Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

تربية الطفل في العصور الحديثة في أوروبا

18 Mai 2009 , Rédigé par mazagan Publié dans #علوم التربية

لقد كانت تربية الطفل قبل هذا العصر تمتاز بالقسوة و الشدة عند اليونان والرومان في العصر القديم، أما في العصر الوسيط فقد كان الاعتقاد سائداً بأن طبيعة الطفل شريرة فاسدة يجب قمعها؛ وهذا أدى إلى الرهبة والزهد، و كانت المدرسة بوجه عام (سجن الطفولة)؛ الأمر الذي دفع العديد من الفلاسفة و المفكرين التربويين إلى إعادة النظرة نحو الطفولة المبكرة بصورة أفضل، واتفقت آراء هؤلاء بأن لهذه المرحلة مواصفاتها ومتطلباتها وخصائصها النمائية، التي تختلف عن بقية المراحل العمرية اللاحقة، التي ينبغي الاهتمام بها، و دراستها دراسة علمية بعيداً عن المعتقدات السائدة في المجتمع.
برز اتجاه فلسفي جديد على مساحة الفكر الإنساني في أوروبا، وقد تبلور التطور الفكري العام في ظهور فلسفة التنوير، وهي تمثل أول دعوة عقلانية تأخذ بالعقل معياراً للتقدم في أوروبا الوسطى*، لتقف وجها لوجه أمام الديانة النصرانية المحرفة، ممثلة بالمذهب السُكلائي، وهي مجموعة تعاليم مختلطة لأفكار الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس. (103: 1970: ص 141)، ومذهب القديس المسيحي توما الأكويني (Toma Al-Akiweni) واجتهادات رجال الدين النصراني، رافضة بذلك النظرة التقليدية لذلك المذهب في الإنسان والمعرفة والمجتمع، ومحاولة إعادة صياغة تركيبة جديدة، أساسها الإيمان القائم على العقل و التجربة والعلم، الأمر الذي أدى إلى زيادة التحرر لدى العديد من الحركات الدينية، والاجتماعية، والسياسية، والعلمية كحركة التطهير ومذهب التقوى، فظهرت حركة تربوية تؤكد الاهتمام بالطفولة وتربيتها، وفق أسس جديدة تنادي بتوفير البيئة التربوية المناسبة لهذه المرحلة. (35: 1971: ص 45).
يتفق الباحث مع رأي الباحثة (سناء الكبيسي) من أن الأدبيات التي عالجت التطور التاريخي لرياض الأطفال في العصر الحديث يشوبها نوع من التداخل والتكرار، سواءَ في المسميات، أو تواريخ نشأة رياض الأطفال، و ضماناً لإثراء هذا الجانب، وتحاشياً للتكرار والتداخل في هذا العصر، الذي اتسم بالتسارع نحو الاهتمام بمرحلة الطفولة، وبروز العديد من المفكرين لهذه المرحلة، ومن ثمَّ نشوء رياض الأطفال بالصورة المتعارف عليها الآن. (100: 1996: ص 15)، وقد تم تقسيم هذا العصر إلى ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى (المرحلة الفلسفية النظرية): وتشتمل على أبرز الفلاسفة الذين ساهموا إسهاماً نظرياً في تطور الفكر التربوي لمرحلة الطفولة المبكرة، و أرسو المبادئ والأسس التربوية لها، وكان لأفكارهم الأثر القوي على من جاء بعدهم، ويمكن الإشارة إلى ثلاثة من
هؤلاء الفلاسفة:


1. جون آموس كومينوس (J. A. Comenius )،(1592-1671) م.
2. جون لوك (J. Locke)، (1632 – 1704) م.
3. جان جاك روسو (J.J.rousseau)، (1712 – 1778) م.
ليس هناك ضرورة للخوض في توضيح إسهامات هؤلاء الفلاسفة كلٌ على حده في مجال تربية الطفل؛ فهذه الاسهامات موجودة في جميع الأدبيات التي تناولت التربية في مرحلة ما قبل المدرسة، ويكتفي الباحث بإبراز أهم المنطلقات الفلسفية العامة، التي غلبت على مبادئهم نحو تربية الطفل في سنواته الأولى، ومن هذه المنطلقات:


