Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

بيداغوجيا الكفايات وسؤال تكافؤ الفرص

11 Mai 2009 , Rédigé par mazagan Publié dans #علوم التربية

مقدمة

     لقد ترتب عن رهان دمقرطة التعليم انفتاح المؤسسة التعليمية على فئات من المتعلمين مختلفة الخصائص السيكولوجية  والأصول الاجتماعية ، لكن هذا الرهان وإن استطاع تحقيق دمقرطة كمية، فإنه أمام جملة من العوائق التي عرفتها المؤسسة التعليمية منها عائق  كثافة الفصول الدراسية ، عائق  الوظيفة الانتقائية للمدرسة، عائق هاجس تبليغ المعرفة ، عائق توتر العلاقة التربوية ،عائق التعليم الجمعي القاضي بتطبيق نفس الوصفة البيداغوجية على كل المتعلمين ، لم يستطع تحقيق دمقرطة نوعية حقيقية تأخذ بعين الاعتبار هذه الاختلافات في سيرورة العملية التعليمية التعلمية ، وتضمن لكل متعلم إنهاء مساره الدراسي  بنجاح مقرون برصيد مقرون  من الكفايات التي يمكنه توظيفها بنجاح في وضعيات جديدة في حياته اليومية

   أمام هذا الاختلال ظهرت بيداغوجيا الكفايات لتقدم إجابات عن بعض الأسئلة التي لم يستطع التعليم الجمعي تقديم إجابات ناجعة عنها، وأهم هذه الأسئلة: كيف نجعل متعلمين ذوي خصائص مختلفة ينهون مسارهم الدراسي بنجاح ؟ كيف نجعل هذا النجاح نجاحا في اكتساب المتعلم  كفايات يمكنه تعبئتها تعبئة فاعلة تنجح في حل المشكلات التي يمكن أن تعترضه في سياقات مماثلة أو مغايرة ؟ كيف ننوع السيرورات التعليمية التعلمية تنويعا يتوافق وإيقاعات المتعلمين الفردية حتى نضمن نجاحهم جميعا من جهة ، ونضمن اكتسابهم الكفايات التي تمكنهم من تجاوز العوائق التي يمكن أن تصادفهم في حياتهم اليومية من جهة أخرى ؟ ماموقع المتعلمين والشركاء في عملية التفاوض حول سيرورة التنويع هاته ؟ وأخيرا  ما موقع المتعلم في عملية بناء المعنى؟

         1- تعريف الكفاية

   يعرف فيليب بيرينو الكفاية بأنها \" القدرة على التصرف بفعالية أمام زمرة من الوضعيات بغية السيطرة عليها ، لأننا نمتلك في الوقت نفسه المعارف الضرورية والقدرة على تعبئتها في الوقت المناسب بدراية لرصد وحل مشكلات حقيقية\"( )، يعرفها في موضع آخر بأنها \"القدرة على التصرف بفعالية في نوع محدد من الوضعيات، قدرة تستند إلى معارف لكنها لا تنحصر فيها\"( ).   

   يتضح من التعريفين أن الكفاية تمكن من تعبئة الموارد المعرفية( المعارف، المهارات، المقدرات)  وتوظيفها توظيفا فاعلا لاتخاذ قرارات، لإنجاز أفعال تمكن من تجاوز عوائق، تحديات، مهام صعبة في سياقات ما، ومن ثم فإنها \"ليست حالة ما أو معرفة ممتلكة. إنها لا تختصر لا في المعارف ولا في المقدرات (...) فأن نمتلك معارف أو مقدرات لا يعني أننا أكفاء (...) فكل يوم تثبت التجربة أن هناك أناسا يمتلكون المعارف والمقدرات ، لكنهم لا يستطيعون تجنيدها تجنيدا مناسبا في اللحظة المناسبة في وضعية عمل\"( )، كما أنه لا يمكن اكتساب كل المعارف لبناء أو تنمية كفاية، فبعض الكفايات تستدعي معارف مدرسية، لكن بعضها الآخر يستدعي معارف أخرى ترتبط، مثلا، بالمقصدية، فالحجاج يستدعي، معارف سيكولوجية، وأخرى مصدرها التجربة؛

وعليه فإن تنمية هذه الكفاية لا يعني تقديم ثقافة عامة أو معارف إجرائية، وإنما تتطلب التدرب على الحجاج وفق رهانات ما، وفي سياقات متعددة. المهم ،إذا، هو ربط المعارف بوضعيات تصبح فيها فعالة ووظيفية بحيث تمكن المتعلم من القدرة على الفعل : تحدي عوائق ، التفكير، الاستباق، التحليل، التأويل ، التفاوض، اتخاذ القرار الخ ، عوض النهل من خزانة الذاكرة ، ذلك أن الكفاية هي\"القدرة على الارتجال والابتكار الدائمين للجديد دون الاغتراف من لائحة قبلية \" ( )،  وبعبارة أخرى، هي القدرة على ابتكار الأجوبة الجديدة التي تقتضيها الوضعية التي يشتغل فيها المتعلم، وهذا لن يتم له بالقدرة على تحويل المعارف والمقدرات، وإنما بالقدرة على حشد ما يلائم منهاهذه الوضعية الجديدة بدراية ، وبذلك تلغي فكرة مراكمة المعارف

المعزول بعضها عن بعض وخطورتها المتمثلة في كون \"التلاميذ الذين تعودوا منذ صباهم معالجة المعارف بشكل يعزل بعضها عن بعض يستمرون في التفكير لاحقا  بشكل يعجز عن الربط بين المكتسبات ولو في وضعيات بسيطة\" ، وتلغى معها فكرة تبليغ المعرفة لتستبدل بفكرة بناء المعرفة ، لذا أصبحت الاستراتيجيات البيداغوجية مدعوة إلى  أن تكون وظيفية ،أي أن تثير فعل المتعلم من أجل أن يبني تعلما فعالا قادرا على الربط بين مكتسباته كيفما كان مصدرها ، وذلك بوضعه في وضعيات مشاكل تفرض عليه تبادل الأسئلة و الأجوبة من أجل تجاوز العائق الذي تتضمنه حتى تضمن اكتساب ليس فقط كفايات المادة الواحدة ، وإنما اكتساب الكفايات البيموادية والكفايات المستعرضة ، ثم تعبئة هذه الكفايات في وضعيات جديدة ومغايرة.

