Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

قراءة في كتاب " مفهوم التاريخ " – الجزء الأول

11 Mai 2009 , Rédigé par mazagan

راءة في كتاب ” مفهوم التاريخ ” – الجزء الأول

ذ . عبدالله العروي

        

           مدخل:

لا أحد يجادل في قيمة المفكر المغربي عبد الله العروي على الصعيدين: المغربي, والعربي والدولي.فقد انطلقت شهرته من كتابه الشهير” الإيديولوجيا العربية المعاصرة” الصادر باللغة الفرنسية في السبعينيات. وازداد شهرة بفضل ترجمته إلى العربية, ثم ما فتئ يصدر كتابا تلو الآخر تأليفا وترجمة, وكانت المفاهيم آخر أعماله, إضافة إلى أعمال فكرية وأدبية أخرى.

يعتبر العروي مفكرا عقلانيا طبع حقبة تمتد عقودا من الزمن في تاريخ الفكر المغربي المعاصر, بل والعربي عموما. له إطلاع عميق على المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية, وله أبحاث في التاريخ والنقد الإيديولوجي, وفلسفة التاريخ. وله اهتمام بالآداب وخاصة الرواية, ولعل ما ساعده على ضبط واستيعاب الفكر الأوروبي في عمقه وجوهره: هو إتقانه للغات أجنبية بما فيها بعض اللغات الشرقية كالروسية والرومانية… مع العلم انه يتقن ويجيد الترجمة من الفرنسية إلى العربية والعكس, وله في الترجمة والتعريب آراء ونظريات.

يمثل العروي نوعا من المثقفين العقلانيين الذين يحملون هما إصلاحيا ويرومون تحقيقه في بلدانهم بسبب عيشه فترة طويلة في فرنسا, وإطلاعه على ثقافة الآخر في أحدث مستجداتها . كما يعد واحدا من المثقفين التقدميين في المغرب والعالم العربي, بل وفي العالم الثالث عموما الذين أخفقوا في تحقيق مشروع التغيير في واقع يتسم بالتخلف على جميع الأصعدة.

أهم ما يميز أعمال العروي التاريخية والفكرية, الصرامة المنطقية في التحليل, والأسلوب العلمي الرصين, والحفر المعرفي والعلمي العميق. حتى اعتبر من الموسوعيين القلائل الذين ينتجون أفكارا ونظريات ويستميتون في الدفاع عنها.

ü       العروي  ( المفكر والمنظر)

انشغل العروي بالقضايا الكبرى الوطنية والقومية والفكرية كالديمقراطية, والعلمانية, والاشتراكية

والليبرالية,والعقلانية,والحداثة… انشغالا عميقا مهموما بالمشاكل التي تواجه الإنسانية وتحتاج إلى التجاوز والحل, كما انشغل بالمفاهيم تدقيقا وتفكيكا وتحليلا قبل الاستعمال” هادفا إلى توضيح الآليات المعرفية لاستخدامها في العرض والتقرير كعمل تمهيدي ضروري كي يحصل الفهم والتفاهم” وفي هذا الاتجاه سارت كل كتاباته النظرية منها والمفاهيمية. ومن بين أعماله في هذا المجال يمكن الاقتصار على كتابه ” الايديولوجيا العربية المعاصرة” التي تبرز جانبا من أفكاره ونظرياته والتي تتقاطع مع أعماله الأخرى:  ” العرب والفكر التاريخي”  “أزمة المثقفين العرب”   ” الإسلام والحداثة”  ” ثقافتنا في ضوء التاريخ”  ” مفهوم الإيديولوجيا”  ” مفهوم الحرية”  ” مفهوم الدولة” ،” مفهوم التاريخ” ، “مفهوم العقل”…..

ü       العروي ( المؤرخ)

يبدو أن الشكل الثقافي المعروف به العروي هو التاريخ أو بالاحرى الممارسة التاريخية التي يحكمها بناء نظري واضح. الشيء الذي جعل أعماله في ميدان التاريخ تتميز بالموضوعية ” التي يعرف محدوديتها في العلوم الإنسانية ” بسبب غنى ثقافته في المناهج والابستملوجيا. ومن بين أعماله المتفردة في التأليف التاريخي نذكر: ” الأصول الاجتماعية والثقافية للحركة الوطنية بالمغرب (1830-1912) ” تاريخ المغرب: محاولة في التركيب “  ” مجمل تاريخ المغرب “  ” مفهوم التاريخ 

