Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

أهم التجارب والنماذج الدولية الناجحة في مجال رعاية وتربية الأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة1/2

20 Mai 2009 , Rédigé par mazagan Publié dans #التعليم الاولي

أهم التجارب والنماذج الدولية الناجحة

في مجال رعاية وتربية الأطفال

بمرحلة الطفولة المبكرة

أ.د. ليلى كرم الدين

 

 

تمهيد

 

تزخر الساحة الدولية بالعديد من التجارب والنماذج الناجحة التي سعت لتقديم رعاية وتعليم وتربية وتنمية ذات جودة عالية للأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة، أي من لحظة الميلاد وحتى بلوغ سن الثامنة. وقد أطلق على كافة هذه الجهود "التربية المبكرة، Early Education" أو "تربية أطفال مرحلة الطفولة المبكرة، Early Childhood Education (ECE)".

ويكشف تتبع الجهود في هذا المجال أن التربية المبكرة بمفهومها الواسع العريض، أي كل ما يقدم للطفل من رعاية وتنشئة وتربية وتعليم وتنمية من لحظة الميلاد وحتى بلوغ سن الثامنة(1)، وكافة جهودها وبرامجها وأنشطتها تحظى باهتمام بالغ في المرحلة الراهنة وعلى كافة المستويات الدولية والإقليمية والمحلية وفي مختلف أنحاء العالم. بل إن الصعيد الأعظم من الجهات والمؤسسات السابق الإشارة لها تعتبر التربية المبكرة حقاً من حقوق الطفل على أسرته ومجتمعه والمجتمع الدولي بشكل عام.

بالإضافة لما تقدم فالملاحظ أن قطاعاً كبيراً من المتخصصين والخبراء والمعنيين بهذه المرحلة الهامة يعتبرون التربية المبكرة بعد دخول العالم للحلقة الثالثة من حلقات الحضارة الإنسانية، وهي حلقة المعلوماتية The Information Era، مطلباً ضرورياً لإعداد الأطفال للمستقبل بكل ما يحمله لهم من تحديات وصعاب ومشكلات، كما يعتبرونها السبيل الوحيد المتاح لإكساب الأطفال الخصائص والسمات اللازمة لإنسان القرن الحادي والعشرين، وهي الخصائص والسمات التي تمكنه من العيش في هذا القرن والتوافق معه والتنافس فيه.

ومن بين أهم الأسباب وراء الاهتمام المعاصر بالتربية المبكرة ما كشفت عنه مختلف الدراسات العلمية والبرامج والجهود التنفيذية من آثار كبيرة وبعيدة المدى للتربية المبكرة ذات الجودة العالية على الأطفال بمختلف فئاتهم، وهي آثار تتعلق بنموهم السليم وتعلمهم وتنميتهم في مختلف جوانبهم وتعويض المتأخرين منهم واكتشاف من لديهم احتياجات تربوية خاصة بينهم والتدخل المبكر بشأنهم.

نتيجة لذلك يلاحظ بالإضافة للاهتمام من جانب المنظمات الدولية والإقليمية وكافة الأجهزة والمؤسسات المنبثقة عنها والمحلية بالتربية المبكرة، اهتمام بالغ بالدراسات والبحوث العلمية التي سعت لوضع وتصميم البرامج الخاصة بالتربية المبكرة وتطبيقها والتحقق من كفاءتها وفعاليتها. بالإضافة إلى ذلك يلاحظ كذلك الاهتمام بإعداد البرامج التدريبية لجميع العاملين والمتعاملين مع الأطفال بهذه المرحلة العمرية الخطيرة من مشرفات دور الحضانة ورياض الأطفال والوالدين وغيرهم لرفع كفاءتهم وزيادة وعيهم والوعي العام بقضية التربية المبكرة وضرورتها بشكل عام.

والهدف الأساسي من هذه الدراسة هو التعرف على أهم وأنجح التجارب والنماذج الدولية في مجال تربية الأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة والتعريف بها وعرض وشرح أبرز معالمها وأهم ما حققته من نتائج وإنجازات.

ونظراً لأن كافة التجارب والنماذج الدولية الناجحة التي ظهرت في هذا المجال قد جاءت نتيجة للاهتمام بكل من مرحلة الطفولة المبكرة وبشكل خاص بالجهود المكثفة التي بذلت في مجال التربية المبكرة خلال النصف قرن الأخير على الأقل، كما أن جميع هذه النماذج والتجارب قد بنيت على أساس ما توصلت له الدراسات والبحوث العلمية التي سعت لوضع وتصميم البرامج الخاصة بهذه المرحلة وتطبيقها، والتحقق من كفاءتها وفعاليتها، لذلك يلزم قبل الاتجاه لعرض هذه النماذج والتجارب القيام بمحاولة جادة لشرح الأهمية القصوى للتربية المبكرة وتوضيح أهم الأسباب والمبررات وراء الاهتمام المعاصر بها والسعي لتوفيرها لجميع الأطفال. كما يلزم كذلك القيام بمحاولة لتحديد أهم وأبرز الاتجاهات التي سارت فيها الدراسات والبحوث الحديثة التي أجريت حول مختلف جوانب التربية المبكرة، وأهم ما توصلت له من نتائج وما ترتب عليها من تطبيقات وإجراءات تنفيذية في مختلف دول العالم وبشكل خاص المتقدمة منها.

نتيجة لما تقدم تنقسم هذه الدراسة إلى الأقسام الأساسية التالية :

أولاً : أهمية التربية المبكرة وأهم الأسباب والمبررات وراء الاهتمام المعاصر بها.

ثانياً : أهم وأبرز الاتجاهات التي سارت فيها الدراسات والبحوث في مجال التربية المبكرة وأهم ما توصلت له من نتائج.

ثالثاً : أهم التجارب والنماذج الدولية الناجحة في مجال رعاية وتربية الأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة.

وتقدم فيما يلي التفاصيل اللازمة لتوضيح كل من النقاط السابقة.

 

أولاً : أهمية التربية المبكرة

لتوضيح أهمية التربية المبكرة والاهتمام بها حالياً يتم عرض أهم المظاهر الدالة على هذا الاهتمام ثم تتم محاولة لتوضيح الأسباب الأساسية وراء هذا الاهتمام.

بالنسبة لأهم المظاهر التي تدل على الاهتمام بالتربية المبكرة فإن تتبع الجهود التي بذلت والبرامج والمشاريع التي طبقت وما زالت تطبق على المستوى الدولي في المجالات التربوية ليكشف عن اهتمام بالغ متجدد ومتزايد بكل ما يتعلق برعاية وتربية وتعليم وتنمية الأطفال الصغار قبل دخول المدرسة الابتدائية.