 لكن اكتساب هذه الكفايات لن يتم إلا من خلال الإقرار، أولا بأن المتعلمين لا يتعلمون جميعا بالكيفية نفسها ، نظرا لاختلافاتهم في غنى سيروراتهم العقلية ، ولاختلافاتهم السوسيو ثقافية( اختلاف العائلات ، أشكال الاندماج الاجتماعي ، الغنى الخصوصية الثقافية)، والاختلافات السيكولوجية، ولاسيما وأن الدراسات النفسية أثبتت أن نوع الشخصية يكشف عن استعدداتها ، حوافزها، ميولاتها ، رغباتها، إرادتها ايقاعاتها ،الخ،ومن خلال الاعتراف ثانيا بعدم جدوى زجر المتعلم عن تعثره ، وبأن الخطأ ليس خطيئة ، وإنما هو مرحلة من التعلم ، ودليل على توظيف المتعلم استراتيجية ما، وهو ما يستدعي تطوير استقلالية المتعلمين عبر :

   - إقناعهم ،عمليا، بلذة العمل وبوظيفته عبر مسارات تعلمية مختلفة؛

   - تنويع الفرص التي تتيح الانخراط الشخصي واتخاذ المبادرات ؛

   - توعيتهم بكيفيات تعلمهم ومساعدتهم على تطوير هذه الكيفيات بالبناء السليم لتفكيرهم ، وتمكينهم من تطوير طرائق عملهم الفردية والجماعية ؛

-    تكييف التعليم مع إيقاعات المتعلمين والتأكد من أن الفهم والتحكم في المهارات والمقدرات الدنيا قبل الانتقال إلى المارات والمقدرات العليا؛

-    الاستجابة لحاجيات وانتظارات المتعلمين من خلال رصد وتحليل حاجياتهم وترجمتها إلى أهداف بمشاركتهم ؛

-    حسن تدبير الزمن ، وتنظيم الأدوات وتصميم الأعمال وتنظيم الاشتغال.

فماذا تقدم بيداغوجيا الكفايات من استراتيجيات وأدوات لتجعل من المتعلم جوهر الفعل التعليمي التعلمي،  ولترتقي به إلى واجهة الحجاج؟

   1-2 -مشروع المؤسسة

   بما أن بيداغوجيا الكفايات تنتظم حول المتعلم وحول حاجياته ، وتضع منهجية تعلمه في مركز اهتمامها ، فإنها تشدد على الاشتغال  ضمن مشروع للمؤسسة يتم بناؤه وفق استراتيجية تفاوضية تستثمر نتائج الفرق الفرعية (فريق المادة، الفريق البيموادي، الفريق المستعرض ) المتوصل إليها من خلال التقويم التشخيصي ،  ومن خلال تدخل مختلف الشركاء (إدارة، آباء، تلاميذ)، ولاسيما وأنه من حق الآباء  والمتعلمين ليس فقط الاطلاع على أهداف المشروع ، و صيغ الاشتغال ، والإمكانات، والإرغامات التي يمكن أن تعترض الإنجاز ، وإنما مناقشتها وتطعيمها بما يمكن أن يفيد المشروع ، فالأب الذي يسهم في المشروع لا يطمئن فقط على مسار ابنه ، وإنما ينخرط في حل عوائق المشروع ، ومن ثمة إنجاحه ، كما أن المتعلمين حينما يعرفون أهداف المشروع ويشعرون بمسئولتهم في إنجازه ينخرطون بقوة في تنفيذه ويشعرون بلذة مسئوليتهم ، أما الإدارة فتعمل على إزاحة العراقيل والاختلالات التي يمكن أن تعرفها المؤسسة حين تشارك في بناء المشروع ، ولاسيما وأن رئيسها هو رئيس الجوقة التي تعزف الأنشودة.

   وحينما يستند مشروع المؤسسة إلى نتائج التشخيص القبلي أو إلى نتائج التقويم التكويني وإلى الشركاء ،فإنه يتيح ،حسب فرانسواز كليرك ، معطيات ثمينة لتبرير توزيع المجموعات ، واختيار التنظيم البيداغوجي ، اختيار التدخلات الديداكتيكية التي يرفع توظيفها الجيد من احتمال الاستجابة الواقعية لجمهور المتعلمين وصباغة الحلول الواقعية ؛ وحينما ينسق مشروع المؤسسة بين مشروعات كل الفرق ، فإنه يضاعف من حظوظ وضع استراتيجيات بيداغوجية مقبولة من طرف الجميع   ، على أن مشروع المؤسسة لا يجب أن ينحرف عن المشروع الوطني ، فالمؤسسة \"هي جماعة مستقلة ، وفي الوقت نفسه  جزء من النسق التربوي الوطني ، وكيفما كانت صعوبة التناول ، فإن مشروع المؤسسة يجب أن يوفق بين هذين المظهرين ، إذ يسمح لكل مؤسسة بأن تسهم في تحقيق أهداف النجاح الوطنية مع الأخذ بعين الاعتبار تنوع الجماهير المدرسية ، وتنوع الوضعيات التعليمية ، هذا التوفيق هو الذي ينتهي إلى بنا ء مشروع من خلاله:

   - نتصور ممارسة تربوية في ضوء إمكانيات وإرغامات مشروع المؤسسة ،ثم في ضوء طبيعة الجمهور المدرسي الذي يتم استقبله؛

    -نترجم الأهداف الوطنية في سياقها الخاص من أجل تثبيتها  \".       

