" وهو مأخوذ من باستور صاحب الطريقة الخاصة في التعقيم، و"بَلْوَرَ" من البلور وهو معرب قديماً و"بَلْشَفَ" من البُلْشِفِيَّة و"تَلْفَنَ" من التلفون و"فَبْرَكَ" من الفابريكة، والمراد بالفعل صنع الشيء بالآلة (...) و"كَهْرَبَ" من الكهرباء، وقد أقر المجمع تعريب الاسم().

        وإضافة للقرارات السالفة قرر المجمع من المبادئ والأصول العامة لوضع المصطلحات والألفاظ هي:

 

 

 

 

).

        تلك بعض الأصول التي حاول المجمع إتباعها في وضع المصطلحات والألفاظ، غير أن وفرة المصطلحات والألفاظ الأجنبية التي كان ينبغي إيجاد مقابل عربي لها وتعدد الاختصاصات والمجالات المعرفية والتباطؤ في صوغ المصطلحات والتعامل معها، كل هذه العوامل حدت كثيراً من قيمة عملية الوضع هاته، وجعلتها عملية صعبة ومعقدة بعد أن تكاثرت المصطلحات، وتعددت داخل الحقل المعرفي الواحد بين ما هو جديد، وما هو قديم وبين ما هو معرب قديم ومعرب حديث. كما تراجع المجمع نفسه عن كثير من المصطلحات التي تم وضعها من قبل. وانعكس ذلك كله على تداول هذه المصطلحات فصار لكل قطر من الأقطار العربية في مصر والشام والعراق وبلاد المغرب أوضاعه اللغوية ومصطلحاته الخاصة()، ولم تتمكن المجامع بعد من تنسيق جهودها لتوحيد المصطلحات كما لم يستطع مكتب تنسيق التعريب بالرباط - الذي أحدث لهذه الغاية - أن يقوم بهذا الدور إلا جزئياً وما تزال الاقتراحات تتقدم في هذا الاتجاه().

        ورغم ذلك كله لا يمكن لأي أحد أن يتجاهل الدور الذي قام به المجمع وما أولاه المجمعيون من اهتمام للمصطلحات وضعاً وتعريباً. فقد وضع مجمع القاهرة «منذ نشأته ما يقرب من خمسين ألف مصطلح وهو ما يعادل وضع خمس كلمات في اليوم لمدة ثلاثين سنة»(). ومما لا شك فيه أن هذا العدد قد تضاعف اليوم مرات ومرات.

        والواقع أن مسألة تعدد المصطلح في الثقافة العربية ترجع لأسباب موضوعية منها «أن العربية اليوم تأخذ ولا تعطي (...) واختلاف اللغات التي يترجم عنها العرب»()؟

        ونلحظ عدم مردودية المصطلحات والألفاظ المقترحة من قبل المجمعيين من خلال ما نصادف في قراءتنا للمؤلفات العربية المعاصرة - أياً كان مجال اختصاصها المعرفي - مصاحبة المصطلح العربي لنظيره الأجنبي، وما يزال معظم المؤلفين العرب يملؤون مؤلفاتهم بقائمة المصطلحات التي يقترحونها باعتبارها أكثر ملاءمة من غيرها.

        بصفة عامة يتسم العمل المجمعي في صوغ المصطلح ووضعه بجملة من الأمور نذكر منها:

 

 

 

 

 

        كم باحث في العلوم الإنسانية - أو في غيرها - يأخذ بعين الاعتبار ما تضعه المجامع من مصطلحات؟ بل كم منهم يعرف أن ثمة مصطلحات وضعتها المجامع العربية؟

        إن إشكالية المصطلح في الثقافة العربية الحديثة -على خلاف ما يعتقد- لا تكمن في وضعه فحسب، ذلك أن «أزمة مصطلحاتنا ناشئة عن ضيق حدود استعمالنا لها»().

 

 

3 - نحو معجم عربي حديث

        اهتمام الثقافة اللغوية العربية الحديثة بقضايا المعجم سبقت الإشارة إلى اهتمام اللغويين اللبنانيين بالمعجم العربي نقداً وتأليفاً. وتميز اللغويون اللبنانيون بريادتهم لهذا النوع من البحث اللغوي. وليس هنا مجال عرض ما تم القيام به في هذا الباب. بصفة عامة، دارت الحركة المعجمية في لبنان وغيره من الأقطار العربية خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حول المحاور التالية:

 

 

 

 

 

        وقد صاحب هذه المحاور حركة نشر واسعة للمعاجم العربية القديمة، وقد حمل مشكل هذا النشاط المعجمي علماء لغويون كثيرون من عرب وعجم أشهرهم على الإطلاق أحمد فارس الشدياق وبطرس البستاني ودوزي().