وقد بدأت هذه الجهود بتأسيس المجلس الدولي للتربية المبكرة،  OMEP في عام 1948 بجهود أهلية تطوعية من جانب بعض الشخصيات البارزة في كل من بريطانيا والدول الإسكندنافية. وقد جاء تأسيس هذا المجلس لاستكمال جهود منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) التي كانت في ذلك الوقت تعني بالتربية والثقافة والعلوم ابتداء من المرحلة الابتدائية.

وقد انضمت دول عديدة للمجلس الدولي في شكل لجان وطنية واليوم يبلغ عدد الدول المنظمة للمجلس نحو سبعين دولة.

وفي عام 1998 احتفل المجلس الدولي للتربية المبكرة بمرور خمسين عاماً على تأسيسه في مؤتمر دولي هام حضره حوالي ألف عالم من جميع أنحاء العالم ونظم في مدينة كوبنهاجن بالدانمرك تحت شعار : "حق الطفل في الرعاية واللعب والتعليم". وقد شاركت الباحثة في أعمال هذا المؤتمر، ثم قامت بدعوة الرئيس الدولي المنتخب للمجلس الدولي للتربية المبكرة لزيارة مركز دراسات الطفولة، جامعة عين شمس خلال عام 1999.

وتمت خلال هذه الزيارة عدة لقاءات مع عدد كبير من المهتمين بالتربية المبكرة في مصر، وقد ترتب على هذه اللقاءات تشكيل اللجنة التحضيرية للشعبة المصرية للمجلس الدولي للتربية المبكرة كما تم إعداد مشروع النظام الأساسي لهذه الشعبة والمشروعات الخاصة بها.

وقد عرضت جميع هذه الوثائق على مجلس إدارة المجلس الدولي للتربية المبكرة الذي عقد في شهر يوليو 1999 في سنغافورة وترتب على ذلك قبول اللجنة التحضيرية المصرية برئاسة الباحثة وقبول مصر بالمجلس الدولي للتربية المبكرة. وأخيراً تم قبول مصر كعضو كامل العضوية في الاجتماع التالي للمجلس الذي عقد في الأرجنتين في عام 2000(2).

وكان هذا المؤتمر بما عرض فيه من دراسات وبحوث تجسيداً واضحاً لحجم الاهتمام الدولي المعاصر بالتربية المبكرة. بالإضافة إلى ذلك تضم كل من منظمة اليونسكو واليونيسيف اليوم شعباً وأقساماً خاصة بالتربية المبكرة كما توجد بكثير من دول العالم خاصة الدول المتقدمة بالإضافة إلى الشعب القومية للمجلس الدولي للتربية المبكرة، مؤسسات ترعى الطفولة المبكرة في بلادها وتقدم العون لهذا الميدان في دول العالم الثالث. ومن بين أهم هذه المؤسسات مؤسسة فانلير الهولندية التي تساعد العديد من الدول النامية ومن بينها مصر في مجال التربية المبكرة.

بالإضافة إلى ذلك بذلت كافة المنظمات الدولية والإقليمية والأجهزة التنفيذية بكثير من دول العالم وبشكل خاص الدول المتقدمة خلال الأعوام القليلة التي انقضت من هذا القرن جهوداً مكثفة وأولت اهتماما كبيراً بكل ما يتعلق بمرحلة الطفولة المبكرة بشكل عام والتربية المبكرة على وجه الخصوص.

ومـن أهـم الأدلـة الـدالـة عـلى حجـم وعـمق الاهتـمام بالـتربية المـبكرة مـا طـالبـت بـه المـنظمات الـدولـية والأجـهزة المـسؤولة عن التربية والتعليم بكثير من دول العـالم مـؤخــراً مـن ضـرورة تقـديم مـا أطـلق علـيه "بالـرعـاية التـربوية ذات الـجودة العاليـة، Quality Eadeau Care" للأطـفال دون سـن الثـالثة، وكـذلك المـطالبة بـضرورة جـعل مـرحلة ريـاض الأطـفال مـرحلة إلـزامية وجــزءاً لا يتـجـزأ مـن السـلم التعــليمي وهـو مـا طبـق بالفـعل فـي كـثير مـن دول الـعالم الـمتقدم وبشـكل خـاص بالـدول الإسكـندنافية وبـريطانيا خـلال الأعـوام الـقليلة المـاضية. وقـد قـامت هـذه الـدول بالـفعل بجـهود مكـثفة لـوضـع واعـتـماد منـهج قـومي مــوحد لمـرحــلة ريــاض الأطــفال يســعى لتـنمية الأطـفال تنـمية شـامـلة مـتكامـلة وفــي مخــتـلف جــوانبـهم بالإضــافة بطبـيعة الحـال لإعــدادهم لـدخـول المـرحلة الابتــدائية.

أما فيما يتعلق بأهم الأسباب والاعتبارات وراء الاهتمام بموضوع التربية المبكرة في المرحلة الراهنة فيمكن تحديد الأسباب التالية على الأقل :

1. أهمية وحتمية بدء كافة الجهود الرامية إلى رعاية وتنشئة وتربية وتعليم وتنمية الأطفال والإسراع من معدل نموهم في مختلف جوانبهم مبكراً ما أمكن في عمر الطفل.

2. أهمية وخطورة إعداد الأطفال للمستقبل ولعالم الغد بكل ما يحمله لهم من تحديات وصعاب على ضوء دخول العالم للحلقة الثالثة من حلقات الحضارة الإنسانية وهي حلقة المعلوماتية.

 

1. أهمية بدء كافة الجهود الرامية لرعاية وتنشئة وتربية وتعليم وتنمية الأطفال مبكرا ما أمكن في عمر الطفل

وترجع هذه الأهمية إلى نوعين من الأسباب والاعتبارات هما :

 

أ) اعتبارات تتعلق بالنمو العقلي للأطفال(3) :

لن نستطيع بطبيعة الحال ذكر كافة ما كشفت عنه النظريات والأطر النظرية والدراسات في مجال النمو العقلي للأطفال من نقاط ترتبط بما يواجه أطفالنا من تحديات إلا أننا سنركز قدر الممكن على أهم هذه الاعتبارات :

1. ما أكدت عليه الغالبية العظمى من الدراسات والبحوث في مجال علم نفس النمو من أن قسماً كبيراً من النمو العقلي واللغوي للطفل ونمو ذكائه وتفكيره يتم خلال الأعوام القليلة الأولى من عمره.