1. التربية تبدأ بالحواس وتقوم على الأنشطة الحسية.
2. تكاملية وشمولية مظاهر النمو عند الطفل بالذات الناحية الجسمية.
3. الطبيعة هي مصدر المعرفة ووسيلة التربية.
4. الإحساس الداخلي ومعطيات التجارب الخارجية هما مصدرا المعرفة عند الطفل.
5. اللعب التلقائي وحرية الحركة.
6. محاكاة الأنشطة للبيئة الواقعية.
7. الخيرية الفطرية في طبيعة الطفل.
8. التعزيز الإيجابي للطفل.
(131: 1997: ص 27)


المرحلة الثانية (المرحلة التجريبية العملية): تشتمل على أبرز المربين الذين حاولوا الافادة من تلك المبادئ والأسس النظرية المتعلقة بمرحلة الطفولة، ساعين إلى تطبيقها على أرض الواقع من خلال افتتاح مدارس تجريبية، ويمكن الإشارة إلى ثلاثة من هؤلاء المربين:
1. جون هنري بستالونزي (J. H. Pestalozzi)، (1746 – 1827) م.
2. جين فريدريك أوبرلين (J. F. Oberlin)، (1740 – 1826) م.
3. روبرت أوين (R. Owen )، (1771 – 1858) م.
حيث وضع (بستالونزي) الأفكار التي عبر عنها (روسو) موضع التنفيذ في مدارس رياض الأطفال التي أنشأها في " ستانز " و" بروجورف " و" إفردون " بسويسرا. (131: 1997: ص 15)


أما (أوبرلين) فقد حوّل قاعات الكنيسة في إحدى مقاطعات فرنسا إلى مدارس أولية، تؤوي أطفال البيئات الفقيرة في سن ما قبل المدرسة، و وضع لهم منهجاً تربوياً؛ اشتمل على الألعاب المتنوعة، وتقطيع الصور، وحياكة الأقمشة، ودراسة الطبيعة، وتعلم اللغة عن طريق الأناشيد والغناء، وتدريبهم على زراعة بعض النباتات، و القيام بالنزهات، مع تأكيد المنهج على التربية الفنية والتوجيه الخلقي.(80: 2001:ص 74)
ونهج (روبرت أوين) في بريطانيا المنهج نفسه الذي سار فيه سابقوه؛ فأنشأ مدارس طفولة لأبناء عمال المصانع البريطانية.
يلاحظ أن برامج تربية الطفل في هذه المرحلة غلب عليها طابعٌ، لم يكن واضحاً بقوة في المراحل السابقة، يتمثل في توافر:
1. الحماية الصحية المقدمة للأطفال من خلال وجبات غذائية ضرورية لهم.
2. الاهتمام بالأعمال اليدوية والأشغال الحرفية، بعيداً عن الموضوعات الشكلية في التعليم، من مقررات معدة سلفاً، وجداول، وحصص مفروضة ومحددة لموضوعات بعينها.
3. الرعاية الإنسانية ومشاعر الحب والمودة الصادقة للأطفال، من خلال تكوين علاقات عاطفية وحميمية، تتسم بالثقة بين المعلم والأطفال. (152: 1973: ص 160).
يبدو أن السبب في ظهور هذا الطابع راجع إلى العوامل الاقتصادية، و الاجتماعية، التي مرت بها بعض الدول الأوروبية " بريطانيا و فرنسا " كالثورة الصناعية، وظاهرة الهجرة الداخلية من الريف إلى المدينة، مما أدى إلى خروج المرأة إلى سوق العمل في المصانع والمدن الكبرى، وما ترتب على ذلك من إهمال في أحوال الأطفال وضياع حقوقهم، جراء مزاولة أعمال لا تتناسب ومستوى أعمارهم؛ فكانت هذه المدارس لإيواء أطفال العمال و الفقراء واليتامى وأبناء البيوت المحطمة، الذين يعانون من حرمان صحي وعاطفي مبكر.
المرحلة الثالثة (المرحلة التأسيسية): تشتمل على أشهر المفكرين والمؤسسين لرياض الأطفال وتبدأ من عام (1837) م، الذي تأسست فيه أول روضة للأطفال بالمفهوم المتعارف عليه في هذا الوقت، وتمتاز هذه المرحلة بتزايد البحوث و الدراسات التربوية و النفسية حول الطفل، ومن رواد هذه المرحلة:


1. فريدريك فروبل (F. Frobel)، (1782 – 1852) م.
2. جون ديوي (J. Dewey)، (1859 – 1952) م.
3. ماريا منتسوري (M. Mantsorry )، (1870 – 1953) م.
4. جان بياجيه (J. Piaget)، (1896 – 1980) م.


