Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

القِيم Values

14 Mai 2009 , Rédigé par mazagan Publié dans #علوم التربية










http://www.moqatel.com

القِيم Values

للقِيم أهميتها الكبرى في حياة المجتمعات والأفراد، فهي التي تحدد معالم الأيديولوجية أو الفلسفة العامة للمجتمع. فالقيم السائدة في المجتمع الرأسمالي –مثلاً- تختلف عن القيم السائدة في المجتمع الشيوعي. والقيم السائدة في المجتمع الديني تختلف عن القيم السائدة في المجتمع العلماني؛ لأن القيم انعكاس للطريقة التي يفكر بها أبناء المجتمع، أو الثقافة المشتركة الواحدة.

وتُعَد القِيم من المعالم المميزة للثقافات الفرعية داخل المجتمع الواحد؛ فالقيم التي تسود بين سكان الريف، تختلف -في بعض منها- عن القيم التي تسود بين سكان المجتمعات الحضرية. كما تختلف القيم التي تنتشر بين المراهقين عن تلك التي بين الشباب والشيوخ. فالقيم هي التي توجه سلوك أبناء الثقافة الفرعية وأحكامهم، فتحدد لهم ما هو مرغوب فيه وما هو مرغوب عنه؛ بل تشكل الغايات المثلى التي يسعى أبناء هذه الثقافة إلى تحقيقها.

وللقِيم أهميتها التربوية لأنها مصدر لتشكيل السلوك؛ فهي المعايير التي يستخدمها كل من التلميذ والمعلم في الحكم على السلوك السّوي وغير السوي. وقد كشفت الدراسات عن أهمية القيم في خلق البيئة التربوية المناسبة، التي تحقق المزيد من فهم التلاميذ واستيعابهم، ومن التفاعل بين التلميذ والمعلم. فتزايد التقبل من جانب المعلم لتلاميذه، يترتب عليه زيادة اهتمام التلاميذ بالعمل المدرسي، وزيادة ابتكاريتهم وكفاءتهم في التحصيل الدراسي.

كما تُبين أهمية القِيم في علاقاتها بالأسلوب الذي يتبعه المعلم، مع التلاميذ أو الطلاب في عملية التدريس. فَنَسَقُ القيم الذي يتبناه المعلم ـ بوصفه مصدراً لعملية التفاعل مع التلاميذ ـ يؤثر في مستوى أدائه.

أما في مجال التوجيه التربوي والمهني، فللقيم دور مهم؛ فالمستقبل المهني للفرد لا يعتمد فقط على استعداده للعمل، وإنما على المجتمع الذي يعيش فيه ويعمل، والتوجهات السائدة في هذا المجتمع. فالنظام الاجتماعي الذي تسمح قيمه المهنية بالانتقال من مستوى اقتصادي اجتماعي إلى مستوى آخر، يختلف –مثلاً- من ناحية أثره في التوجيه التربوي أو المهني، عن النظام الذي يفرض على الأبناء العمل في مهن الآباء نفسها. كما أن المجتمع الذي يشترط شروطاً لا تتعلق بقدرات الفرد وميوله للالتحاق بعمل ما، يؤثر في التوجيه المهني لأفراده. وبناءً على النظرة الاجتماعية للعمل (الفني أو الأكاديمي... إلخ)، يتجه الأفراد إلى نوع التعليم المرغوب فيه من المجتمع بدرجة أكبر.

ويتجه الفرد للمهنة التي تشبع احتياجاته وقيمه، كما يختار الدراسة التي تؤهله للالتحاق بهذه المهنة والعمل فيها والاستمرار والنجاح في أدائها. فثمة علاقة –مثلاً- بين القيمة الجمَالية، واختيار الفرد للمهن الفنية والعمل كفنان أو مؤلف، وبين القيمة الاجتماعية ودراسة الخدمة الاجتماعية والإرشاد النفسي، ثم العمل كأخصائي اجتماعي، أو في مجال الإرشاد النفسي، أو في مجال التمريض.