      وفي ضوء مشروع المؤسسة يمكن للمدرسين الاشتغال مع المتعلمين على مشاريع بيداغوجية مستمدة من أهدافه، ذلك أن بيداغوجية التحكم التي وضع أسسها بلوم بالولايات المتحدة سنة 1966 ، والقائمة على تحديد الأهداف السلوكية، التدريس، التقويم، الدعم المفرد بغية تفريد المهام لم تعد صالحة لتحقيق كل الأهداف ، لأن هناك بعض الكفايات لايمكن اكتسابها إلا بالتفاعلات المنشطة من خلال الانخراط في مشروع ، في وضعية مشكلة، في وضعية بحث ، فنحن \"لا نتعلم على انفراد ، لا نتعلم عبر التركيز على مفهوم في ضوء الاتجاه من البسيط إلى المعقد . إن بناء المعارف يتم عبر انخراط المتعلم في أنشطة تستدعي استنفار موارده بقوة (...)لكن المشكل يظل متمثلا في ربط دينامية الجماعة التي لايمكن فصلها عن بيداغوجيا المشروع بتنظيم المسار المفرد\" /

     إن المشروع يمكن أن يوظف لرصد الصعوبات الخاصة بكل متعلم ، أو بمجموعة من المتعلمين التي يتم تحويلها إلى أهداف عوائق يتم الاشتغال عليها مع متعلم ما أو مع مجموعة صغيرة من المتعلمين دون فقدان العلاقة مع المجموعة الكبرى ، في ضوء عقد بيداغوجي ، طرائق تدريس ، طرائق تنظيم للفصل يتم التفاوض حولها ، طرائق تقويم، إذ ليس للمدرس أي سلطة لتمرير المشروع إلا التفاوض مع المتعلمين حتى يصبح دالا ومقبولا.إن \"التفاوض هو شكل من أشكال احترام التلاميذ ، ولكنه ، أيضا، تحول نحو إشراك عدد منهم في منهجية المشروع أو حل المشكلات، وهذا لن يتم إلا إذا اقتسمت السلطة ، وإلا إذا أنصت المدرس لاقتراحات وانتقادات المتعلمين ،وإلا إذا أعد الوضعيات في ضوئها  \" وهو ما يفرض على المدرس التركيز على العلاقات التفاعلية مع الإيمان بحق الاختلاف ، ذلك أن \"العلاقة التربوية تغدو تربوية حينما تتجاوز الاقتصار على نقل

المعرفة ، وتتحول إلى علاقة تدفع الأشخاص إلى لقاء يكشف كل منهم الآخر ويدرك ذاته \"

   لكن هذا التفاوض لن يكون كذلك ، ولن يحقق التفاعل المنشود إلا إذا كان حوارا تبادليا وتماثليا ، أي إلا إذا استطاع المدرس التخلي عن سلطته الرمزية التي يكتسبها من وظيفته الإدارية ، وعن الاستعلاء الذي يتولد عنده بحكم وصايته المعرفية ، وإلا إذا استند إلى الإنسان في ذاته ، فيرى في المتعلم الإنسان قبل أن يرى فيه المتعلم ، وإلا إذا وثق في قدراته الطبيعية ، وليكون المدرس كذلك حري به أن يتحلى ،حسب كارل روجرس، بالصفات الآتية:

-الانسجام مع الذات la congruence، بحيث يحقق انسجاما بين فعله وشعوره وتواصله، أي أن يصدر في فعله وتواصله عن شعوره، فيظهر على حقيقته بعيوبه دون قناع، إنسانا حقيقيا vrai وأصيلا Authentique ينسج علاقات حميمية مع فصله، علاقات يستند فيها إلى الإنسان فيه، وليس إلى قناع الأستاذية الذي لن ينسج من خلاله معمتعلميه إلا علاقات مزيفة تجعلهم يرتدون بدورهم قناعا يخفي حقيقتهم، ويتصرفون وفق انتظارات المدرس، وليس انطلاقا من ذواتهم اهتماماتهم.فحينما يكون المدرس أصيلا ومنسجما مع ذاته يكون أقرب إلى المتعلم، ومن ثم يكون عمله مجديا وفعالا.

-التقدير-الثقة-التقبل la consideration ,la confiance, l\' acceptation: تقتضي هذه الصفة أن يحترم المدرس المتعلم في ذاته، كما هو، وليس كما يريده، أي أن يحترم شخصه، أحاسيسه، آراءه، مواقفه، أن يتقبله كشخص مختلف. هذا الاحترام والتقدير هما التعبير العملي عن الثقة الجوهرية التي يضعها المدرس في قدرات المتعلم الطبيعية.

-التفهم المتعاطفla comprehension emphatique : تتطلب هذه الصفة انصهار المدرس في المتعلم ليرى الأمور

بعين هذا الأخير حتى يتفهم كينونته دون إصدار أحكام عليه، وهو ما يتطلب منه الإنصات بعمق إليه ، ليس فقط إلى آرائه وأفكاره، بل أن ينصت إليه كشخص وكذات بمختلف أبعادها حتى يتحرر المتعلم ويبدي رغبة في الكلام والانصهار في سيرورة التغيير( ).

        تلك هي الصفات التي تؤسس لحوار تماثلي يراهن على الاختلاف وعلى نسبية الحقيقة.

       إن بيداغوجية متمركزة حول المتعلم، حول أسئلته، حول اكتشافاته هي بيداغوجيا تتطلب من المدرس يقظة كبيرة تجعله يقوم بوظيفة المنشط المشارك الذي يشعل فتيل التواصل دون أن يشعر المتعلمين بأنهم مراقبون، ويضعهم في وضعية بحث واكتشاف يتجهون فيها نحو طرح الأسئلة طرحا جيدا قبل الإجابة عنها، ولا سيما وأن فن التفكير هو فن الطرح الجيد للأسئلة( ).

ويحتاج المدرس الذي ينخرط في هذا المسار إلى:

-الإرادة والقدرة على النقاش لا ليكون ديمقراطيا، ولكن لأن اقتسام السلطة هو شكل من تيسير ما سماه بروسو Brousseau، نقل المشكل إلى التلميذla dévolution du probléme à    l\'élève؛

-المعرفة الجيدة بمنهجيات المشاريع، وبدينامية الجماعات بشكل يجنب آثار الانحراف    ، والأخطاء الكلاسية، وتحديد إيجابيات وآثار هذه المنهجيات بدقة من وجهة نظر ديداكتيكية؛

-القدرة على الوساطة بين المتعلمين، والقدرة على تنشيط الحوار، لأن المشاريع يجب أن تناقش بين المدرس ومتعلميه.

-القدرة على الميتا تواصل، والقدرة على تحليل أشغال مجموعات العمل التي تتيح طرح المشاكل التي يفرزها

هذا النوع من المنهجية والتفكير فيها( ).