تعد هذه المرحلة من أخصب المراحل التاريخية في أوروبا الحديثة، اهتماماً بالطفولة المبكرة ـ مع كونها نتيجة طبيعية ومنطقية للمراحل التاريخية السابقة ـ وبالتالي ساعد ذلك على تعدد الاتجاهات التربوية والنفسية في تربية الطفل قبل سن السابعة، مستهدفة توفير أفضل البيئات التربوية الملائمة لتربيته، من خلال توافر تهيئة الفرص التعليمية المرتبطة بخبرات الطفل، و التفاعل الاجتماعي مع أقرانه، و تنمية السمات الشخصية له، ويمكن تصنيف هذه الاتجاهات التربوية بحسب الفكر الفلسفي الذي اعتنقه رواد هذه المرحلة:


‌أ. الاتجاه النفسي المثالي، ممثلاً بـ (فروبل).
‌ب. الاتجاه الاجتماعي التجريبي، ممثلاً بـ (ديوي).
‌ج. الاتجاه الحسي، ممثلاً بـ (منتسوري).
‌د. الاتجاه المعرفي، ممثلاً بـ (بياجيه).


إن نظرة فاحصة لهذه الاتجاهات توحي بأن بعضها، و إن كان يختلف عن بعضها من ناحية، و يتفق معها من ناحية أخرى، لكن جميعها تتفق في الروح العامة؛ بمعنى قد تختلف في الوسائل، ولكنها تتوحد في الغايات البعيدة، وهكذا يكون الفرق في الدرجة بين هذه الاتجاهات للاعتبارات المتعلقة بنفسية الطفل، وعقليته، وحواسه، و بين الاعتبارات المتعلقة بطبيعة المجتمع.
أولاً: الاتجاه النفسي المثالي: المدخل الرئيس لهذا الاتجاه هو الكشف عن القدرات الهائلة الكامنة داخل الطفل، وذلك من خلال دراسة ميوله واهتماماته، مع اعتبار أن النمو نتيجة نشاط الطفل نفسه، من خلال تجاربه وخبراته الذاتية، ولأن الطفل وليس المادة التعليمية هو محور العملية التعليمية. (10: 2000: ص 152).


و يُعد (فردريك فروبل) الممثل الأول لهذه الاتجاهات التقدمية، وإليه ترجع تسمية المدارس التي تضم أطفالاً بين الثالثة والسادسة بـ (رياض الأطفال). أما عن الفكرة الجوهرية في فلسفته لهذه المرحلة فهي أن الأطفال بطبيعتهم مبدعون وقادرون على النشاط الخلاق المبدع، إذا ما أُعدت لهم البيئة المناسبة، وتركت لهم حرية اللعب والنشاط، وإن الحقائق الكبرى كامنة في الطفل نفسه، وبالتالي يصبح هدف تربيته هي توثيق علاقة الطفل بالله تعالى، والطبيعة، والإنسان ؛ لينمو روحياً، وجسمياً، و عقلياً متكاملاً من خلال النشاط الذاتي كما احتوى منهجه عدداً من الفعاليات؛ كالأنشطة العملية من ورق وصلصال ورسم وحياكة، إلى أنشطة فنية كالغناء والقصص، وأنشطة معرفية كالقراءة و الكتابة والحساب، وأنشطة دينية وخلقية؛ فضلاً عن الهدايا والألعاب الأخرى. (9: 1995: ص 53)، (60: 1994: ص 12)، (80: 2001: ص 105).