وللقيم أهميتها في تحقيق الصحة النفسية للأفراد؛ فهي من عوامل الوقاية من الأمراض النفسية. فالقيم المرتبطة بذات الفرد تشكل وجهة نظره للحياة وطريقته في التعامل الاجتماعي، ومن ثَم، تحقيق التكيف النفسي. كما أن القيم التي تحدد معايير الحلال والحرام، وما هو مقبول أو مرفوض في المجتمع، تشكل سلوك الفرد وتعامله الاجتماعي، ما يؤثر في توافقه النفسي. ويؤدي الصراع القيمي، أو عدم اتساق القيم لدى الفرد، إلى حدوث اضطرابات في الشخصية وسوء في التوافق الاجتماعي (فالمرضى النفسيين يظهرون اتجاهاً مضاداً أو معاكساً للقيم الدينية). لهذا يكون تعديل القيم واحداً من وسائل وأساليب العلاج النفسي.

ويعتمد نمو الضمير عند الطفل على معايير الوالدين وقيمهم. ويؤدي تعارض القيم داخل الأسرة إلى اضطراب عمليات التطبيع الاجتماعي وتنشئة الأبناء؛ فتنشأ شخصياتهم مضطربة بشكل يعوق توافقهم المستقبلي.

وإذا كان الشعور المتوازن بالسعادة أو الرضا دالة للصحة النفسية للأفراد، فإن للقيم دورها في تحقيق تلك السعادة. فالقيم المرتبطة بالتفاؤل تكون ذات علاقة إيجابية بالسعادة، وكذلك ترتبط القيم التي تؤكد على التفاعل الاجتماعي البناء بالسعادة ارتباطاً عالياً. وللقيم الدينية إسهامها العالي في شعور الفرد بالسعادة والرضا، فالملتزمون دينياً يرتفع لديهم معنى الحياة، أي شعور الفرد بالحب والسعادة والعلاقة الطيبة مع الآخرين.

أولاً: تعريف القيم

تختلف تعريفات القيم بناءً على المجال الذي تنتمي إليه (الاقتصاد، الفلسفة... إلخ)، وتبعاً لنوع القيم ذاتها (اجتماعية، دينية... إلخ).

1. يتضح اختلاف تعريفات القيم بناءً على المجال الذي تُستخدم فيه أو تنتمي إليه. فللقيمة في مجال الاقتصاد –مثلاً- عدة معاني، منها: صلاحية شيء لإشباع حاجة (قيمة المنفعة)، ومنها ما يساويه متاع حين يُستبدل بغيره في السوق، ومن ثَم، فهي تقدير الشخص لهذا المتاع، أو تقدير الجماعة لما يُتبادل بين أفرادها (قيمة المتاع وقيمة المبادلة). ونظراً لكثرة استخدام مفهوم القيمة في علم الاقتصاد، لذا سُمي هذا العلم "علم القيمة".

أما الفلاسفة فيرون أن مهمة الفلسفة تستند إلى أساس قيمي، سواء في اتجاهها إلى النقد أو الإبداع. فهي التي تبرر المبادئ، وتكشف الافتراضات، وتناقش القيم الرئيسية، ظاهرة كانت أو خفية، وراء مشكلات الثقافة السائدة بما يحتدم فيها من صراع، وما يختلج فيها من توتر. وهي التي توضح معنى ذلك في حياة الفرد والجماعة، وتبيّن دلالته في حاضر الثقافة ومستقبلها. وهذا من شأنه تعميق إحساس الإنسان بقيمه، ما يجعله يدعم قدرته على توجيهها نحو ما ينبغي له أن يكون. وترى الفلسفات المثالية، بوجه عام، استقلال القيم وانعزالها عن الخبرة الإنسانية. أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في الفلسفات الطبيعية التي ترى القيم جزء لا يتجزأ من الواقع الموضوعي، للحياة والخبرة الإنسانية. فالأشياء لا ترتبط بقيم سامية لسر كامن فيها؛ بل دائماً تكون قيم الأشياء نتاج اتصالنا بها، وتفاعلنا معها، وسعينا إليها، وتكوين رغباتنا واتجاهاتنا نحوها. فالقيم من نسيج الخبرة الإنسانية، وجزء لا يتجزأ من كيانها. فالأشياء ليست في ذاتها خيرة أو شريرة، صحيحة أو خاطئة، قبيحة أو جميلة، وإنما هذه الأحكام نصدرها نحن من واقع تأثيرنا في هذه الأشياء، وتأثرنا بها.