2. ما أكدت عليه مختلف نظريات النمو النفسي للطفل وبشكل خاص نظرية جان بياجيه من ضرورة استثارة حواس الطفل وجعله يقوم بأكبر قدر ممكن من الأنشطة خلال الأعوام القليلة الأولى من عمره لتحقيق نموه السليم وتنميته في مختلف جوانبه وأكدت على أن أصل ذكاء الإنسان يكمن في مثل هذه الخبرات.

3. ما أكدت عليه الدراسات والبحوث العلمية من ضرورة بذل كافة الجهود لتحقيق التنمية المبكرة للأطفال وما دللت عليه من كفاءة وفعالية ونجاح كثير من البرامج التربوية والتنموية التي طبقت في الإسراع من معدل نمو الأطفال في مختلف جوانبهم.

4. ما دللت عليه مختلف الدراسات والبحوث من آثار إيجابية لوجود الطفل بدار الحضانة والروضة الحديثة على نموه في مختلف جوانبه. 5. ما كشفت عنه كثير من الدراسات من أن أي إهمال أو حرمان للطفل عند المراحل المبكرة من عمره وأي تأخر يترتب على ذلك يكون له آثار بعيدة المدى على نموه النفسي بكافة جوانبه ما لم تعد وتطبق عليه البرامج التعويضية الملائمة مبكراً ما أمكن ليكون لها فعالية وكفاءة في تعويض ما يظهر عليه من نقص وتأخر.

6. ما دللت عيه مختلف الدراسات من أهمية الاكتشاف المبكر والتدخل المبكر في مختلف حالات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة حتى تقترب الرعاية التي تقدم لهم من الوقاية الأولية وتجنبهم كثيراً من المضاعفات التي قد تترتب على إهمال احتياجاتهم الخاصة.

وتشير الحقائق والنتائج السابقة في مجملها إلى الأهمية القصوى لحصول الطفل الإنساني على رعاية وتربية وتنمية وعناية ذات مستوى عال من الجودة Quality Eadeau Care خلال الأعوام القليلة الأولى من عمره ليصل ويحقق أقصى ما لديه من قدرات.

بالإضافة إلى ذلك هناك ما أكدت عليه نظرية عالم النفس السوفيتي الشهير فيجوتسكي من أن الطفل الإنساني يولد ولديه مدى من القدرات والإمكانيات يطلق عليه فيجوتسكي Zone of Proximal Develop، وأن وجود وسيط حضاري مستنير، Cultural Mediator مع الطفل يعرف أكثر منه يمكن الطفل من أن يأخذ هذا البالغ بيده ويصل به لأقصى ما تسمح به قدراته، بالغ واع مدرك يحبه الطفل هو الوسيط الأمثل للحضارة الذي يمكن أن يحقق للطفل أقصى ما يستطيعه وفي سن مبكرة(4).

 

ب) اعتـبارات تتعـلق بنـمو وخصائص وظائف المخ البشري والجهاز العصبي للإنسان :

أضيفت للاعتبارات النفسية السابقة العديد من النتائج المؤيدة التي تم التوصل لها في علم وظائف المخ،  Neurophysiology والجهاز العصبي :

* فقد دللت هذه النتائج بشكل عام على أن المخ والخلايا العصبية التي لا تستخدم تضمر شأنها شأن أي خلايا حية أخرى ينطبق عليها قانون الاستخدام وعدم الاستخدام، Law of use & Disuse والخلايا العصبية التي تموت لا يمكن تجديدها.

* يولد الطفل الإنساني وهو مزود بما يسمى نوافذ الفرص    Windows of Opportunities

وهو ما يشير إلى وجود فترة يكون فيها الطفل أكثر قدرة على الاستفادة وبناء الرصيد الذي سيبني منه العقل بعد ذلك وهناك فترة زمنية قصوى، Optimum Period، إذا لم يتم خلالها الاستفادة من هذه الفرص فإن الاستفادة بعد ذلك تكون أقل بكثير وربما تنعدم.

* ثراء البيئة بالمثيرات والحوافز وتنوعها وتجددها يؤدي إلى زيادة الروابط العصبية وهي الوصلات والشبكات التي تزيد من فعالية وكفاءة المخ.

* الإشارة إلى كتاب "عقول في خطر" والتجارب الهامة التي أجريت على الفئران الذين تربوا في بيئة ثرية وأخرى محرومة ونتائجها على بناء ووزن وعمل المخ.

 

ج) اعتبارات تتعلق ببناء القيم والاتجاهات والعادات والسلوكيات : الخطأ والصواب وبناء الضمير وتحقيق انتماء الأطفال لوطنهم وقوميتهم ودينهم :

بالإضافة للاعتبارين السابقين اللذين يرتبطان بالنمو العقلي المبكر للأطفال هناك العديد من النتائج والدراسات التي أجريت على مرحلة الطفولة المبكرة سواء في مجال التحليل النفسي والأمراض النفسية أو علم نفس النمو بشكل عام والتي كشفت أن :

* الأساس السليم للشخصية الإنسانية يبنى خلال الأعوام القليلة الأولى من العمر.

* أهمية وخطورة العلاقة السوية بالوالدين وتحقيق الارتباط المبكر،  Early Attachment معهما لتحقيق الصحة النفسية للأبناء.

* الطفل يتعلم أفضل وأبقى أنواع التعلم، كافة الاتجاهات والقيم والأعراف، الصواب والخطأ وغيرها من بالغ يحبه ويثق فيه ويرتبط به ارتباطاً عاطفياً وثيقاً، كما يبنى الأساس الأول للضمير الإنساني خلال السنوات القليلة الأولى من عمر الطفل بما يمكن من أن يحل الضبط الداخلي محل الضبط الخارجي ويستطيع الطفل عمل ما يراه صواباً وتجنب ما يراه خطأ دون رقابة من الأهل أو المدرسة.

إذن إذا أردنا تحقيق بناء نفسي سوي للطفل وأساس متين لشخصيته وإكسابه القيم والعادات والأعراف وتكوين خلقه ودينه وضميره علينا الاهتمام الكبير بمعاملتنا للطفل وتربيتنا له ورعايتنا له خلال الأعوام القليلة الأولى من عمره أي خلال مرحلة الطفولة المبكرة وسن ما قبل المدرسة.

 

2. أهمية وخطورة إعداد الأطفال للمستقبل ولعالم الغد بكل ما يحمله لهم من تحديات وصعاب على ضوء دخول العالم للحلقة الثالثة من حلقات الحضارة الإنسانية وهي حلقة المعلوماتية.

لتوضيح وشرح هذه الأهمية وخطورة وحتمية إعداد الأطفال للمستقبل بكل ما يحمله لهم من تحديات وصعاب يلزم التعرض للنقطتين التاليتين :

أ) التصورات التي وضعها علماء المستقبليات لأهم التحديات التي تواجه الإنسان في القرن الحادي والعشرين.