انتشر هذا المنهج بفلسفته في أنحاء من أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية؛ ليظهر تأثيره العميق في مجال تربية الطفل، بسبب تركيزه على الجوانب الخلقية والتدريبات اليدوية؛ ولهذا يعد (فروبل) الرائد الأول في محاولة ابتكار مناهج وبرامج مناسبة و ممتعة للطفولة، ومع ذلك فقد لقي منهجه المعتمد على الخبرة النفسية بعض النقد، من ذلك مثلاً:
1) إن منهجه هندسي، فلا ينبغي للطفل أن يتعلم غير الكرة والمكعب والاسطوانة، والمفردات المتعلقة بها، فالحياة مفعمة بأشياء غير هندسية؛ فيجب أن لا نحرم الطفل منها.(3: 1985: ص 14).
2) إن منهجه يجبر الطفل على طول الجلوس في الصف أثناء تشكيل الأشياء، وتدريب الحواس، وعمل الأشكال الفنية، وهذا لا يحقق الهدف الذي من أجله أنشئت الرياض لطول بقائه في الصف، مما يعرقل نمو نواحي من شخصيته. (74: 1994: 254).
ثانياً: الاتجاه الاجتماعي التجريبي: و جوهر هذه الاتجاه التربوي، هو التفاعل المستمر بين الإنسان بعدِّه ذاتاً قابلة للتطور والنمو بصورة مستمرة من ناحية، وبين البيئة الاجتماعية المحيطة به من ناحية أخرى، مع التسليم بأن النمو هو سلسلة من الخبرات المتجددة؛ من خلال إعادة تركيبها بصورة صحيحة، ليحدث التغيير المنشود.


يعد (جون ديوي) من أبرز أعلام هذا الاتجاه التقدمي في التربية ـ إن لم يكن رائدها ـ التي انتقدت الفكر التربوي التقليدي في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت فلسفته قائمة على تحويل النزعة الماهوية للتربية إلى نزعة واقعية اجتماعية، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً ببرامج وأنشطة تستند إلى اهتمامات الطفل وقدراته، و على تنمية مهاراته الاجتماعية والعلاقات الإنسانية لدى الأطفال، وراح (ديوي) ينادي بدور جديد للتربية؛ تقوم على روح الحرية والاحترام المتبادل بين المربين والأطفال، وعلى الانضباط الذاتي، وتعديل البرامج التربوية بشكل يلائم الخبرة، مع إثارة حب الاطلاع والاهتمام الشديد بمعالم البيئة الحيوانية والنباتية. (2: 1993: ص 19).
وفي كتابه " المنهج والطفل (1902) م" جعل (ديوي) الطفل مركز العملية التربوية وطالب بربط خبراته المباشرة ربطاً مفيداً بالمعرفة المنظمة، و دعا إلى التخلي عن الفكرة القائلة، بأن المواد الدراسية شيءٌ جاهز ثابت خارج عن خبرة الطفل، وأن خبرة الطفل شيء عابر صعب، مؤكداً أنه حين يُنظر إلى خبرة الطفل على أنها شيء متدفق وحيوي يصبح الطفل والمنهج وجهين لعملة واحدة. (132: 2001: ص 22).


لا يخفى إذاً أن هذه الدعوة جاءت للتأكيد على خبرات الطفل المتصلة بحياته وميوله واحتياجاته، فالمنهج يجب أن يمتد ليشتمل على الخبرات التي يتكون منها المحيط الذي يعيش فيه الطفل، و تتسم الطريقة بالتعاون بين الأطفال ومدرسيهم. (10: 2000: ص 213)، (9: 1995: ص 56).
مما لا شك فيه أن مناهج رياض الأطفال استفادت من هذه الآراء في أهمية ربط التعليم بالحياة والمجتمع، واتخاذ الخبرة المباشرة أسلوباً للعمل و التعليم، و استغلال البيئة المحلية إلى أقصى حد ممكن؛ فالحدائق والمزارع والمتاحف و المصانع والمؤسسات الاجتماعية وغيرها من مختبرات لا تقل في أهميتها عن فصول الروضة. (66: 1978: ص 400).