1-3- العقد البيداغوجي:

     يتمثل عقد المدرس في البيداغوجيا المتمركزة حول المعرفة في التبليغ والتلقين سواء بشكل مباشر، رغم أنه \"من بين جميع تقنيات الإقصاء التي تزود بها المؤسسة من يعمل فيها، تبدو لغة المعلم الإلقائية أكثر نجاعة\"( )، أو في شكل أسئلة يحرص على أجرأتها بغية أن تقود المتعلم إلى المعنى الذي يتوق إليه المدرس، مما يترتب عنه سجن المتعلم بسلسلة الإشراط في سجن الاستهلاك.آنذاك لا يعدو أن يكون التعلم الذي يتماهى في التعليم مجرد نقش للمعرفة على صفة المتعلم بناء على استجابته للمؤثرات الخارجية التي يرسلها إليه المدرس المتعالي بسلطته الرمزية وبوصايته المعرفية.وهنا يطلب من المتعلم أن يكون مطابقا للنموذج /أستاذه، حيث يكون\" مطالبا بأن يكشف عن تحققاته كنسخة للنموذج، إذ يكون الاعتراف به بدرجة كلما كان أكثر مماثلة ويكون أقل كلما كبرت مسافة انزياحه عنه وهكذا ففرادة الفرد تسقط واستثنائية تلغى، وتصبح الكثرة مجرد استنساخ لنموذج يحل في نسخه التي يجب أن تتكرر\"( )

أما في منظور الكفايات التي تتأسس على منظور البيداغوجيا الفارقية فإن المدرس مدعو إلى الانتقال من وضعية التحكم المطلق في الوضعية التعليمية إلى وضع التفاوض مع المتعلم في إطار العقد الديداكتيكي ، حول توزيع الأدوار تفاوضا يستهدف قبل كل شيء فهما متبادلا أكبر واحتراما للأدوار والقواعد التنظيم والاشتغال التي تحكم الوضعية هذه النقلة في وظيفة المدرس ليس المقصود منها، حسب كوزيني، \" أن ينتقص المعلم من نفسه، ولا حتى أن يمحي حتى الاختفاء، بل العكس يجب أن يكون حاضرا بكل وجوده الإنساني ، وليس بوجوده كأستاذ، إنه يحتفظ بكامل سلطته الفكرية والمعنوية، غير أنه لا يفرض هذه السلطة على تلامذته، بل يضعها في خدمتهم ( )\"، ولا سيما أن المتعلمين هم الذين يعترفون له بها.

إن المدرس في منظور بيداغوجيا الكفايات لايجب أن ينوب عن دور المتعلم، ولا يشكل نموذجا يجب احتذاؤه، وإنما يجب أن يبتكر الوضعيات، منهجيات التعلم، المعينات، الأدوات الديداكتيكية و يقترحها على المتعلمين، و\"يقوم بدور المنشط حينما تحتاج المجموعة إلى حل إحدى المشكلات، ودور المستشار حينما يطلب من المجموعة إجراء تنظيم وبدور الاختصاصي بضروب المعرفة حينما تنشأ عقبة ما...الخ\"( ) ، وهكذا ينخرط المدرس في لعبة ينتقل فيها من منطق التعليم إلى منطق التدريب . إن\" المدرس يشبه في هذا المنطق دور مدرب السباحة الذي ينجز تصميما للتدريب ، يراقب ، يشجع، يعنف، يدرس الآدءات، يصحح الاعوجاجات لكنه في كل الحالات لا ينوب عن السباحين\"( ).

أما وظيفة المتعلم فلم تعد تتمثل في هذا المنظور في الاستماع، الفهم، الاستجابة لانتظارات المدرس، وإنما أصبحت تتمثل في الانخراط والمشاركة في مجهود جماعي لتحقيق المشروع واكتساب الكفايات.عليه أن يبادر، أن يغامر، أن يسائل، أن يخطئ، أن لا يتوصل إلى نتائج، أن يتفاوض وفق استراتيجيته الحجاجية حول المعنى حتى يشعر بمسؤوليته في بنائه ، وبلذة اكتشافاته وابتكاراته مما يكسبه ثقة في قدراته على ترجمة  إمكاناته ومؤهلاته في إنجازات مسؤولة ومبرهن عنها . وإنجاز مثل هذا العقد يفترض أن يمتلك المدرس المقدرات الآتية:

   - القدرة على تشجيع وقيادة المحاولات التجريبية؛

   - قبول الأخطاء باعتبارها مصادر للتنظيم والتقدم شرط تحليلها وفهمها(1997Astolfi)؛

   -القدرة على إبراز وإحكام العقد الديداكتيكي، والقدرة على الإنصات إلى مقاومات التلاميذ وأخذها بعين الاعتبار؛

   - القدرة على الانخراط الشخصي في العمل دون الاكتفاء بدور الحكم أو المقوم، دون أن يغدوا مع ذلك ندا لهم .( )

1-4- تشكيل المجموعات:

تصبح ملاحظة المتعلمين ذات جدوى حينما يتم تشكيل مجموعات تتيح التركيز على نشاط المتعلم في ضوء الحاجيات المرصودة من خلال نتائج التقويم والملاحظة والحوار مع الشركاء ؛ ولا سيما المتعلم، لأن هذا الأخير يتطور في عمله حين يشارك في قواعد اللعبة، حينما يعرف لم هذا النوع من التوزيع، وفي ضوء أي  معايير قد تم؟ ويتخلص ،حسب روجرس، من مواقفه الدفاعية ويدخل في علاقات مباشرة ومفتوحة مع الآخرين، ذلك أن التفاعل المطبوع بالتقبل والصدق يخلق ثقة المتعلم في نفسه، ثقة تجعله لا يعتر ف فقط بمواقفه الدفاعية، وإنما يعمل على تجاوزها ، مما يؤهله للانخراط في حياته اليومية انخراطا فعالا يقوده  إلى ربط علاقة جيدة وفعالة مع الآخر( ).