ب) أهم الخصائص والسمات اللازمة لإنسان القرن الحادي والعشرين.

ونقدم فيما يلي ما يوضح كلاً من هاتين النقطتين :

 

أ) تصور علوم المستقبليات لأهم تحديات القرن الحادي والعشرين :

أول هذه النقاط هي ما قدمه أساتذة علوم المستقبليات حول أهم تحديات القرن الحادي والعشرين (ونلاحظ أنها تحديات تواجه جميع الدول ونحن نعلم قطعا أن لنا خصوصيتنا لكن هذا لا يمنع من إطلالة على هذه التحديات كما حددها أساتذة علوم المستقبليات) لنعرفها ونحاول مواجهتها.

وسيكتفى بتقديم أهم التصورات التي قدمت وهي :

1. منظور ألفن وهايدي توفلر، 1995  Alvin & Hiedi Toffler,(5)  

والتي أطلق عليها "مبادئ خلق حضارة جديدة"  Principles of a Third Wave Agenda يبين العالمان أن العالم في القرن الحادي والعشرين قد اتجه إلى موجه حضارية ثالثة هي الموجة المعلوماتية وتخطى الموجة الثانية وهي الموجة الصناعية أو التكنولوجية.

محكات الحكم على بلوغ مجتمع ما أو مؤسسة ما الحلقة الثالثة :

وقد وضع العالمان عددا من المحكات التي تميز نموذج الحلقة الجديدة والتي يمكن استخدامها للحكم على مدى ابتعاد مجتمع ما أو مؤسسة ما من الموجة الثانية (الصناعية) ومن ثم مدى اقترابها من الموجة الثالثة (المعلوماتية).

وبينا أن النموذج الممثل للموجة الثانية هو المصنع كرمز ونموذج وأنه يتسم بخصائص ثابتة حدداها، وأهمها (الانضباط وتقنين المواصفات والمركزية والبيروقراطية والسعي نحو زيادة الإنتاج أياً كان نوعه حتى وإن كان تلاميذ المدارس مثلاً).

على عكس ذلك تتصف الموجة الثالثة (المعلوماتية) بتشجيع التنوع والتفرد وخروج القرار من القاعدة المؤهلة المتنوعة وتوزيع اتخاذ القرار لتحقيق الكفاءة لأن القاعدة لديها التنوع في المعرفة والقدرة على المبادرة والإبداع، هذا بالإضافة إلى استعادة الأسرة في الموجة الجديدة لوظائفها التي سلبت منها وجعلها محور حياة الإنسان. (النموذج هنا قد يكون مدارس التفكير أو مرسم الفنان).

يوضح الجدول التالي الفروق بين الموجتين :

المحكـــات

 

 

 

2. منظور أو وجهة نظر نسبت  Naisbitt وضعه في كتابه : الاتجاهات العالمية الكبرى Mega trends في عام 1995(6) :

الاتجاهات العامة التي تسير نحوها الحضارة الإنسانية :

جدير بالذكر أن الاتجاهات العامة التي تسير نحوها الحضارة الإنسانية قد بنيت على دراسة في تحليل مضمون مليوني مقال تم نشرها في عدد من الصحف الأمريكية خلال الإثنى عشر عاماً السابقة على نشر الكتاب.

وكشفت هذه الدراسة عن عدد من التحولات وقعت ويتوقع أن تقع خلال القرن الحادي والعشرين ومن شأنها أن تؤثر على حياة البشر، ومن هذه التحولات :

1. التحول في مجال التكنولوجيا.

2. التحول من الاقتصاد القومي إلى الاقتصاد العالمي.

3. التحول من المدى القريب إلى المدى البعيد.

4. التحول من المركزية إلى اللامركزية.

5. التحول من الاعتماد على الغير (الدولة والمؤسسات) إلى الاعتماد على الذات.

6. التحول من ديموقراطية التمثيل إلى ديمقراطية المشاركة.

7. التحول من العلاقات الرأسية إلى العلاقات الشبكية.

8. التحول من مناطق إلى مناطق أخرى تبعا لظروف الجذب والطرد.

9. التحول من الاختيار من بدائل محددة إلى بدائل متعددة.

العناصر المشتركة :

يلاحظ أن هناك نقاطاً مشتركة بين التصورين من أهمها :

* المحور في التغير هو التعددية والتنوع والتفرد.

* يترتب على ذلك زيادة المسؤوليات الملقاة على عاتق الفرد كما ونوعا.

* تَعقُّد اتخاذ القرار في ضوء زيادة البدائل المطروحة.

* سيادة محكات الجودة العالمية بما يتطلب إثارة التنافس.

* والسعي لتحقيق التميز واتساع الواقع اختلافات وتنوعات توجب التعامل معه.

* دور الأسرة.

وعلى الرغم من أن خصوصية مجتمعاتنا قد تختلف عن هذه التصورات، لكن الأمر يتطلب منا على الأقل التعرف عليها وأخذها في الاعتبار والاستعداد لها لأنها تتجاوز خصوصية المجتمع إلى عمومية العصر. ولأن ما يحدث في مجتمعات العالم وبخاصة في الثقافات المهيمنة يؤثر على المنظومة العالمية.

 

ب) إنسان القرن الحادي والعشرين وأهم ما يلزم أن يتصف به من سمات وخصائص :

يرتبط بالنقطة السابقة وبكون الإنسان في القرن الحادي والعشرين مواجه بكل ما سبق من تحديات فقد وجد العلماء أن هذا الإنسان يلزم أن يتصف بالعديد من الخصائص والقدرات والمهارات حتى يستطيع العيش والتفاعل والتوافق والتنافس والتفوق والمنافسة مع الآخرين في هذا القرن المليء بالتحديات.

ولقد وضعت العديد من التصورات الهامة حول ما يلزم أن يزود به الإنسان من مهارات وقدرات وخصائص تلائم هذا القرن الجديد، ولن نستطيع بطبيعة الحال الخوض في تفاصيل جميع هذه التصورات لأنها وضعت في عدد من فروع علم النفس لعل أهمها :

ميدان الذكاء وتعدد الذكاءات، ميدان التفكير، مهاراته وقدراته وعملياته والبيئات الصالحة لتنميته، علم النفس المعرفي بما كشف عنه من نتائج ودراسات وأطر نظرية، النظرية المعرفية أو المعلوماتية، Information Theory في التعلم والاحتفاظ والتذكر والتعامل مع المعلومات وغيرها. لذلك سيكتفى بمجرد الإشارة إلى أهم هذه التصورات وأبرز ما حددته من خصائص وقدرات ومهارات.