ومن المفيد هنا ذكر بعض الأفكار الأساسية التي نادى بها (ديوي):
1. لا تَعلُم بدون دافع داخلي؛ فإثارة الرغبة واكتساب الخبرات أمر مهم في التعلم.
2. السلوك يتعدل بنتائجه؛ فإذا كانت النتائج مرضية تقوى السلوك والعكس بالعكس، وبالتالي فالعقاب يجب أن يستمد من النتائج الطبيعية المترتبة على سلوك الطفل.
3. ضرورة قيام الطفل بنشاط إيجابي ذاتي حر يتناسب و قدراته وميوله.
4. التربية الحقة لا تتحقق من خلال تلقين المعلومات النظرية، وإنما من خلال تهيئة البيئة لاكتساب الخبرات، وإعادة تنظيمها عن طريق اللعب التلقائي، مع التنوع في هذه الخبرات. (60: 1994: ص 19).
لقيت هذه الأفكار رواجاً كبيراً منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية
الثانية، إذ وجد المهتمون بالطفولة المبكرة أن الالتزام الشديد بمنهج (فروبل) ـ حيث الجلوس الطويل في الصف لتنفيذ الأنشطة ـ لا يحقق أهداف رياض الأطفال، وهذا بدوره يعرقل صور النمو المختلفة عند الطفل، لهذا جاءت الدعوة إلى ممارسة الأنشطة الحرة خارج الصف.
هذا ما أكده (ديوي) من أن مهمة الرياض ليست تعليم مبادئ القراءة والكتابة والحساب؛ وإنما العمل على أن يحيا الطفل كطفل، فلا بد من أن تعد له البيئة الاجتماعية المناسبة؛ ليتحرك بحرية، ويمارس أنواعاً مختلفة من النشاط الحر التلقائي.
ثالثاً: الاتجاه الحسي الحركي: يعتمد هذا الاتجاه على مبدأ هام، هو أن للطفل منذ لادته وحتى سن السادسة من عمره (حواساً) تتأثر بدرجة كبيرة جداً بالمنبهات الخارجية المحيطة، أكثر من أي مرحلة أخرى في حياته؛ ولهذا فإن إحاطة الطفل بمنبهات حسية تثير عنده الرغبة في التعلم، والاستكشاف عن طريق تدريب هذه الحواس بعيداً عن الحفظ الصم الذي يعوق عمليات النمو. (70: 1987: 118)، (86: 2001: ص 59).


تعد الطبيبة و المربية الإيطالية (ماريا منتسوري) من مؤيدي أفكار هذا الاتجاه ـ إن لم تكن من مؤسسيه ـ فقد تابعت ما جاء به سلفها ونقحت طرائق (فروبل)، ودعمتها بمعرفتها بطب الأطفال؛ الأمر الذي مكنها من تطوير وابتكار منهج تربوي لتعليم أطفال الروضة الخبرات المتخصصة، ويمكن الإشارة إلى بعض جوانب هذا المنهج.
الأسس النظرية لمنهج منتسوري:


1. تدريب الحواس القائم على تنمية الملاحظة المنظمة هو الأساس في النمو العقلي.
2. التربية الذاتية والتعليم على وفق القدرات و الميول.
3. التعليم الفردي ومراعاة الفروق الفردية بين الأطفال.
4. النزعة الاستقلالية للطفل تساعده على النمو السليم.
5. حرية الطفل في العمل والتعلم.
6. إعطاء اللعب قيمة وظيفية في عملية التعلم.
7. الضغط و الشدة يعيقان التعلم التلقائي.
8. التوجيه وعدم التدخل المباشر من قبل المربية مع توافر الوسائل التعليمية.
(3: 1985: ص 18)، (9: 1995: ص 55)
أهداف منهج (منتسوري):
هناك مجموعة أهداف لهذا المنهج يمكن إجمالها في الآتي:
1) تنمية الحواس. 2) احترام حرية الطفل. 3) تمكين الطفل من اللعب.
4) التربية الخلقية واللغوية والحركية. 5) التنمية المتكاملة. 6) الضغط الذاتي.
(100: 1996: ص 80)
محتوى المنهج: هناك مجموعة مناشط هي:
1. التناسق بين النمو العقلي، والاهتمام بالأشياء الصغيرة والكبيرة.
2. تحسين الحركات الجسمية.
3. الصدق والإدراك الحسي للحقيقة.
4. التأثير بسلوك الكبار للنمو الاجتماعي.
5. الاستعداد للكتابة.
6. الإحساس باللمس.
7. التهيؤ للقراءة. (134: 1995:ص 89)، (92: 1999: ص 124)
أما عن تنظيم محتوى هذا المنهج:
كان التنظيم متدرجاً بحسب الفئة العمرية للأطفال من (3 – 6) سنوات.
 فئة صغرى بعمر ثلاث سنوات، يتم تدريبها على الممارسات اليومية الاعتيادية؛ كالمحافظة على المظهر العام.
 فئة وسطى بعمر أربع سنوات، يتم تدريبها على التميز الحسي المتنوع، من خلال اللعب والعمل.
 فئة كبرى بعمر خمس سنوات، يتم تدريبها على التميز السمعي والبصري للتهيؤ للقراءة والكتابة. (134: 1995: ص 91)
وبذلك تكون طرائق (منتسوري) هي:
النشاط الحرفي، وتدريب الحواس، وتعليم القراءة والكتابة.
في ضوء هذه الطرائق العامة جاءت استراتيجيات تنظيم المكان في هذا المنهج، مؤكدة على أهمية التهيئة البيئية وإعدادها، بحيث يزود الأطفال بمواد وأجهزة وأدوات خاصة محددة؛ توزع عادة على أركان ثلاثة هي:

1. ركن الحياة العملية (النشاط الحركي).
2. ركن المواد الحسية (تدريب الحواس).
3. ركن المواد الأكاديمية (تعلم القراءة والكتابة).


حيث يتم ممارسة أنشطة كل ركن، من خلال تفاعل الطفل المباشر مع المواد المتوافرة بالركن.(86: 2001: ص 65)
رابعاً: الاتجاه المعرفي:
يعد العالم السويسري الشهير (بياجيه) من أبرز الممثلين لهذا الاتجاه، الذي عُني بدراسة النمو العقلي في مراحله الأولى، والأسس التي تحكمه، وما يتعلق ببنية الذكاء، وكيفية تطورها انطلاقاً من الأشكال المعرفية البسيطة إلى الأشكال العليا المعقدة.
بعد الدراسة العلمية والملاحظة الدقيقة ـ التي استمرت أكثر من نصف قرن ـ توصل هذا العالم إلى بعض المبادئ العامة حول تطور النمو العقلي، أثرت بدورها على إعداد مناهج وبرامج رياض الأطفال، ومن هذه المبادئ:


1. هناك استمرارية محدودة لكل عمليات النمو.
2. النمو يتقدم خلال عمليتي التعميم والتمييز.
3. كل مرحلة من مراحل النمو تتضمن تكراراً للعمليات التي تمت في المراحل السابقة، ولكن بتنظيمات مختلفة.
4. التنظيمات المختلفة قد تكون ترتيباً (تصاعدياً) للخبرات والأطفال.
5. الأفراد يحققون مستويات متباينة داخل هذا الترتيب. (74: 1994: ص 72)


الطفل وفق هذه النظرية، يعيد بناء الواقع الذي جاءت به حواسه من البيئة، وتصبح عملية البناء و إعادة البناء المعرفي، ذات قوة و فاعلية محدودة، وتزداد بزيادة الخبرة والعمر وثراء البيئة نفسها، وتعد عمليتا التنظيم والتكيف من المفاهيم الجوهرية في هذه النظرية، فالتنظيم يتضمن عمليات التصنيف والترتيب للأشياء في نظام مترابط؛ أما التَّكيُف فيشتمل على (المواءمة والتمثيل)، والمواءمة هي تغير سلوك الطفل ليتمشى مع البيئة؛ والتمثيل هو تغير البيئة لتتماشى مع سلوك الطفل. النشاط المستمر لوظيفتي التنظيم والتكيف يؤدي إلى النمو العقلي من خلال تشكل المخططات (البني) المعرفية الجديدة، التي يستخدمها الطفل في معالجة ما يواجهه من مشكلات في بيئته. (53: 1985:ص 27) .


كانت حصيلة هذه النظرية، أن هناك أربع مراحل رئيسة، يتطور عبرها النمو العقلي للطفل، من الولادة حتى المراهقة، وهذه المراحل هي:
1. المرحلة الحسية الحركية (من الميلاد إلى الثانية).
2. مرحلة ما قبل العمليات (من سنتين إلى سبع سنوات).
3. مرحلة العمليات المحسوسة (من سبع سنوات إلى إحدى عشر سنة).
4. مرحلة العمليات الصورية المجردة (من إحدى عشر إلى خمسة عشر سنة).
ولابد الاشارة هنا إلى المرحلة الثانية لما لها من ارتباط بعمر أطفال الروضة؛ فعادة ما تكون أعمارهم بين (الثانية والسابعة).