2. أما العامل الثاني الذي أدى إلى اختلاف تعريف القيم، فهو اختلاف تعريف كل نوع أو فئة من تلك القيم. فالقيمة الاجتماعية هي الحكم الذي يصدره الإنسان على شيء ما، مهتدياً بمجموعة من المبادئ والمعايير، التي وضعها المجتمع الذي يعيش فيه، والذي يحدد المرغوب فيه والمرغوب عنه من السلوك؛ أو هي اهتمام أو اختيار أو تفضيل يشعر معه صاحبه أن له مبرراته الخلقية أو العقلية أو الجمالية، أو كل تلك مجتمعة، بناءً على المعايير التي تعلمها من الجماعة، ووعاها في خبرات حياته نتيجة عملية الثواب والعقاب والاتحاد مع غيره أو الارتباط به.

ويتضمن مفهوم القيمة بالمعنى الاجتماعي اتخاذ قرار أو حكم يتحدد على أساسه سلوك الفرد أو الجماعة إزاء موضوع ما، ويتم ذلك بناءً على نظام معقد من المعايير والمبادئ. وهذا معناه أن القيمة ليست تفضيلاً شخصياً أو ذاتياً؛ بل تفضيل له ما يبرره في ضوء المعايير الاجتماعية العامة.

وبناءً على هذا المفهوم، ميّز العلماء بين القيم الخاصة بالمجتمع القديم، الذي تسوده القيم التقليدية، والقيم الخاصة بالمجتمع العصري الذي تسوده القيم العصرية، وبين قيم المجتمع الريفي وقيم المجتمع الحضري.

أما مفهوم القيمة بالمعنى النفسي، فهي تنظيمات معقدة لأحكام عقلية انفعالية معممة نحو الأشياء، أو الأشخاص، أو المعاني، سواءً كان التفضيل الناشئ عن هذه التقديرات المتفاوتة صريحاً أو ضمنياً. ويمكن تصور هذه التقديرات على أساس أنها امتداد يبدأ بالتقبل، ويمر بالتوقف، وينتهي بالرفض.

ويتضمن مفهوم القيمة بالمعنى النفسي تركيزه على قيم الفرد ومحدداتها المختلفة. كما يتضمن هذا المفهوم ثلاثة مقومات معرفية بوصفها أحكاماً عقلية، ومقوماً انفعالياً، من حيث امتدادها بين القبول والرفض لموضوع معين، ومقوماً نزوعياً، من حيث تحريكها للفرد في اتجاه معين وتوجيه سلوكه الشخصي.

وبناءً على المفهوم النفسي للقيم، ميّز علماء النفس بين القيم الوسائلية والغائية، وبين القيم الملزمة والتفضيلية والمثالية، وبين القيم العامة والخاصة.