ويقوم تشكيل المجموعات سواء كانت متجانسة أو غير متجانسة على أولويات يتم استخلاصها من الحاجيات المرصودة، لذا أصبح المدرس مدعوا إلى التفكير جيدا في العلاقة التي يجب أن تقوم بين نوع التوزيع المختار وبين الأهداف المتوخاة (معارف، مهارات، مقدرات) والتدخلات الديداكتيكية (التنظيم البيداغوجي، الطرائق ، الأنشطة، الأدوات والمعينات الديداكتيكية)، ولا سيما وأن الحاجة لا تطابق دائما النقص والعجز والتعثر، بل كثيرا ما تقترب من مفهوم الرغبة والضرورة، وليس لها إلا علاقة ضعيفة مع مستوى المتعلمين، ذلك أن المتعلمين المتفوقين لهم، أيضا، حاجيات تتمثل في الحاجة إلى تسريع وثيرة التعلم، وإلى البحث واكتشاف أشياء أخرى( )، لكن المعلومات التي يتم تجميعها من خلال التقويم يمكن أن تستدعي تشكيل\"المجموعات وفق تباينات مضبوطة، إذ ليس من الضروري أن يكون التلاميذ متماثلين حتى يتعاونوا فيما بينهم حول الواجب نفسه، فالفوارق إلى حد ما يمكن أن تعتبر على خلاف ذلك تكاملية شريطة أن يكون تشكيل المجموعات والواجب المراد إنجازه موضوعين لأجل تحقيق ذلك\"( )، وهكذا يمكن أن يشكل التباين فرصة ليس فقط للمساعدة المتبادلة،

وإنما للملاحظة وتبادل الحوار، \" فلكي يتمثل التلميذ الضعيف ما يتم انتظاره منه، فإنه يحتاج إلى رؤية كيفية إنجاز التلميذ الجيد الواجب، وبالعكس فإن التلميذ الذي لا تعترضه صعوبات سوف يستوعب أكثر كلما سنحت له الفرصة ليفسر للآخرين لماذا يعتبر جوابه صحيحا، وكيف يتصرف لتحقيق النجاح\" ، وفرصة لإدراك أشكال أخرى من الاشتغال والتنشيط.

1-5الوضعيات المشاكل.

  قد يبذ ل المدرس مجهودا جبارا لبناء متوالية ديداكتيكية عله يحقق تفاعل المتعلمين معه ومع المادة المدرسة دون أن يفلح في ذلك ما دام المتعلمين يفتقدون ،حسب فيليب ميريو، الرغبة في التعلم والإرادة في المعرفة اللتين تجعلان المتعلم ينخرط في التعلم وينهض بأعبائه، بل ويتحمل محنه( )، وأهم إجراء لإثارة الرغبة هو تحويل المعرفة إلى لغز enigme، باعتبار الرغبة تنتعش من اللغز الذي ينتعش بدوره من العلاقة، التي تنتعش هي الأخرى من الوساطة( )، وعليه فإن مهمة المدرس تتمثل في أن يوقظ هذه الرغبة عن طريق تلغيز المعرفة، أي عن طريق تصور \"وضعيات مشاكل صعبة وقابلة للتجاوز\"( )، ترفع من احتمال حدوث التعلم باعتبارها \" وضعية ديداكتيكية تقترح فيها على الذات مهمة لا يمكن أن تنجزها إنجازا جيدا دون أن تنجز تعلما يشكل الهدف الحقيقي للوضعية المشكل ولا يتحقق إلا بإزاحة العوائق أثناء إنجاز المهمة\"( ).

إن الوضعية المشكل ليست أي وضعية ديداكتيكية، وإنما هي وضعية لا يستطيع فيها المتعلم حل المشكل المطروح بكل سهولة، أو بمجرد التكرار البسيط، أو تطبيق معارف مكتسبة بشكل آلي، لأن المهمة التي يطلب من المتعلم إنجازها يتم بناؤها بناءا يستدعي تجاوز عائق يفرض على المتعلم استنفار موارده وفحصها، وضع فرضيات وتمحيصها، إثباتها أو دحضها أو تعديلها، ابتكار حلول، اتخاذ قرارات ، بناء معارف لم يكن يتوفر عليها من قبل ، تعبئة موارد قديمة  بذكاء في سياقات  ووضعيات جديدة، لأنه لا يمكن أن نتحدث عن اكتساب كفاية إلا حينما تعمل ذات تواجه وضعية جديدة على أن تختار بنفسها من ضمن ما أسماه فيليب ميريو مكتسبات بنيوية (طبيعة ومستوى المقدرات) ومكتسبات وظيفية (طبيعة ومستوى المعارف المتوصل إليها في التمثيل ما يستجيب للأسئلة التي تطرحها الوضعية الجديدة، باعتبار أن أحد العناصر الأساس للكفاية يتمثل في القدرة على

التكيف مع الوضعية الجديدة والتصرف فيها بفعالية. وهكذا فإن المعرفة لا تشكل نقطة انطلاق المنهجية البيداغوجية، وإنما تشكلها المهام التي تستنفر الموارد التي يتوقف جدواها على مدى صلاحيتها ووظيفتها في تجاوز العائق الذي تتضمنه الوضعية المشكل.

ولكي تستجيب الوضعية المشكل لهذا الهدف يجب :

أن تنتظم حول تخطي عائق من طرف الفصل، عائق محدد مسبقا؛

-   أن تتضمن مقاومة كافية تقود المتعلم إلى استنفار معارفه الممكنة، وكذلك تمثلاته بشكل يقود إلى إعادة النظر فيها وبناء أفكار جديدة( ).

 وبذلك تؤدي الوضعيات المشاكل ثلاث وظائف:

-   وظيفة شهوية F. Erotique من حيث إنها تسعى إلى إثارة اللغز enigme الذي يولد الرغبة في المعرفة؛

-   وظيفة ديداكتيكية F. didactique حيث على إتاحة تملك اللغز؛

وظيفة تحرريةF.Emancipatrice ، حيث تتيح لكل شخص أن يبلور تدريجيا أساليبه الفعالة لحل المشكل( ).