1. نموذج الفرد المحقق لذاته وخصائصه عند ماسلو(7)

حدد ماسلو أهم خصائص الفرد المحقق لذاته فيما يلي :

* لديه إدراك متميز للواقع بمطالبه وتعقيده.

* لديه تقبل لذاته وللآخرين.

* يتميز بالتلقائية والانشغال بالمشكلات مقابل الانشغال بالأفراد.

* يحترم الخصوصية.

* لديه القدرة على الانفصال الإيجابي عن الغير (مفهوم الأوتونوميه) يشارك ويبادر ويستقل.

* لديه نظرة متجددة للأمور.

* شديد الانشغال بالمجتمع الإنساني.

* قادر على تكوين العلاقات الناضجة مع غيره.

* يتمتع بدرجة عالية من الديمقراطية.

* يتمتع بدرجة عالية من الإبداع.

نموذج المحقق لذاته هو نموذج دينامي ويتفاوت الأفراد في قربهم منه أو بعدهم عنه.

2. تصور آرثر كوستا،  Costa لأهم خصائص وخصال السلوك الذكي اللازم لإنسان القرن الحادي والعشرين كما يلي(8) :

حدد المؤلف 14 خصلة من خصال السلوك الذكي الذي يجب تعليمها للتلاميذ حتى يصبحوا قادرين على العيش والتنافس في القرن الحادي والعشرين وهي:

1. المثابرة.

2. التروي.

3. الاستماع للآخرين بفهم وتفهم.

4. القدرة على التفكير التعاوني والذكاء الاجتماعي.

5. مرونة التفكير.

6. الميتامعرفة أي الوعي والإدراك بالتفكير والقدرة على وصف خطواته لديه.

7. السعي للدقة.

8. توفر روح الدعابة والمرح.

9. القدرة على طرح وإثارة التساؤلات  Problem Finding.

10. الاستعانة بالمعلومات المتصلة سابقا واستخدامها في المواقف الجديدة.

11. تقبل المخاطرة.

12. استخدام الحواس.

13. الإبداع.

14. الدهشة والتعجب وحب الاستطلاع والاستمتاع بحل المشكلات والشعور بالكفاءة كمفكر.

3. التصور الذي وضعته دوروثي تنستال 1995  Tunstall, D.,(9)

ضمن مقال هام تعرض المؤلفة لدور المدرسة وخصائصها في القرن الحادي والعشرين بعنوان :

"مدرسة القرن الحادي والعشرين" حددت تنستال العديد من الخصائص والمهارات والقدرات اللازم إكسابها للأطفال حتى يستطيعوا المنافسة في هذا القرن وأهمها :

1. القدرة على استعمال الكمبيوتر وشبكات الإنترنت.

2. القدرة على حل المشكلات وطرحها.

3. القدرة على القيام بالتفكير الناقد والتحليلي.

4. القدرة على القيام بالتفكير الابتكاري.

5. القدرة على القيام بالتعلم التعاوني.

6. القدرة على التعلم الذاتي والفردي.

7. المرونة والابتكارية والتوافق الإيجابي مع الغير.

8. القدرة على فهم وتقدير وممارسة مهارات عمليات العلم والاستدلال الرياضي.

9. توفر الاتجاهات العلمية بكافة أشكالها وبشكل خاص تقدير قيمة العلم والتكنولوجيا وأثرهما في حياة الإنسان.

10. القدرة على الاستفادة من كافة الفرص المتوفرة في البيئات المحيطة سواء في المنزل أو المدرسة أو المجتمع.

إذا قبلنا بالتصورات والنماذج السابقة على ضوء أهم معطيات القرن الحادي والعشرين والاتجاهات العامة المميزة له :

تصبح هذه العناصر والمكونات مطالب من المجتمع بكافة مؤسساته الاجتماعية والتعليمية (الأسرة والمدرسة بمختلف مراحلها) أن يحققها وأن يتيح للطفل المتعلم فرصا كافية لتحقيقها وإتقانها كأهداف أساسية للطفل المتعلم ذاته يشارك فيها ويسعى نحوها حتى يستطيع العيش والتوافق والتنافس بل والتفوق في هذا القرن على ضوء سيادة محكات الجودة والسعي نحو التميز.

بالإضافة إلى ذلك فعلى ضوء الاعتبارات السابق تقديمها حول حتمية البدء في كافة جهود رعاية وتعليم وتنشئة وتنمية الأطفال مبكراً ما أمكن في عمر الطفل لتحقيق أقصى استفادة ممكنة له فإن مسؤولية وضع الأساس السليم لشخصية الطفل وإعداده للمستقبل تقع بالدرجة الأولى على كاهل كل من الأسرة والمدرسة وبشكل خاص مؤسسات ما قبل المدرسة والمدرسة الابتدائية. وجميعها حقائق تزيد من أهمية وخطورة الاهتمام بمرحلة الطفولة المبكرة وبجميع العاملين والمتعاملين معها.

 

ثانياً: أهم الاتجاهات التي سارت فيها الدراسات الحديثة التي أجريت في مجال التربية المبكرة وأبرز ما توصلت له من نتائج(10) :

 

لقد بين الاطلاع على الدراسات الحديثة التي أجريت حول الجوانب المختلفة للتربية المبكرة وفحصها فحصاً دقيقاً وتتبعها، أن هذه الدراسات سارت في الاتجاهات الأساسية التالية :

1. دراسات حاولت التعرف على الخصائص المميزة للأطفال عند هذه المرحلة العمرية والتعرف على أهم حاجاتهم النفسية وميولهم.

وقد تمكنت هذه الدراسات من تحديد أهم الخصائص المميزة للغتهم، كما تمكنت من تحديد أهم حاجاتهم النفسية والاجتماعية والانفعالية وغيرها.

2. دراسات سعت للتعرف على أهم المفاهيم والمهارات اللازم إكسابها للأطفال عند هذه المرحلة لإعدادهم للمرحلة الابتدائية.

وقد حددت كثير من هذه الدراسات بدقة أهم المفاهيم العقلية والعمليات المنطقية العقلية اللازم إكسابها للأطفال خلال هذه المرحلة، كما استطاعت دراسات أخرى تحديد المهارات اللغوية والاجتماعية الأساسية التي يلزم أن يكتسبها الأطفال خلال مرحلة ما قبل المدرسة.

3. دراسات حاولت تصميم وتطبيق مختلف البرامج التربوية التنموية والتحقق من مدى فعاليتها وكفاءتها في تنمية الجوانب المختلفة للأطفال في سن ما قبل المدرسة.