أما المفهوم الديني للقيم فيُنظر إليها على أنها عملية تفضيل تقوم على الاستقامة والاعتدال، وتنطلق أساساً من مصادر أحكام الشريعة (الإسلامية) ومعاييرها ومبادئها. وهي تحدد المرغوب فيه حلالاً طيباً وتأمر به، والمرغوب عنه حراماً خبيثاً وتنهى عنه. وتعمل كدوافع أو مثيرات لسلوك الفرد والمجتمع نحو خلق الشخصية السوية المتكاملة وتنميتها، وذلك بما يكفل للإنسان السعادة الأبدية. وثمة تعريف آخر أكثر عمومية للقيم الدينية يرى أنها اهتمام الفرد وميله نحو معرفة ما وراء العالم الظاهري، فهو يرغب في معرفة أصل الإنسان ومصيره. ويرى أن هناك قوة تسيطر على العالم الذي يعيش فيه، وهو يحاول أن يصل نفسه بهذه القوة.

ويتضمن المفهوم الديني للقيم التأكيد على أنها مجموعة الصفات السلوكية العقائدية والأخلاقية، التي توجه السلوك. وهي التي تصنع نسيج الشخصية وتطبعها بطابعها. وتُبني القيم الدينية على تصور محدد للكون والخالق، وللإنسان والعقل والعلم والمعرفة.

وبناءً على المفهوم الديني للقيم ذكر الباحثون عدداً منها، مثل: قيم الإيمان، والتقوى، والتعبد، والحق، والحرية، والمسؤولية.

ويتضح، مما سبق، تعدد تعريفات القيم واختلافها، إلا أن التعريف الذي يمكن الأخذ به هو أنها: "صفة يكتسبها شيء أو موضوع ما، في سياق تفاعل الإنسان مع هذا الشيء أو الموضوع"؛ أو هي لفظ نطلقه ليدل على عملية تقويم يقوم بها الإنسان، وتنتهي بإصدار حكم على شيء أو موضوع أو موقف ما؛ أو هي القرار الذي يصدره الإنسان لأمر ما، بناءً على دستور من المبادئ أو المعايير.

ويُلاحظ على هذا التعريف أنه تعريف إجرائي، أي قابل للملاحظة. فهو صفة ملحوظة، أو كلمة ننطق بها، أو حكم يتخذه الفرد، أو قرار يصدره. ويتضمن التعريف أن القيمة معيارية الطابع؛ لأنها تقوم على أساس دستور من المبادئ أو المعايير.

ثانياً: خصائص القيم

نظراً لتعدد القيم وتنوعها، ولاختلاف تعريفاتها، أورد العلماء خصائص متعددة لها. وقد يبدو على هذه الخصائص أحياناً التناقض والتداخل والتعارض. ومن هذه الخصائص:

1. نسبية القيم

يُقصد بنسبية القيم أن معناها لا يتحدد ولا يتضح عند النظر إليها في ذاتها مجردة عن كل شيء، بل لابد من النظر إليها خلال الوسط الذي تنشأ فيه؛ لذلك فالحكم عليها ليس حكماً مطلقاً بل حكماً ظرفياً وموقفياً، وذلك بنسبتها إلى المعايير التي يفضلها المجتمع، في زمن معين وبإرجاعها إلى الظروف المحيطة بثقافة القوم.

والنسبية قد تكون زمانية، تختلف من وقت لآخر؛ أو مكانية، تختلف من مجتمع لآخر؛ أو شخصية، تختلف من فرد لآخر.

2. ثبات القيم

توصف القيم بأنها أبطأ في التغيير من الاتجاهات والرغبات والميول، لهذا فإن ثباتها يكون نسبياً. وتزداد نسبية ثباتها لتوجهها نحو أهداف معينة قابلة للتغيير؛ ولأنها لا تعكس فقط حاجاتنا الخاصة، بل تعكس، أيضاً، ما يثيب أو ما يعاقب عليه المجتمع، في فترة معينة.

3. معيارية القيم

ترجع طبيعة القيم المعيارية إلى أنها تتضمن إصدار أحكام أو اتخاذ قرارات لأمر ما، بناءً على دستور من المبادئ أو المعايير الاجتماعية السائدة، في مجتمع ما في فترة معينة.