لا يسمح المقام والهدف هنا للغوص في مضامين هذه المؤلفات, وسنكتفي بعرض دعوة العروي بإيجاز إلى التجديد التاريخي بالمغرب, وهي دعوة يعتبرها محدودة الأهداف والوسائل حسب ظروف البلاد,   وهذا التجديد التاريخي يستلزم بعض الضروريات:  كتأسيس مدرسة وطنية للحفريات , وإقرار دراسة اللهجات , والتعرف بعمق على الإلكترونيات… والأساس في كل ذلك خلق ذهنية معاصرة لدى المؤرخين المغاربة يقول: ” إن البحوث التاريخية عندنا متوفرة, ومن السهل دراسة التاريخ بدون وعي تاريخي , ومن هذا المنطلق سوف لن يكون أي اختلاف بيننا وبين أسلافنا : الأجداد يجمعون,الأولاد يستهلكون, والأحفاد يحكون”. وهذا التكوين المقترح في نظره ” سيخلق حتما نظرة جديدة إلى صيرورة التاريخ, والى الحقبة كوحدة زمنية متميزة ” ” وحدة نظرية مستنبطة بعد دراسة الشواهد بواسطة كل التقنيات المستحدثة “  كما أن مشروع تجديد تاريخ المغرب , مشروع يوازي في العمق تحديث المجتمع ككل بتوفر العلم والتكنولوجيا, حيث يرتفع مستوى البحث , ويتهيأ الذهن للإبداع والتطبيق. وان التأليف التاريخي سيكون جماعيا ( تعاون بين التخصصات ) لتلافي الخيال المفرط والنسبية المطلقة.

ü       العروي ( الأديب )

ثمة خصائص تميز ثقافة الرجل وفكره أهمها خاصية الوعي بحدود الملكات والقدرات الذاتية. فهو يشعر دائما بان ذاته تنشطر إلى ملكتين متناقضتين: ملكة القلب والعاطفة , وملكة العقل أو الفكر. ولعل ذلك ما يبرر انشغاله بالملكتين معا , لكنه يؤكد دائما على ضرورة الوعي بمحدودية التحليل العقلاني وبحدود الإبداع الأدبي.

في حوار بينهما بمجلة الكرمل العدد11/84 ص 179 تحت عنوان العروي يرد على سؤال محمد بنيس ” الحقيقة أنني أردت إن اكتب الرواية قبل إن أكون مؤرخا. جاءت الظروف ودفعتني إلى كتابة التاريخ أو النقد الإيديولوجي. لكن الدافع الأصلي منذ البداية كان هو الميل إلى الكتابة الروائية…وحين اسأل ما هو الغرض من كتابتك للقصة؟ فلابد أن أجيب بان الغرض منها هو التعبير عن شيء لا اعبر عنه بالتحليل العقلاني “.

ابتداء من منتصف الثمانينيات أصبح العروي يدرك – وكان دوما في شبابه وفي كهولته مهتما بالأدب والفنون -  قيمة التعبير الأدبي في إظهار الشعور واستبطان اللاشعور فقد أدرك منذئذ أن الأدب يمتلك قدرة أعظم في تمثل الأشياء على حقيقتها, والنظر إليها في واقعيتها  وبساطتها بعيدا عن العقل والإيديولوجيات. كما أن اكتشافه للإبداع الأدبي يعني اكتشاف دور الرغبة ووظيفتها في التعبير عن الأحاسيس والمشاعر. وبعبارة أخرى اكتشاف لوظيفة اللغة داخل اللاشعور في تكوينه وتحديد بنيته.

ومن مؤلفاته في هذا المجال نذكر: ” الغربة/اليتيم”  ” الفريق”  ” أوراق: سيرة ذاتية لإدريس”  وهي الرواية التي كشفت عن آرائه وعبرت عنها خصوصا وأنها طرحت بوضوح العديد من القضايا الفكرية والفنية التي شكلت الهاجس المركزي لانشغالاته في كتاباته التنظيرية.

ü       العروي ( التاريخاني )

لا نريد إغراق العرض بتفاصيل هذه النزعة, وإنما نريد إعطاء لمحة عامة ومركزة عن هذه الظاهرة التي أصبحت تبدو اليوم من المسائل الشديدة الراهنية لكونها تعيش لحظة تاريخية جد متميزة على الصعيدين الفكري والسياسي.