وهذه المرحلة تنقسم إلى مرحلتين فرعيتين هما:
1. مرحلة التفكير السابق على المفاهيم: تمتد من (2-4) سنوات، ويحدث فيها ثلاثة أشكال من النمو، الفكر الرمزي واكتساب اللغة، وظهور المنطق الانتقالي، فقبل هذه المرحلة، لم يكن لدى الطفل القدرة على تذكر الأشياء غير المرتبطة بالزمان والمكان الحاضر؛ لأن الصورة البصرية، و التمثيل الصوتي لم تنشط بعد، ويتجلى ذلك من خلال زيادة اللعب الإيهامي للطفل في هذه المرحلة؛ فيدعي مثلاً أنه يصنع كعكة في صندوق الرمل، أو يجعل من القطعة الخشبية التي بيده طائرة محلقة في السماء.(2: 1993: ص 45).
بعد وصول الطفل، هذه المرحلة تزداد قدرته على استخدام الرموز الذهنية بصورة واضحة وبسرعة كبيرة، ومن ثم تزداد قدرته اللغوية زيادة هائلة، إن التفكير يعتمد على إجراءات وحركات معينة وتساعد اللغة على سرعة التفكير، ولكنه مازال يعتمد على الأفعال والأدوات، وغير قادر على تكوين مفاهيم عامة. (53: 1985: ص 35)
2. مرحلة الفكر الحدسي: تمتد من (4 – 7) سنوات، يعتمد الطفل في هذه المرحلة بشكل أكبر على حواسه و تخيله أكثر من أي شيء آخر، فهو يخمن الحل بناءً على ما تظهره حواسه. فيكون التفكير حدسياً مرتبطاً بالإدراك المباشر لما يفعله من أعمال بوساطة أدواته، وهذا سبب التغيير في أحكامه من حالة إلى أخرى حسب الظروف المحيطة بكل حالة، ويرى (بياجيه) أن الطفل مع بداية هذه المرحلة يبدأ تفكيره يخطو نحو الأشكال الآتية:

1. الصورة التفسيرية: من خلال قدرته على الإجابة عن السؤال " لماذا ؟ ".
2. الصورة الإيحائية: من خلال قدرته على إسقاط نمط الحياة على العالم الجامد.
3. الصورة السببية: من خلال قدرته على الربط بين الأشياء. (74: 1994: ص100)

هذه الخلفية النظرية لفهم بنية العقل عند الأطفال، أثرت على طبيعة البرامج
و المناهج المصممة لرياض الأطفال، خصوصاً أن هذا الاتجاه جاء مؤكداً على التأثير المتوازي لكل من الوراثة والقوى الداخلية الخفية، و بين البيئة والعوامل الخارجية؛ إذ تعكس تلك المناهج المفهوم القائل: إن النمو والتعلم يتفاعلان مع التأثير المتبادل بين الطفل وبيئته؛ فإنه إن كان هناك تأثير للعمليات العقلية العليا فإن ذلك لا يعني تجاهل أثر التعلم على قدرة الطفل في حل المشكلات. (92: 1999: ص 112).
أهداف المنهج المعرفي في رياض الأطفال:


1) تمكين الطفل من التفكير الاستقلالي والابتكاري.
2) تكوين صورة إيجابية لذات الطفل.
3) تمكين الطفل من التفاعل السوي والتعاون مع الآخرين.
4) تدريب الطفل على تحمل المسؤولية الشخصية.
5) تزويده بالمعلومات الصحيحة عن البيئة.
6) إكسابه مهارات التعلم الأساسية من قراءة وكتابة وحساب. (100: 1996: 86)