4. القيم مفاهيم مجردة

تتضح الطبيعة المجردة للقيم في أنها لا تُقاس مباشرة، بل تُقاس بطريقة غير مباشرة. فالقيمة لا تُقاس مباشرة بل يُستدل عليها من مجموع استجابات الفرد إزاء موضوع معين. فالتدين كقيمة لا يُقاس مباشرة، بل بسؤال الفرد عن تصرفاته في بعض المواقف (كالصيام في يوم حار، ومساعدة المرضى، وإغاثة الملهوف في موقف خطر... إلخ).

5. القيم تتضمن الاختيار والتفضيل

تتضمن القيم الاختيار والتفضيل لكل ما هو مرغوب فيه، على أساس عقلي أو اجتماعي أو خُلقي أو ديني. وكثيراً ما يتضمن الاختيار والتفضيل توتراً وصراعاً بين ما يرغب فيه الإنسان، وما ينبغي أن يكون عليه الحال في نظر الجماعة.

6. القيم تسلسلية أو ترتيبية

    تترتب القيم لدى كل فرد ترتيباً هرمياً، يُعرف بالسلم أو الإطار أو النسق القيمي. وعلى قيمة هذا النسق تكون القيمة الغالبة على سلوك الفرد؛ فالتاجر تكون قيمه الاقتصادية على قمة هرم قيمه، والمحامي تكون القيمة النظرية على قمة هرمه القيمي، ورجل الدين تكون القيمة الدينية على قمة هرمه القيمي.

ويحاول كل فرد أن يحقق قيمه جميعاً؛ ولكن إذا حدث تعارض بينها، فإنه يخضع بعضها للبعض الآخر وفقاً لترتيب خاص به. والقيم في ترتيبها لا تكون ثابتة، بل تتبادل المراكز فيما بينها تبعاً لظروف الفرد.

7. القيم محصلة للخبرات والممارسات الاجتماعية

تُكتسب القيم أثناء عملية التطبيع أو التنشئة الاجتماعية. فالقيم بوصفها معيارية تتأثر بالمستويات المختلفة، التي يكونها الفرد نتيجة احتكاكه بمواقف اجتماعية، ونتيجة لخضوعه لعملية التعلم والتعليم في البيئة التي يعيش فيها.

ولهذه الخاصية انعكاسها على إلزامية القيم لسلوك أعضاء مجتمع معين، في زمن معين.

8. القيم ذات طبيعة تقويمية

تتضمن القيمة عملية تقويم يقوم بها الإنسان، وتنتهي بإصدار حكم على شيء أو موضوع أو موقف ما، أو اتخاذ قرار بشأن تفضيل، أو انتقاء لسلوك معين، إزاء ذلك الشيء أو الموضوع أو الموقف.

ثالثاً: النسق القيمي

من خصائص القيم أنها تترتب فيما بينها لدى الفرد أو لدى المجتمع، ويُطلق على هذا الترتيب النسق القيمي. ويُقصد به أنه نموذج منظم ومتكامل من التصورات والمفاهيم الدينامية الصريحة أو الضمنية، يحدد ما هو مرغوب فيه وما هو مرغوب عنه. أي أنه مجموعة القيم المتساندة بنائياً والمتباينة وظيفياً، في داخل إطار ينظمها ويشملها ويرسم لها تدرجاً خاصاً. ويتخذ هذا التدرج شكلاً هرمياً تكون على قمته القيمة الغالبة، على سلوك الفرد أو الجماعة.

ويؤدي نسق القيم مجموعة من الوظائف، أهمها:

1. للمجتمع

تزويد أعضاء المجتمع بمعنى الحياة وبالهدف الذي يجمعهم من أجل البقاء. كما أن التكامل الأخلاقي في جماعة معينة يكون محكوماً بالقدر الذي يتبنى به جميع أعضاء الجماعة مجموعة من القيم، على النحو الذي تُصبح به حياة هذه الجماعة منظمة.