تمكنت عدة دراسات من القيام بحصر شامل للبرامج المختلفة التي طبقت بمرحلة الطفولة المبكرة. ومن أهم البرامج التي طبقت بنجاح لتنمية الأطفال خلال مرحلة ما قبل المدرسة البرامج التالية :

* برامج التنمية العقلية.

* برامج التنمية اللغوية.

* برامج التنمية الاجتماعية ومساعدة الذات.

* برامج التربية البيئية.

* برامج التربية العلمية.

وقد تمكنت عدة دراسات من تحديد أهم استراتيجيات التعلم الأكثر فعالية مع الأطفال عند هذه الأعمار، كما حدد بعضها أكثر الأنشطة ملاءمة للأطفال في سن ما قبل المدرسة، وقامت عدة دراسات بإعداد الأدلة والكتب المرشدة اللازمة للمعلمين والوالدين والمشرفين، وهي أدلة تحتوي على جميع التفاصيل اللازمة لإعداد وتطبيق مختلف البرامج التنموية، وأعدت بعض الدراسات نماذج كاملة للألعاب اللازمة لتنمية الأطفال في مختلف جوانبهم.

4. دراسات حاولت تحديد المهارات والكفايات والمعلومات اللازم إكسابها لمعلمي هذه المرحلة لتمكينهم من تنمية الأطفال في مختلف جوانبهم.

وقد قامت بعض هذه الدراسات بتصميم برامج التدريب اللازمة للعاملين والمتعاملين مع الأطفال عند هذه السن لزيادة كفاءتهم في التعامل مع الأطفال وتعليمهم وتنميتهم.

5. دراسات حاولت تحديد خصائص ومواصفات المؤسسات اللازمة والأكثر ملاءمة عند هذه الأعمار وأهمها دور الحضانة ورياض الأطفال ومراكز الطفل الحديثة.

وقد تمكنت هذه الدراسات من توضيح أهداف هذه المؤسسات وطريقة العمل بها وترتيب قاعاتها وغيرها من الجوانب التي تساعد من يسعون لإقامة مثل هذه المؤسسات على الاسترشاد بهذه النتائج والأدلة.

6. وأخيراً حرصت كثير من الدراسات والبحوث على إعداد ونشر الأدلة الإرشادية القيمة لكل من الأسرة ومن يرعى الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة.

ومن الجدير بالملاحظة أن هذه الأدلة الإرشادية الهامة قد احتوت على كل من :

* الخلفية العلمية اللازمة.

* شرح واف واضح لجميع الأنشطة التي تطبق وطريقة تطبيقها وجميع الأدوات اللازمة لذلك مثل :

ــ شرائط للفيديو أو  CD-Rom لعرض طريقة تطبيقها مع الأطفال وغيرها من المعلومات والمواد اللازمة لإرشاد الأسرة ومساعدتها على التطبيق الصحيح لهذه البرامج.

ومن أهم الأدلة الإرشادية التي أعدت ما يلي(11) :

1. دليل للوالدين للتربية والتنشئة خلال مرحلة الطفولة المبكرة :

ويحتوي على (450) نشاطاً مهارياً يساعد الوالدين على القيام بتنشئة وتربية الأطفال(12).

2. مرشد الوالدين للتربية المبكرة :

وقد صدر هذا المرشد بعدة لغات من بينها اللغة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية ويسعى لمساعدة الوالدين على المشاركة في برامج التربية المبكرة(13).

3. مرشد للوالدين للتعريف بالأطفال، نموهم وخصائصهم عند مختلف المراحل والأعمار(14).

4. دليل للوالدين لمساعدتهم على تنمية مهارات الكتابة والنجاح في المدرسة والحياة(15).

5. مرشد لرعاية الأطفال بالمنزل ومراكز الرعاية بواسطة الوالدين ومن يرعى الطفل(16).

6. دليل لاستخدام الكتالوجات المصورة بواسطة الوالدين لمساعدة أطفالهم على تنمية مهارات القراءة والحساب(17).

7. مرشد لتسهيل الاتصال بين الوالدين ومن يرعى الطفل بالروضة والمدرسة(18).

8. مرشد ودليل لدعم تعاون الأسرة ومؤسسات ما قبل المدرسة(19).

9. مرشد ودليل لتقوية ودعم مهارات الوالدية للأطفال في سن المدرسة(20).

10. مرشد لتقوية ودعم مهارات الوالدية للأطفال الرضع والأطفال في سن ما قبل المدرسة(21).

11. برنامج لتدريب الأسرة على رعاية الأطفال ودليل إرشادي لمدخل أسرة ــ لأسرة(22).

7. نجحت عدة مشاريع بحثية قومية في إقامة وتقويم ما أطلق عليه مراكز دعم الأسرة،  Family Support Centers وهو ما أدى إلى تعميم نشر هذه المراكز ببعض الولايات بالولايات المتحدة الأمريكية.

وتقدم هذه المراكز كافة أشكال الدعم للأسرة ابتداء من تعريفها بخصائص الأطفال وطرق رعايتهم وتنميتهم وغيرها من الأشكال.

ولعل أهم النتائج الإجرائية الملموسة التي ترتبت على هذه الدراسات والبحوث بهذه الفئة وما كشفت عنه من نتائج عيانية ملموسة ما يلي(23) :

1. أدخلت برامج التربية الوالدية،  Parental Education بمختلف جوانبها ضمن مقررات ومناهج التعليم العام في المرحلة الإعدادية والثانوية وبالكليات الجامعية في كثير من الدول المتقدمة.

2. تعميم مراكز دعم الأسرة ومراكز التدريب والإرشاد الوالدي في كثير من الدول المتقدمة لتقديم التدريب اللازم للوالدين وكذلك الإرشاد والتوعية اللازمة لهم.

3. الاهتمام بالتوعية الوالدية في جميع ما تقدمه وسائل الإعلام بمختلف أشكالها من مرئية ومسموعة ومقروءة لزيادة الوعي العام وزيادة وعي الأسر بهذه القضايا وإرشادهم لأفضل السبل لرعاية وتعليم وتربية وتنشئة وتنمية أبنائهم. ومن بين الوسائل التي طبقت بنجاح إعداد النشرات والكتيبات المبسطة التي تمد الأسرة بالبيانات الصحيحة الدقيقة حول الأطفال هذا بالإضافة إلى أفلام الفيديو وأقراص CD-Rom.