        وتابع مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ نشأته سنة 1932 هذه المسيرة بحثاً عن معجم عربي حديث، وقد أسندت مهمة ذلك لكل المهتمين بالبحث المعجمي من عرب وأعاجم المتواجدين تحت سقف المجمع. في هذا الاتجاه حاول المجمع أن ينشر تحت إشرافه ودعمه المادي المعجم الذي وضعه المستعرب الألماني أوغست فيشر عضو المجمع، وهو معجم تاريخي صنفه صاحبه على «غرار معجم أكسفورد التاريخي فيصعد للنصوص الأولى لتوضيح معاني الكلمات ويتتبع تاريخها وتغير مدلولها»، غير أن هذا المشروع الضخم لم يخرج للوجود إذ توفي فيشر سنة 1949. حاول المجمع أن يستخدم جذاذات فيشر قاعدة للمعجم التاريخي للغة العربية لكنه لم يفلح «لاستحالة تحقيق هذا الغرض لأن الجذاذات لم تتم وما تم منها لم يرتب، والكتب التي روجعت وجمعت منها المواد لم يتبين ما قرئ منها وما بقي بلا قراءة»()، لذلك لم ينشر من عمل فيشر سوى «المقدمة التي [كان المؤلف قد] راجعها والجزء الذي نشره في مجلة المجمع»().

        تابع المجمع المحاولات الرامية لوضع معجم عربي حديث يتجاوز نقائص المعاجم العربية القديمة ويكملها نتيجة ضرورات الحياة العصرية فأصدر سنة 1970 الجزء الأول من "المعجم الكبير" وصدر الجزء الثاني منه في بداية الثمانينيات. يتميز "المعجم الكبير" من حيث مصادره اللغوية اعتماده الشعر والنثر العربيين مهما يكن العصر الذي أنشئ فيه دونها تحديداً لما درج على تسميته بعصور الاحتجاج، كما أخذ المعجم مادته من الحديث النبوي والأقوال المشهورة. واهتم  بالألفاظ الطارئة حديثاً على العربية نتيجة تقدم الحضارة ورقي العلم. و"المعجم الكبير" يتجاوز بذلك كل المعاجم العربية القديمة منها والحديثة، ليعكس حرص فئة كبيرة من المجمعيين على تطوير اللغة العربية وإنمائها بألفاظ حديثة.

        اعتمد المجمعيون في تأليف "المعجم الكبير" منهجية جديدة تجمع بين ما قام به بعض القدامى في معاجمهم وما اتبعته أمهات المعجميات الغربية الحديثة. لقد «نحي في هذا المعجم المعاجم الغربية في استخلاص المعاني العامة المشتركة التي تدور حولها ألفاظ المادة الواحدة والتي تشبه إلى حد كبير ما سماه ابن فارس الأصول أو المقاييس وقدمها في صدر كل مادة مع ترقيمها وقسمت المادة نفسها إلى أقسام بحسب معانيها التي استنبطت منها وأعطى كل قسم الرقم الذي وضعه تحت معناه في صدر المادة»().

        ويتميز "المعجم الكبير" بمحاولته الفريدة في البحث عن أصول الألفاظ العربية، فأردف الألفاظ العربية بنظيراتها في اللغات السامية - أو في غيرها من اللغات - كلما كان ذلك ممكناً.

        على أن أهم عمل معجمي قام به المجمع اللغوي بالقاهرة يتمثَّل في إنجازه "للمعجم الوسيط" الصادر سنة 1960. يعتمد "الوسيط" من حيث المادة، اللغة العربية قديمها وحديثها، «يضع ألفاظ القرن العشرين إلى جانب ألفاظ الجاهلية وصدر الإسلام ويهدم الحدود الزمانية والمكانية التي أقيمت خطأ بين عصور اللغة المختلفة ويثبت أن في اللغة العربية وحدة تضم أطرافها»(). ويحتوي المعجم المصطلحات العلمية الشائعة سواء منها ما وضعه المعجميون أو غيرهم وسواء أتعلق الأمر بالمعرب أو بالدخيل. واحتلت الألفاظ العامة والمصطلحات الحديثة حيزاً لا يستهان به من حجم المعجم، ففيه من الدخيل 237 كلمة والمولد 535 والمحدث 651 وزاد ما أقره المجمع 1283 [من مجموع 2706] أي بنسبة 9 % من مواد المعجم (30.000().