محتوى المنهج المعرفي:
يشتمل محتوى هذه المناهج على مجموعة من مجالات التفكير للخبرات الآتية:
1. التفكير السمعي: الانتباه والتمييز بين الأصوات.
2. التفكير البصري: تمييز الاختلاف والتشابه بين الأشياء.
3. التفكير اليدوي: الإحساس باللمس واستخدام اليد.
4. التفكير التصوري: نقل الرسوم إلى أشغال معينة.
5. التفكير المنطقي: التصنيف والتتابع والتسلسل.
6. التفكير المكاني: تحديد المواقع والاتجاهات.
7. التفكير الاجتماعي: تفهم مشاعر الآخرين. (134: 1995: ص 88)
طرائق التعليم في المنهج المعرفي:
هناك مجموعة من الأساليب التي يجب مراعاتها عند تنفيذ أنشطة ومحتوى المنهج المعرفي، وهي:
1. تفعيل دور الطفل ودمجه في بيئة غنية بموارد وفرص تعلم.
2. استخدام الحوار المسرحي والتمثيلي للتعبير عن المشاعر.
3. تصوير الأشياء ورسمها وتلوينها.
4. القيام بالرحلات والنزهات إلى البيئة المحيطة.
5. توظيف اللعب في التعلم. (92: 1999: ص 116)
و ظهرت العديد من البرامج، التي استندت على نظرية بياجيه، مثل برنامج (لافتلي) و برنامج (كامي وديفريز)*.
وعلى الرغم من انتشار فكرة مؤسسات رياض الأطفال منذ بداية القرن الثامن عشر؛ فإنها لم تنل اهتماماً كافياً من المربين، ولم يتوافر لها مناهج تعليمية واضحة المعالم، إلى أن جاء (فردبل) و وضع منهجاً شاملاً للتربية في رياض الأطفال، تضمن العديد من الأنشطة ـ كاللعب والموسيقى والتمارين ـ عرفت (بهدايا فروبل)؛ وعلى الرغم من غلبة الطابع المثالي على منهجه إلا أن أفكاره و أنشطته التربوية أصبحت أساساً للمناهج المعاصرة، ولم تقتصر تطور مناهج رياض الأطفال عند جهود (فروبل) وآرائه فقط؛ وإنما لعبت المربية الإيطالية (مدام منتسوري) دوراً جوهرياً في تطوير مناهج رياض الأطفال؛ بإدخالها أنشطة مهارية،وحركية، و فعاليات حرة، وأدوات جديدة.
ظل منهجا (فردبل) و (منتسوري) سائداً في أوروبا، وانتشرا أيضاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية لفترة طويلة من الزمن، إلا أن الدراسات التي أجريت في مجال المناهج عموماً، بلورت تطورات جديدة في مناهج رياض الأطفال، وطورت أهدافها، وبنيت على أسس نفسية واجتماعية. مثل دراسة المربي (بياجيه) لمرحلة الطفولة؛ فقد كان لها الأثر البالغ في تطوير مناهج رياض الأطفال، وترسيخ مكانتها في الاتجاهات التربوية المعاصرة، إذ وضع برامج ومواقف تعليمية مثيرة، وتفاعلات مستمرة مع البيئة بما يتلاءم و مرحلة نمو تفكير المتعلم. وأدخلت إلى رياض الأطفال مناهج تؤكد الألعاب الحسية والتفاعل الإدراكي مع البيئة المثيرة؛ بأساليب وطرائق تعليمية متنوعة، معتمدة على الاتجاهات الحديثة في طرائق التعليم، وأخذت هذه الرياض تحجم عن تدريس المناهج على شكل مواد منفصلة وفق جدول زمني، وإنما أخذت تستفيد من خبرات هذه المواد، و تدمجها مع بعضها، وتقدمها في إطار مشوق، وبطريقة جذابة عرفت (بطريقة الدورات التعليمية)، وهي طريقة متأثرة أصلاً بنظرية (الجشطالت) في علم النفس؛ التي تؤكد على الإدراك الحسي المتكامل للطفل، ولهذا أخذ منظّرو المناهج يصنعون المنهج على شكل وحدات تعليمية متكاملة، تحقق التكامل والترابط بين الخبرات التعليمية. (140: 1997: ص 74).
وقد استفاد الباحث من هذه الخليفة النظرية والتاريخية كأحد مراجع صياغة فقرات أداته التي طُبقت على عينة البحث لتعميق نظرته حول كيفية بناء معايير تطوير منهج رياض الأطفال.

Partager cet article

Commenter cet article