       1-7 التقويــــم :

         بما أن النظريات السيكولوجية والنظريات التربوية قد أكدت على أن المتعلمين لا يتعلمون بالكيفية نفسها، ولا يوظفون آليات التعلم نفسها في حل المشكلات التي تعترضهم  فإن احترام سيرورات تعلم المتعلمين المختلفين فيما بينهم يقتضي في منظور البيداغوجيا الفارقية باعتبارها الأس الرئيس الذي يقوم عليه بيداغوجيا الكفايات، تنويع سيرورات التعلم بالفصل، وهو ما لا يمكن أن يتأتى بشكل فعال إلا من خلال جمع معلومات عديدة حول نجاح وتعثر المتعلمين في اكتساب الكفايات وعن أسبابها، مما يستدعي إنجاز تقويم يساعد على الكشف عن ذلك  سواء كان تشخيصيا أو تكوينيا على أساس أن لا يؤخذ التقويم بدلالته المرضية، وإنما على أساس أنه إضاءة للنجاح ولطرائقه ولأسبابه، وللتعثر، ولمظاهره ولأسبابه، وإضاءة لأخطاء المتعلم الدالة على مرحلة من مراحل تطوره، وباعتباره تشخيصا يسمح بتحديد حاجيات المتعلمين للاستجابة لها ضمن

مشروع المؤسسة واستنادا إلى أدوات واستراتيجيات منظور البيداغوجيا الفارقية.

      ينجز التقويم التشخيصي الذي هو مفتاح بيداغوجيا الكفايات في بداية الموسم الدراسي بناء على اختبار تستثمر نتائجه على مستوى الفصل وعلى مستوى المؤسسة استثمارا يشكل تحليل معطياته نقطة انطلاق بناء مشروع للمؤسسة يراعي :

-   تنويع الأهداف؛

-  تنويع التنظيم البيداغوجي (جداول حصص مرنة)؛

-  تشكيل المجموعات استنادا إلى الحاجيات (مجموعات الحاجيات)؛

-  تنويع التدخلات والأدوات والمعينات الديداكتيكية.

    أما التقويم التكويني فيتخذ صيغة المصاحبة لكل الوضعيات المشاكل التي يضع المدرس فيها المتعلم لتحدي عائق ما، وصيغة التقويم الدوري الذي يستهدف التعرف على مدى تحقيق أهداف المتوالية البيداغوجية، وبأي طريقة، ثم على مدى نجاعة استراتيجيات وطرائق التدريس، وبذلك يعد التقويم التكويني ليس تقويما فقط لكفايات المتعلم، وإنما تقويم، أيضا، لاستراتيجيات المدرس، ونقطة انطلاق تعديل أو إعادة تشكيل المجموعات ، الذي يرافقه تعديل للأهداف، للأنشطة، وللأدوات والمعينات الديداكتيكية من جهة، وتعديل الفرق التربوية من جهة أخرى.

   يعد التقويم في بيداغوجيا الكفايات النقطة معيارا غير كاف لتقويم كفايات المتعلمين :

    - لأن النقط باعتبارها تعكس أداء عاما لا تستطيع تقديم صورة واضحة عن المهارات والمقدرات المكتسبة من غير المكتسبة من المكتسبة اكتسابا ضعيفا؛

    - لأن حصول غالبية الفصل على نقط ضعيفة يوحي بعدم تحقيق المقدرة لدى الكل مما يجعل المدرس يعيد التعلم الذي يستجيب للغالبية المتعثرة مقابل تهميش الفئة القليلة التي حققت النجاح؛

-     لأن حصول غالبية الفصل على معدل يوحي بتحقيق المقدرة، مما يجعل المدرس يتقدم في عمله، ويهمل المتعثرين، مما يعني دق المسمار الأول في نعش فشلهم؛

-       لأن النقط المتقاربة تقود إلى تشكيل مجموعة المستوى التي توهم بالتقدم مع المتعلمين رغم أن الفوارق الموجودة بينهم في اكتساب المهارات تعيق تحقيق المقدرة لدى الجميع.

       نظرا لهذه السلبيات تقرن بيداغوجيا الكفايات النقطة بأدوات أخرى لقياس مدى تحقق المقدرات، وهي كما يلي :

          الملاحظة :

           ترفض بيداغوجيا الكفايات نماذج وأدوات التقويم التقليدية التي تركز على سؤال المعرفة، وتؤكد مقابل ذلك على دمج التقويم في العمل اليومي من خلال وضع المتعلمين في وضعيات مشاكل تتيح للمدرس ملاحظتهم وهم يشتغلون.فالمدرس الذي يلاحظ متعلميه وهم يشتغلون طيلة الأسبوع يعرف الكثير عن مكتسباتهم البنيوية والوظيفية، وعن كيفيات اشتغالهم، عن إيقاعاتهم، عن نجاحهم، عن تعثرهم ...إلخ، على أنه يجب توثيق الملاحظات، تدوينها بشكل منهجي، وتحليلها بغية استثمارها في حوار بيداغوجي متماثل. هكذا يمكننا الحديث  مع فيليب بيرنيو عن ملاحظة تكوينية Observation formatrice ( )، فأن نلاحظ بهذا الشكل يعني أن نبني تمثلات واقعية عن التعلم، عن ظروفه، عن كيفية إنجازه، عن ميكانزماته، عن نتائجه، وأن نستجيب لحاجيات المتعلمين وانتظاراتهم شرط ألا نكون مهووسين بالترتيب والانتقاء والتصنيف، فأن \"نصنف طفلا فهذا يعني أن نرفض مسبقا بلوغه حالات أخرى غير تلك التي نحتجزه فيها، وهذا يعني بالنسبة للمربي أنه ينقطع طوعا

ونهائيا عنه، وأنه يقضي عليه بالخضوع أو بالتمرد\" 

       والملاحظة تكون تكوينية حينما تهتم بمؤهلات المتعلم، بطرائق عمله، بكيفيات تعلمه، باستعداده وحوافزه ورغباته، وبعبارة أخرى تهتم ،حسب فليب بيرينو، بكل المظاهر المعرفية العاطفية، المادية، التي تيسر أو تمنع التعلم شرط أن تكون الملاحظة التكوينية مناسبة للحاجيات ولأهمية المشكلات المطروحة التي سيتم حلها( ).