        كما أورد "المعجم الوسيط" الأساليب الرائجة على أقلام الكتاب وألسنة المتعلمين المحدثين مبتعداً عن «الألفاظ الحوشية الجافية أو التي هجرها الاستعمال لعدم الحاجة إليها أو قلة الفائدة منها كبعض أسماء الإبل وصفاتها وأدوائها وطرق علاجها (...) كذلك أغلقت بعض المترادفات التي تنشأ عن اختلاف اللهجات»().

        وأفاد واضعو "المعجم الوسيط" من قرارات المجمع اللغوية فطبقوها في عملية وضع مواد المعجم وتفسيرها اللغوي والصرفي والنحوي ومن هذه القرارات الهامة:

 

 

 

).

 

        وجاء "المعجم الوسيط" سهل التناول ميسر الترتيب بحيث رتبت الكلمات بحسب نطقها - أي هجائياً - لا بحسب تصريفها. واستعمل المعجم لغة عصرية واضحة في التعريفات والشروح التي جاءت معززة «بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأمثال العربية والتراكيب البلاغية المأثورة عن فصحاء الكتاب والشعراء»().

        وزين "المعجم الوسيط" بالصور والرسوم المساعدة على الإفهام بلغ عددها ستمائة صورة(). واعتمدت اللجنة الواضعة للمعجم الوسيط في ترتيب المواد المعتمدة منهجية موحدة وواضحة تتلخص فيما يلي:

 

 

 

 

).

 

        والواقع أن الحركة اللغوية المعجمية قدمت من خلال إخراجها "للمعجم الكبير" و"المعجم الوسيط"() خدمة جليلة للغة العربية المعاصرة. وقد حمد المتتبعون اللغويون ما بذله المجمع من عناية فائقة وجهود طويلة وشاقة لإخراج معجم في مستوى "المعجم الوسيط". فهو «أقرب معاجمنا إلى الكمال في الجمع والترتيب والتيسير»()، و«توافر فيه من أسس التجديد المعجمي ومظاهره ما يهيئ له مكاناً مرموقاً بين المعاجم المعاصرة»().

 

    2-3. تيسير النحو العربي

        إن محاولات تيسير النحو العربي وقواعده ليست وليدة القرن العشرين. سار النحو العربي منذ نشأته في اتجاهين متوازيين يمثل أحدهما التآليف المتخصصة بدقائق النحو وغرائب اللغة ويمثل الآخر التآليف التعليمية التي تهدف إلى تيسير النحو وتسهيل تعليمه للشاذين من أبناء العربية وللأعاجم الراغبين في تعلمها(). وتزايد الاهتمام بمسألة تبسيط قواعد النحو العربي منذ بداية النهضة فكانت محاولات رفاعة الطهطاوي في كتابه "التحفة المكتبية" وسيد المرصفي في "الوسيلة الأدبية وغيرهما"(). وارتبطت الأبحاث اللغوية في كثير من الحالات بمسألة تدليل صعوبات العربية وقواعدها بإصلاح طريقة التعليم والاستعانة بأساليب التربية الحديثة واختيار الكتاب المدرسي الملائم لتدريس اللغة وعرض قواعدها().

        اهتم مجمع اللغة العربية بالقاهرة بقضية "تيسير النحو العربي" عندما كانت وزارة المعارف قد ألفت لجنة للبحث في تيسير قواعد النحو والصرف والبلاغة ورفعت هذه اللجنة تقريرها إلى الوزارة فعرضته الوزارة على المجمع لتعرف آراءه فيما قررته اللجنة من المقترحات().

        لا يسعنا المقام لعرض مقترحات لجنة وزارة المعارف المصرية لذلك نكتفي بتقديم الأفكار الموجهة لهذه المقترحات تسهيلاً لإدراك موقف المجمع من مسألة "تيسير النحو العربي"().

        لاحظ تقرير "تيسير النحو" المقدم من قبل اللجنة المذكورة «أن أهم ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء:

 

أ و لاً :  فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا ويسرفوا في الافتراض والتعليل.

والثاني : إسراف في القواعد نشأ عنه إسراف في الاصطلاحات.

والثالث: إمعان في التعمق العلمي باعد بين النحو وبين الأدب»().

 

        استهدف التقرير تيسير أبواب النحو العربي التالية:

 

0 الإعراب: - وما يتعلق به من إعراب تقديري ومحلي والاستغناء عن ذلك.