 

ثالثاً : أهم التجارب والنماذج الدولية الناجحة في مجال رعاية وتربية الأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة

سبقت الإشارة في مقدمة هذه الدراسة إلى أنه نتيجة للاهتمام البالغ بكل من مرحلة الطفولة المبكرة وبشكل خاص بالجهود المكثفة التي بذلت في مجال التربية المبكرة خلال النصف قرن الأخير على الأقل، وكذلك للحجم الكبير من الدراسات والبحوث العلمية التي أجريت حول مختلف جوانب هذا المجال، فإن الساحة الدولية تزخر بالعديد من التجارب والنماذج الناجحة التي سعت لتقديم تربية مبكرة ذات جودة عالية للأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة.

ونظراً لاستحالة حصر جميع هذه النماذج والتجارب سيكتفى في هذه الدراسة بعرض تلك النماذج والتجارب التي يتوفر لدى الباحثة قدر كاف من المعلومات عنها، وكذلك تلك المعارف المكثفة والخبرات المباشرة التي عرفتها الباحثة عن كثب، ومن ثم يمكنها السعي لتقديم وتقويم أهم ما حققته تلك النماذج من نتائج وإنجازات.

ولعل أهم النماذج والتجارب التي تنطبق عليها المواصفات السابقة ما يلي(24) :

1. المنهج البريطاني الجديد،  The New British Curriculum

2. أبرز معالم الجهود الأمريكية للتربية خلال مرحلة الطفولة المبكرة وأهم ما ترتب على هذه الجهود من نتائج وبعض النماذج الهامة والحديثة للمناهج والبرامج الخاصة بهذه المرحلة.

3. أهم الجهود التي بذلت لتعليم الأطفال بمرحلة الطفولة المبكرة في بعض الدول الإسكندنافية وأهم المناهج والبرامج التي أعدت لهذه المرحلة في هذه الدول.

ونقدم فيما يلي التفاصيل اللازمة للتعرف على كل من هذه النماذج والتجارب.

 

1. المنهج البريطاني الجديد(25  The New British Curriculum

تتعرض هذه المعالجة بالدرجة الأولى لذلك القسم من المنهج البريطاني الجديد الذي يتعلق بالتربية السابقة على دخول المدرسة الإلزامية في بريطانيا والتي يطلق عليها، "تربية الحضانة، Nursery Education"، وتستمر في المعتاد حتى بلوغ الطفل العام الخامس من عمره. ومن الضروري الإشارة هنا إلى صعوبة الفصل بين هذا القسم من المنهج البريطاني الجديد والأقسام التالية وذلك لما تمت مراعاته بدقة وعناية من الربط الوثيق والتكامل الكبير بين ما يتحقق خلال هذه المرحلة من تعلم ونواتج للتعلم وبين المطالب الأساسية للمرحلة التالية كما سيوضح في العرض التالي.

ولعل أهم ما يلزم تقديمه من معلومات وملاحظات حول هذا المنهج البريطاني الجديد ما يلي(26) :

1. استغرق إعداد هذا المنهج ما يزيد عن خمس سنوات كاملة وشارك في إعداده عدد كبير من الأساتذة والمتخصصين والخبراء بمختلف الجامعات البريطانية وبالمؤسسة القومية للبحوث التربوية، The National Foundation for Educational Research.

2. تم تشكيل لجنة خاصة لوضع هذا المنهج سميت "لجنة منهج السنوات المبكرة،  The Early Years Curriculum Group" ضمت أساتذة وتربويين من مختلف الجامعات البريطانية. وقد أشرفت هذه اللجنة إشرافاً مباشراً وكاملاً على جميع خطوات إعداد المنهج وتجربته وتطبيقه كما استمرت في متابعته وتطويره لسنوات طويلة.

3. كان التركيز مع البداية وطوال فترة إعداد المنهج على الجودة،  Quality وضرورة البدء بها والالتزام بها في مختلف خطوات إعداد وتطبيق هذا المنهج، والسعي بكافة السبل والطرق والوسائل لنشر ومد الجودة ومفاهيمها لمختلف أشكال الخدمات التي تقدم للأطفال عند هذه الأعمار لرعايتهم أو تعليمهم أو تنميتهم في بريطانيا، سواء بالمؤسسات التعليمية الحكومية أو بقطاعات التعليم الخاص أو العمل التطوعي أو غيرها من الجهات أو الهيئات.

وكان من بين التقارير الأولى التي نشرت حول هذا المنهج البريطاني الجديد تقرير نشر بعنوان: "لنبدأ بالجودة،  Start With Quality"، وهو التقرير الذي نشرته إدارة التربية والعلوم (قسم تربية الحضانة) بسلطة المنهج المدرسي والتقويم عام 1990. وقد تلا هذا التقرير عدد آخر من هذه التقارير (1992) و(1994) وغيرها سعت لتعريف العاملين مع الأطفال خلال مرحلة الطفولة المبكرة والمسؤولين عن رعايتهم وتعليمهم وتنميتهم في مختلف المؤسسات والقطاعات السابق الإشارة لها بأهم خصائص ومواصفات ومتطلبات التعليم ذي الجودة العالية High Quality، وكذلك بأهم العوامل والمؤثرات التي تساهم في تحقيق جودة التعليم خلال مرحلة الطفولة المبـكـرة. وكـان آخــر هـذه التـقاريـر الـتقريـر الـهـام الـذي نـشر فـي عـام 1996 بعنـوان :"النواتج المرغوب فيها لتعلم الأطفال عند الالتحاق بالتعليم الأساسي، Desirable outcomes for childrenصs Learning ; on Entering compulsory Education".

وسوف يشار إلى هذا التقرير الهام في الأقسام التالية، ولكن من الضروري هنا توضيح أنه قد تضمن قسما حول أهم الخصائص والسمات العامة والمشتركة للممارسات ذات الجودة العالية.

فقد أكد التقرير أن هناك عددا من الخصائص العامة المشتركة المتعارف عليها التي تميز الممارسات ذات الجودة العالية والتي يمكن اعتبارها قاسماً مشتركاً بين كافة ما يقدم من خدمات خلال المرحلة السابقة على التعليم الإلزامي. وهذه الخصائص والسمات ينظر لها على أنها خصائص وسمات فعالة في دعم تعلم الأطفال بشكل عام خلال هذه المرحلة لا بوصفها خصائص وسمات خاصة بمنهج أو مدخل محدد للتعليم أو التدريس، وإن كانت بطبيعة الحال تقدم سياقاً مساعداً يمكن الرجوع له عند قيام التربويين بتخطيط المناهج.

وأهم الخصائص التي حددها التقرير الخصائص التالية :

أ) ضرورة أن يشعر الأطفال بالأمن والثقة وأنهم مقدرون ويحققون إحساساً بالإنجاز عن طريق التعلم الذي يلزم أن يكون بالنسبة لهم خبرة ممتعة ومثيبة داخل الموقف المدرسي أو بالمنزل.