    ولتكون ملاحظة المدرس ثاقبة يجب أن يتسلح المدرس بالعديد من الأدوات المفاهيمية والنماذج التي تعود إلى علم النفس، نظريات التعلم، ديداكتيك المواد، المفاهيم المستعرضة، بيداغوجيا الأخطاء، بيداغوجيا العائق...إلخ، حتى ترقى إلى ملاحظة جوهره، لأن \"إدراكنا لما هو كامل لدى الطفل، واكتشافنا القوة التي يمكن أن تنمو في ذاته، هما التصرفان الوحيدان اللذان يبرهنان على أننا نثق به وبالتربية وعلى أننا نحترمه\"( ).

-    تحليل النتائج في ضوء عملية الترميز والبر انم الإعلاميائية     يفسح إنتاج المتعلم في ضوء عملية الترميز المجال لتقويم المعارف الفعالة والمهارات والمقدرات، حينما تعطى الأجوبة رموزا عوض النقط. ونمثل لذلك بإعطاء الرمز \"1\" للإجابات التي تتطابق مع النموذج المقترح، والرمز \"2\" للإجابات غير التامة، لكنها تتضمن فائدة بيداغوجية، والرمز \"9\" للإجابات التي لا تتطابق مع النموذج المقترح، وعند الاقتضاء مع الإجابات الغامضة وغير المقروءة، و\"0\" للغياب الكلي للإجابة( )، ولتحليل هذه النتائج تتم الاستعانة بالبرانم الإعلاميائية باعتبارها تتيح تحديد سحنات المتعلمين والفصول على أساس معيار اكتساب المهارات والمقدرات.

- الحوار البيداغوجي

      قليل هم المتعلمون الذين يستطيعون تفسير كيفيات تعلمهم، الإجابة عن سبب القيام بهذه العملية أو تلك، عن سبب بداية أو إنهاء حجاجه أو برهنته بهذا الشكل أو ذاك، لذا غدا من الضروري أن يتيح المدرس للمتعلم فرصة التساؤل عن سيروراته الإجرائية، ومساعدته على تحديدها حتى يجعله فاعلا في تعلمه، وحتى يزيح عن اكتشافاته طابع الاعتباطية، وهذا لن يتمكن المدرس من تحقيقه إلا من خلال حوار تماثلي يتخلل الملاحظة أو يلي التقويم الكتابي، ولا سيما وأن هذا الأخير  لا يتيح معرفة الكيفية التي سلكها المتعلم في تنفيذ إنجازه، أي في تحقيق تعلمه الذاتي، وهل توصل إلى الحل صدفة، أم عبر الذكاء أم عبر الاستحضار الآلي للمعارف.

      يمكن الحوار البيداغوجي من التعرف على الكيفية التي سلكها المتعلم في تعلمه، ومن اختيار التدخلات الديداكتيكية والأدوات التي تتيح تعديل كيفية التعلم لدى المتعلم أو تطويرها، ومن ثم الوعي بها، كما يمكن من مناقشة النقطة مزيحا سلطة التقويم من يد المدرس من جهة، والمساعدة على التقويم الذاتي وعلى التعرف على تقنياته المتعددة وعلى معاييره من جهة أخرى. وحينما يقدر المتعلم \"أية معايير تكون مهمة بالنسبة إليه، وأية أهداف حاول تحقيقها، وإلى أي حد تم له ذلك، يتعلم بذلك أن يتحمل مسؤولية نفسه واختياراته\"( )، ويتخلص من التبعية للمدرس الذي يؤثر سلوكه في تكريسها أو التحرر منها، ذلك أن \"مسؤولية التلميذ واستقلاله يتباينان قوة وضعفا تبعا للطريقة المستعملة، ولكن مهما تكن الطريقة فإن سلوك المعلم هو الذي يوطد التبعية أو يخفف من حدتها، وبحسب نمط التدخل الذي يعتمده في أصول تربية المجموعة، فإنه يشجع

البحث المستقل أو بالعكس يخضع لحكمه أية مبادرة للمجموعة ،فمثلا إذا ما تدخل مباشرة لتعيين الخطأ وتقويمه بنفسه حينما  ترتكب المجموعة خطأ بينا، فإنه يرغم المجموعة على الرجوع إليه باستمرار، وإذا ما تدخل بصورة غير مباشرة بواسطة مجموعة من الأسئلة توجه البحث، أو بواسطة أمثلة مضادة تجبر على التفكير و المحاكمة فإنه يدعم مسيرة المجموعة المستقلة، وحينما يعمل بموقفه العام، بحيث يكون التلاميذ ملزمين باللجوء إليه وإلى قراره فإنه يتسبب في تبعيتهم\"( ). إضافة إلى هذا فإن الحوار يمكن من الكشف عن مختلف أسباب التعثر ابتداء من السيكوعاطفي (كسل، قلة التركيز، عدم الاهتمام ،إلخ ...) إلى ما يرتبط بالحوار (تدخلات اعتباطية، غياب التدخل...) مرورا بالمنهجي (عدم إعادة النظر في عمله، عدم إعطاء اعتبار للمتطلبات..إلخ)، على أن المدرس لا ينوب في الحوار، حسب دولانكر اندوري ،عن عالم النفس ولا عن المساعدة الاجتماعية( )، فهو لا يعطي أبدا درسا خاصا، ولا يسعى من خلال الحوار إلى فرض رأي، وإنما \"يسعى إلى التزود

بمعلومات عن الأساليب التي يمكن أن يوظفها التلميذ لامتلاك المعرفة\"( )، وبالمقابل \"يخبر التلميذ عن الأساليب التي يمكن أن يوظفها لاكتساب المعرفة( )\".

      هكذا ينتهي الحوار بالمدرس إلى تمثل أكثر دقة بواقع المتعلم، وبهذا الأخير إلى وعي جديد بالعناصر التي يجب أن ينصب عليها جهده لبلورة آدائه.

            1-8- تناغم الإيقاع البيداغوجي والإيقاع الزمني

       ظل معيار النمو البيولوجي للمتعلم مقرونا بمصالح المدرسين يحكم الإيقاع المدرسي منذ القرن 19، لذلك ظل المشكل المتصاعد للمظهر البيداغوجي للإيقاع المدرسي مرتبطا بعدم التلاؤم بين الأهداف، التدخلات الديداكتيكية، الأدوات والمعينات المتجددة باستمرار وبين نماذج جداول الحصص التقليدية المعممة على كل الوضعيات التعليمية التعلمية، دون تقدير لاختلافات المتعلمين وللتحولات التي عرفتها المؤسسة وجمهورها وأهدافها وبرامجها، علما أن التقطيع الميكانيكي للزمن يشكل سدا أمام توظيف منظورات البيداغوجيا الفارقية القائمة على تنويع السيرورات.