ربط أجزاء الثقافة ونظمها بعضها ببعضها حتى تبدو متناسقة. كما تعمل على إعطاء هذه النظم أساساً عقلياً يستقر في ذهن أعضاء المجتمع المنتمين إلى هذه الثقافة أو تلك.

وجود تشابه أخلاقي بين أعضاء مجتمع معين، نظراً لالتزامهم بالقيم السائدة أو الغالبة في مجتمعهم.

يحدد النسق القيمي لكل مجتمع مشكلاته الاجتماعية، ذلك أن المشكلة لا يكون لها كيان مستقل من دون تعريفها عن طريق القيمة. ولن تكون الجريمة كذلك إلا إذا أقرتها قيم الفرد والجماعة.

2. للفرد

يصبغ النسق القيمي كل فرد بصبغته الخاصة. فالشخص الذي يحب المال يسعى بكل جهده للحصول عليه، ويكون "حب المال" قيمة عنده غالبة على سلوكه. وقد يكون الكرم أو الكرامة من قيمه أيضاً، ولكنها تحتل مرتبة دُنيا.

توجيه سلوك الفرد نحو غايات وأهداف محددة؛ فمن كان يحب المال كقيمة سيسعى جاهداً لاكتنازه؛ ومن كان يُحب العلم كقيمة، سيبذل قُصارى جهده لتحصيله والارتقاء به.

تُعَد أنساق القيم مستويات يعتمد عليها الأشخاص في الاحتفاظ بالتقدير الذاتي لأنفسهم، بصفة مستمرة بين أقرانهم وزملائهم. كما تساعد الفرد على إجراء وإصدار تبريرات معينة، لتأمين حياته والدفاع عن ذاته.

يؤدي النسق القيمي إلى توافق الشخص النفسي والاجتماعي. فلكل مرحلة عمرية نسق من القيم تتميز به عن غيرها من المراحل، طبقاً للخصائص المعرفية والوجدانية والسلوكية لها. ويؤدي هذا النسق في حالة توازنه، إلى تحقيق توافق الفرد مع القواعد والمعايير الاجتماعية والأخلاقية السائدة في المجتمع.

والنسق القيمي للأفراد والمجتمعات ليس ثابتاً؛ بل يتغير تبعاً لما يمر به المجتمع من ظروف وأحداث؛ فالحروب والأزمات تغير النسق القيمي للمجتمعات، وكذلك يؤدي احتكاك الثقافات إلى دخول قيم جديدة على المجتمعات، ما يؤدي إلى تغير النسق القيمي لتلك المجتمعات.

ويتشكل النسق القيمي للأفراد تبعاً لمراحل نموهم، ولما يمرون به من ظروف وأحداث. ويشمل ذلك: مستوى التعليم ونوعه، ونوع الجنس، والإطار الثقافي العام، والمستوى الاقتصادي والاجتماعي، ودرجة التدين ونوع المعتقد.

رابعاً: تغير القيم

يأخذ التغير في القيم أشكالاً وصوراً متعددة، منها:

اكتساب القيم أو التخلي عنها مثل اكتساب الأطفال لقيم مجتمعهم. فعند فترة مراهقتهم يتخلون عن بعض قيمهم المرتبطة بالصداقة، ليكتسبوا قيماً جديدة.

إعادة توزيع القيمة كأن تبدأ القيمة لدى عدد قليل من الأفراد ثم تنتشر أفقياً، أي مكانياً، وتنتقل رأسياً، أي زمانياً. فقادة الثورات يتبنون مجموعة من القيم التي ينشرونها بين أتباعهم، ثم في مجتمعاتهم، ثم تنتقل هذه القيم من جيل لآخر.

التأكيد على شأن القيمة أو التقليل من شأنها، كالتأكيد على القيم الدينية والإقلال من شأن القيم العلمانية أو عكس ذلك.