-    العلامات الأصلية للإعراب والعلامات الفرعية.

0   الجملة: - أركانها الأساسية تسمية الارتكان، أحكام إعرابهما الترتيب بين الموضوع والمحمول، المطابقة بينهما.

-   التكملة وأغراضها.

0   الأساليب: - وتضم تراكيب التعجب والتحذير والإغراء والتفضيل وما شابهها.

 

        أما الصرف فقد رأت اللجنة «أن أكثر مسائله من بحوث فقه اللغة التي لا يحتاجها البادئ بل لا يصل إليها فهمه كالإعلال والإبدال والقلب»().

        نظر المجمع اللغوي ابتداء من سنة 1945 في تقرير اللجنة ومقترحاتها فأصدر جملة من القرارات يُكمل معظمها ما جاء في تقرير اللجنة:

                ð أكد المجمع أن «أي رأي - في تيسير النحو - يؤدي إلى تغيير في جوهر اللغة وأوضاعها العامة لا تنظر إليه اللجنة لأن مهمتها تيسير القواعد»().

        غير أن المجمع لم يحدد طبيعة جوهر اللغة وأوضاعها العامة، لذلك فإن قراراته أبقت على كثير من الآراء اللغوية القديمة كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف. ووافق المجمع على جل مقترحات لجنة وزارة المعارف المتعلقة بالقضايا النحوية التالية:

 

        ð إعراب الأسماء المبنية حيث يستغنى عن الصيغ المألوفة في إعراب المبنيات وفي إعراب الاسم الذي تقدم عليه الحركات (...) ويستغنى عن الصيغ المألوفة في الدلالة على العلامات التي تنوب عن الحركات الأصلية...

        نقول في إعراب "من" في "جاء من أكرمني". من اسم موصول مبني مسند إليه محله الرفع وفي إعراب الفتى والقاضي في "جاء الفتى والقاضي" نقول: اسمان مسند إليهما محلهما الرفع. ونقول في إعراب الزيدان في "جاء الزيدان": الزيدان مسند إليه مرفوع بالألف.

        ð تسمية ركني الجملة بالمسند والمسند إليه كما اختار علماء البيان.

        ð كل ما ذكر في الجملة غير المسند والمسند إليه تكملة منصوبي على علامات النصب إلا إذا كان مضافاً أو مسبوقاً بحرف جر أو تابعاً من التوابع. يقال في إعراب قمت إجلالاً لك: قمت: صيغة ماضي للمتكلم وإجلالاً تكملة للفعل لبيان السبب.

        في "جاء زيد "راكباً" يقال "راكباً: تكملة لزيد مبنية للحال.

        وفي "سرت والنيل". يقال "النيل" تكملة لفعل لبيان المصاحبة.

        ð التركيب مثل التعجب والإغراء والتحذير والتفضيل... ويسميها تقرير اللجنة الأساليب - تدرس على أنها تراكيب يبنى معناها واستعمالها ويقاس عليها، نقول في ما "أحسن الجو" ما "أحسن" صيغة تعجب والاسم بعدها المتعجب منه منصوب.

        نقول في "إياك والنار" أو "النار النار". تراكيب تحذير والاسم فيها منصوب().

        ð اعتبار علم الصرف من فقه اللغة ولا داعي لتدريسه للناشئة().

 

        يلاحظ مما تقدم أن المجمع وافق على معظم ما جاء في تقرير لجنة وزارة المعارف من اقتراحات، ولا غرو في ذلك فقد كان بعض أعضاء المجمع أو المقربين أو المقترحين للانضمام إليه، أعضاء في اللجنة التي صاغت مشروع وزارة المعارف إضافة إلى العلاقة المعنوية بين المجمع ووزارة المعارف المصرية.

        لم يحقق مشروع تيسير النحو العربي أهدافه بالرغم من مساندة المجمع، وأجمع كثير من الدارسين في مصر وغيرها من الأقطار العربية على رفض مقترحات تيسير النحو. ففي مصر كان لهذه الاقتراحات «أثر كبير في إثارة أنصار القديم وكان من أشدهم ثورة عليها بعض علماء الأزهر الذين عدوا عملها طعناً في قداسة اللغة وخروجاً عن الدين»(). وفي سوريا كما في العراق رفض المشروع جملة وتفصيلاً().

6-3. إمكانات الكتابة اللغوية المعجمية وحدودها

    


Partager cet article

Commenter cet article