       إن الإيقاع المدرسي ليس فقط مسألة توزيع زمني محايدة، وإنما هو نتيجة تصور بيداغوجي ينظر إلى الزمن في ضوء الأهداف البيداغوجية للمشروع التي هي في الأصل ترجمة لحاجيات المتعلمين المرصودة، لذا استبدلت بيداغوجيا الكفايات الإيقاع التقليدي الصلب الذي يستجيب لاكتساب المعارف في ذاتها بإيقاع جديد يتميز بالتدبير المرن لجداول الحصص ليستجيب لتنويع سيرورات التعلم، وهو ما يقتضي من الإدارة التربوية الدخول في حوار مع الفرق التربوية حتى يتم ترتيب الأولويات مع كل فريق، وحتى تستجيب هذه الجداول الأهداف المشروع.

      ويمكن الاستناد مثلا إلى ثلاث فرضيات في تدبير الزمن حينما تستند الكفايات إلى استرتتيجية المجزوءات حينما تنتظم هذه الأخيرة  أسبوعيا :

-           تنظيم مجزوءات مستقل بعضها عن بعض في جداول وحصص المواد المعنية؛

-           تنظيم مجزوءات مادتين بتواز في فصل واحد؛

-           تنظيم مجزوءات مادة واحدة في فصلين أو أكثر( ).

   إن إدماج مفهوم الزمن في الممارسة البيداغوجية يقود مباشرة إلى تعلم واستيعاب الزمن : القدرة على تدبير الزمن، الاستقلالية في توظيف زمن العمل، زمن الترفيه، الزمن الشخصي. إنهما بالفعل المقدرتان اللتان يتطلبهما عالم الغد من الجميع وبالضبط من الشباب( ).

     1-9-أدوات ومعينات ديداكتيكية أخرى:

       إن التدريس عبر الوضعيات المشكل لا يمكنه أن يوظف إلا ناذرا الأدوات الديداكتيكية المتعارف عليها حاليا والموضوعة في إطار منظور بيداغوجي آخر. لا نحتاج إلى تقديم تمارين أو جذاذات وإنما نحتاج بناء وضعيات مهمة تراعي عمر ومستوى المتعلمين ، الزمن الذي يتوفرون عليه، ثم المقدرات المراد تنميتها ، وهو ما يفرض على المدرس الاستقلال عن الأدوات الرائجة حاليا في  السوق ، أو أن يتجه نحو نزعها عن غاياتها و تكييفها مع الوضعيات المطروحة  ، وهنا لانتظر من المدرس وحده أن يتصور ويضع وحده الوضعيات ويبتكر الأدوات ، وإنما يطلب من الناشرين والمصالح المعنية أن تضع في متناوله أفكار وضعيات ،أدوات تغاير الرائج حاليا .

          خاتمـــة :

        حقيقة يمكن أن نوجه الاشتغال بمنظور الكفايات نحو دمقرطة نوعية للفعل التعليمي التعلمي، حيث نضاعف معنى الموارد حين نضعها في ارتباط مع الممارسات الاجتماعية ومع الحياة اليومية، وحيث يمكن أن نتدارك التعثر الذي ينتج عن عدم الانخراط، عن عدم التحفيز، عن غياب الرغبة، لكن هذا المنظور البيداغوجي لن يخلق المعجزة بالنسبة لمتعلمين يعانون من صعوبات تعود إلى عوامل خارجة عن المدرسة، بل قد يضع عوائق لأن بيداغوجيا الكفايات تتطلب، بشكل من الأشكال، كثيرا من التجديد، كثيرا من التجنيد، من المبادرة، من الاستقلالية مقارنة مع التمارين المدرسية الكلاسيكية.

    يجب أن ننبه إلى أن إصلاح المناهج لا يتم دون الاستناد إلى منظور البيداغوجيا الفارقية، ذلك أن معالجة الاختلافات لا يمكن أن تتم في برنامج يتجاهلها، فليس بتغيير الأهداف واستبدال المفاهيم تتم دمقرطة  التعليم، فدون شك بتغيير البرامج يمكن أن نقترب من الثقافة العادية للناس العاديين، ننفصل عن ثقافة النخبة، لكن التحول من مفهوم ترسيخ النموذج الأحادي  إلى مفهوم الاختلاف الذي يشكل أساس تطور البيداغوجيا الفارقية يبقى الرهان الأكبر لمواجهة التعثر الدراسي.

    على أنه يجب التشديد على أن لا تتم التغيرات في النصوص، وإنما في الأذهان والممارسات، الأمر الذي يتطلب وقتا إذا أنجزنا الأمور بإخلاص. الأسوأ هو أن نعتقد في تغيير الممارسات البيداغوجية عبر المراسيم والمواثيق. إن التغيير المنشود يمر عبر نوع من الثورة الثقافية لدى كل من المدرسين والمتعلمين والآباء والمسؤولين عن التربية بالبلاد.

   وحينما تتغير الممارسات على نطاق واسع، فإن التغيير يتطلب سنوات لجني الثمار، لأنه يجب انتظار تخرج جيل أو أجيال منالمتعلمين. إن الاشتغال وفق هذا المنظور يتطلب خطوات صغرى لا قفزات كبرى حتى لا ننكسر وننثني، والرهان هو أن يتجه المدرسون تدريجيا في هذا المنحى دون انكسار. إن هذا التصور يصطدم بمشاكل لا يمكن تجاوزها في  المدى القصير، وما يمكن أن يهدمه هو المقاومات التي يبديها المدرسون تحت يافطة غياب الإمكانيات وهو ما يقود إلى السقوط في انتظارية قاتلة تعصف بالمشروع التربوي برمته.

عن مجلة المعلم - شتنبر 2006

http://www.korasat.com/pages/kifayattakafoforas.htm

Partager cet article

Commenter cet article