ب) أن يكون لكل موقف تعليمي،  Setting محورا Statement يشارك فيه جميع البالغين المشاركين في هذا الموقف (الوالدان والعاملون بالمؤسسة التربوية)، ويلزم أن يحدد هذا المحور كلاً من الأهداف العامة والإجرائية Aims and objectives ومحتوى المنهج والطريقة التي سيدرس بها، وكيفية تقييم أو تقدير Assessment تقدم الأطفال وإنجازاتهم وطرق تسجيل هذا التقدم والإنجاز وتعريف كل من الوالدين والإدارة المدرسية التي يلتحق بها الأطفال بهذا التقدم والإنجاز.

ج) يجب إقامة الروابط والعلاقات الوثيقة مع الهيئات والوكلاء الآخرين ومن يعتنون ويرعون الأطفال في مختلف جوانبهم مثل الزائر الصحي ورعاة الأطفال ومن يعتنون بهم، Child Minders. كما يجب الاستفادة من مثل هذه الروابط والعلاقات عند تخطيط فرص التعلم للأطفال الأفراد. بالإضافة إلى ذلك يلزم بل إن من الضروري والحتمي تحقيق روابط قوية ناجحة وفعالة مع مربي المرحلة التربوية السابقة واللاحقة.

د) يلزم أن يشارك الأطفال في مدى واسع من الأنشطة التي تراعي ميولهم وإنجازاتهم وقدراتهم البدنية والعقلية والانفعالية والاجتماعية المتطورة والمتنامية، مراعاة دقيقة وبكل حرص وعناية.

هـ) يشجع الأطفال على التفكير فيما يتعلمون والحديث حوله وعلى تنمية وتطوير وضبط الذات والتحكم فيها وتحقيق الاستقلالية. كما يلزم أن تعطى لهم فترات زمنية ملائمة وكافية للتعلم عن طريق المشاركة المتواصلة في الأنشطة المركزة، Concentrated Activity، ويلزم أن تتضمن مداخل التدريس معرفة وتقدير قيمة كل من :

* تقديم الخبرات المباشرة للأطفال،  First-Hand Experiences.

* أهمية شرح وتفسير التدخل الملائم للبالغ بطريقة واضحة وكافية.

* استخدام اللعب والحديث كوسائط للتعلم.

و) يجب أن يتم تقدير أو تقويم،  Assessment تقدم الأطفال واحتياجات تعلمهم المستقبلي، وتسجيل كل ذلك عن طريق الملاحظات المستمرة والمتكررة. كما يلزم أن تتم مشاركة الوالدين وإخطارهما بانتظام بهذا التقدم والتعلم المستقبلي. فمن شأن التعرف المبكر على الاحتياجات الخاصة للأطفال أن يؤدي إلى التدخل الملائم حيالها وتقديم الدعم اللازم لها.

ز) يمكن للبيئة المادية أن تدعم التعلم عن طريق توفير المكان الملائم والتسهيلات،  Facilities والمعدات والأدوات، Equipments، على أن يتم تنظيمها وترتيبها مع مراعاة متطلبات الصحة والأمان والسلامة بعناية وحرص.

ح) يلزم أن يتولى البالغون في كل موقع مسؤولية التعرف على احتياجاتهم التدريبية وتحديدها والتصدي لها والقيام بها عندما يكون ذلك ملائما وممكنا وذلك لتحقيق التنمية المهنية المتواصلة لهم.

4. بـعد الانـتهاء مـن إعـداد وبـناء وتصميم المنهج البريطاني الجديد الخاص بتربية الحضانة وتجربته وتطويره والتحقق من كفاءته وفعاليته في عام 1995، قامت إدارة التربية والعمل بنشر وثيقتين على درجة كبيرة من الأهمية في عام 1996.

نشرت الوثيقة الأولى منهما تحت عنوان : "الخطوات التالية،  The Next Steps"، أما الوثيقة الثانية فقد نشرت تحت عنوان : "النواتج المرغوبة لتعلم الأطفال عند الالتحاق بالتعليم الإلزامي، Desirable outcomes for childrenصs Learning : on Entering compulsory Education"

ونقدم فيما يلي أهم المعلومات المتوفرة حول كل من هاتين الوثيقتين :

ضمت الوثيقة الأولى كافة المعلومات والتفاصيل الخاصة بخطة أو برنامج التربية بالحضانة،  Nursery Education Scheme بما في ذلك شروط الاعتراف والمعايرة، Accreditation اللازم توفرها في المؤسسة التربوية قبل الحصول على التصريح بممارسة المهنة. ومن أهم هذه الشروط الشرط الذي يعتبر مطلباً ضرورياً للمعايرة والحصول على التصريح، قيام المؤسسة بنشر المعلومات التي تتضمن عرض نوع التعليم الذي سيقدم والإطار اللازم لتخطيط الأنشطة التربوية التي تضمن تكافؤ الفرص وتبني على خبرات الطفل وإنجازاته السابقة وتستجيب للحاجات الخاصة بالأفراد. بالإضافة إلى ذلك يلزم لتأكيد الاعتراف بالمؤسسة ضرورة قيام المسؤولين عن الاعتراف بالحكم على المؤسسة حكما يعتمد على الفحص والتفتيش الفعلي على مدى ملاءمة جودة الخدمات المقدمة للنواتج المرغوبة من تعلم الأطفال في مختلف المجالات لا على أساس تحقيق الأطفال كأفراد لهذه النواتج.

أما الوثيقة الثانية والتي نشرت تحت عنوان : النواتج المرغوبة لتعلم الأطفال وهي الوثيقة التي سبقت الإشارة إليها مراراً وبشكل خاص عند معالجة أهم الخصائص العامة المشتركة التي تميز الممارسات ذات الجودة العالية، فقد انقسمت إلى قسمين رئيسيين هما :

أ) النواتج المرغوبة لتعلم الأطفال قبل الالتحاق بالتعليم الإلزامي(27  Desirable outcomes of childrenصs Learning on entering compulsory Education.

ب) المواد المدعمة (أو الداعمة)،  Support Material.

ونقدم فيما يلي بعض التفاصيل التي توضح كلاً من هاتين النقطتين.

 

أ) النواتج المرغوبة لتعلم الأطفال قبل الالتحاق بالتعليم الإلزامي.

حددت الوثيقة في هذا القسم منها النواتج المرغوبة لتعلم الأطفال قبل الالتحاق بالتعليم الإلز

Partager cet article

Commenter cet article