تغير النسق القيمي وإعادة تدرجه (كما سبق توضيح ذلك). فمع نمو الفرد يزداد عدد القيم التي يتبناها في نسقه القيمي؛ ولكن عند انضمام قيم جديدة إلى النسق القيمي السائدة، يحدث نوع من إعادة الترتيب أو التوزيع لهذه القيم، حسب أهميتها للفرد.

تغير طرق تحقيق القيم؛ فكسب "المال" كقيمة قد يتغير من الحلال إلى الحرام أو العكس؛ وتحقيق "الحرية" كقيمة قد ينتقل من الدعوة إلى الهجوم، وإلى العدوان، أو الجهاد.

تتغير القيم ارتقائياً عند الانتقال من الطفولة المبكرة وحتى نهاية العمر. فمع نمو الفرد تزداد المعايير التي يحتكم إليها وضوحاً وكفاءة في تحديد قيمه. كما يتغير مفهوم المرغوب فيه والمرغوب عنه. ويمضي ارتقاء القيم منتقلاً من العيانية إلى التجريد، ومن البساطة إلى التركيب، ومن الخصوصية إلى العمومية، ومن الوسيلة إلى الغاية. ويكون ارتقاء القيم محصلة للتفاعل بين الفرد بسماته ومحدداته الخاصة، وبين الإطار الحضاري الذي يعيش فيه.

خامساً: اكتساب القيم

لما كانت القيم مكتسبة، فإن التعلم والتعليم هما الطريق لتحقيق ذلك. ويتم التعلم بعدة وسائل وأساليب، منها ما هو مباشر وما هو غير مباشر:

القدوة؛ فالوالد قدوة لأبنائه، والمعلم قدوة لتلاميذه، ورئيس العمل قدوة لموظفيه. وكلّما كانت القدوة صادقة في سلوكها، متسقة في أقوالها وأفعالها، متشابهة في ثقافتها مع الآخرين، ومتسمة بالصِّدقية والثقة، كلما ساعد ذلك في انتقال القيم وإكسابها للآخرين.

تقديم الحقائق الموضوعية التي تتناسب في مستواها وطريقة تقديمها للآخرين. فالحقائق تزيد المتلقي فهماً ومعرفة، ومن ثَم، وعياً واقتناعاً بموضوع القيمة وقدرة على تفسيره. وتؤدي الحقائق المدعمة بالأمثلة إلى تغير الجانب الوجداني، ما ييسر قبول القيمة والعمل بها.

ربط التصرف بالنتيجة أو السلوك بالآثار المترتبة عليه. فأسلوب الوعظ لتعليم القيم لا يؤتي النتائج المرجوة منه في ذاته؛ ولكن إذا تدعّم الوعظ مع ربط التصرف أو السلوك بالنتائج المترتبة عليه، ساعد ذلك على اكتساب القيم وزيادة تقبلها.

استخدام المناقشات الجماعية ييسر تبني القيم؛ لأن المناقشة تتضمن جانباً معرفياً، كما تتضمن إيجابية ومشاركة الأفراد في اتخاذ القرار، ما ييسر تبنيهم للقيم ودفاعهم عنها. لذلك تتضمن المناقشات ممارسة الجماعة للضغوط على أعضائها المخالفين للقيمة، حتى ينصاعوا لما اتفقوا عليه.

يؤدي التعلم المباشر للقيم دوره الكبير في إكسابها. ومن أمثلة ذلك تدريس الدين والأخلاق بالمدارس، وتنفيذ المشروعات المرتبطة بالقيم (مثل العطف على الفقراء والمحتاجين، زيارة المرضى... إلخ).

يساعد التقييم والنقد الذاتي لسلوك الفرد، في فهمه لقيمه وآثارها في التعامل مع الآخرين وفي تحقيقه لأهدافه. وكلما كان التقييم الذاتي أميناً ومخلصاً، أسهم في إكساب القيمة ونموها وتعديلها أو تثبيتها

Partager cet article

Commenter cet article