ترتبط التاريخانية على الصعيدين الفكري والمعرفي بتطور العلوم الإنسانية التي أصبحت تحتل المكانة الرئيسية في أهم القضايا المتعلقة بالإنسان.وادعاؤها الأحقية المطلقة في الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بمجال الفعل الإنساني, وإقامة أنساق تفسيرية تبدو صارمة المنطق وقادرة على استيعاب كلية الوقائع باعتبارها اتجاه فلسفي أو حسب العروي ” فلسفة كل مؤرخ يعتقد أن التاريخ هو وحده العامل المؤثر في أحوال البشر. بمعنى انه وحده سبب وغاية الحوادث ” يقول بوركهارت ” أصبحنا لا نفهم أيا من شؤون الماضي إلا إذا عدنا بذهننا إلى ظروف نشأته واستحضرنا الأسباب ” وهذا الموقف وان بدا بديهيا اليوم فانه لم يكن كذلك قبل الثورة الفكرية التي ساهمت في اكتشاف مفهوم التطور.

أما على الصعيد السياسي فهي مرتبطة بما يشهده العالم اليوم سياسيا من انهيار إحدى التجارب السياسية والفكرية الأكثر تاريخانية بتعبير ” بوبر ” . وهو النظام السياسي والاجتماعي المستند إلى النظرية الماركسية التي تمثل إلى جانب كونها نظاما سياسيا واجتماعيا. نظرة ورؤية للحياة والتاريخ والتي جعلت من نفسها تتويجا لمسار التاريخ ذاته.

 

v قراءة في “مفهوم التاريخ”  الجزء الأول:

في سياق النقاش المؤسس حول أطروحة ” نهاية التاريخ” لفوكوياما, أصدر العروي كتابا في جزأين تحت عنوان ” مفهوم التاريخ ” عن المركز الثقافي العربي ( بيروت/البيضاء ) 1992 . والكتاب يحتوي على مدخل وستة أقسام وخاتمة , موزع على 425 صفحة.

تعرض المؤلف في الجزء الأول لما سماه ” الألفاظ والمذاهب ” وهو الشق المتعلق بالهيكل العام للدراسة موزع على 4 أقسام يتضمن 10 فصول. بينما خصص الجزء الثاني ” للمفاهيم والأصول « وهو الشق المفاهيمي من الدراسة, حيث قسمه إلى قسمين موزعان على 4 فصول.

معلوم أن العروي ومنذ ” الايدولوجيا العربية المعاصرة ” عندما يصدر كتابا فان ذلك يمثل حدثا ثقافيا حقيقيا بالنسبة للمثقفين والمهتمين بشؤون الفكر والبحث. ليس فقط لأنه صاحب دعوة, وإنما أيضا للجانب الموسوعي لفكره, ولعمق تحليلاته. ومن تم قد يتفق المرء معه أو يختلف, لكنه يبقى نصا لامناص منه بالنسبة للفكر العربي المعاصر.

يستهل المؤلف الجزء الأول بمدخل تمهيدي تحت عنوان ” هل للتساؤل معنى؟ ” وهو تساؤل مشروع يطرح فيه العديد من القضايا والإشكاليات التي تؤرق الباحث/ المؤرخ. كالقصد من صناعة كتابة التاريخ؟ , وإمكانية إتقان التاريخ بالمحاكاة, والجدوى من ترجمة المؤلفات المهتمة بالمنهجية أو فلسفة التاريخ. أو

المزيد


قراءة في كتاب " مفهوم التاريخ " د.عبدالله العروي -

قراءة في كتاب ” مفهوم التاريخ ” د.عبدالله العروي -2
2008/6/2

v      أنواع الاسطوغرافيا:

ü       1- التاريخ بالخبر

الخبر هو الوصف الشفوي للواقعة. مادته هي الكلمة( اللفظة المسموعة) والكلمة شاهدة من بين الشواهد.

وبما أن التاريخ بالخبر هو تاريخ الأحداث المبني على المرويات المتوارثة شفويا عبر الأجيال, فهو أيضا تاريخ الإنسان الناطق الذي يخلف في كلامه شواهد كثيرة عن حياته.

كل المرويات مكونة من لهجة, ومفردات, وتراكيب, ودلالات. لذلك فهي لا تفهم إلا في نطاق اللغة. وكل لغة تدل على فكر وعقيدة وسلوك اجتماعي, فهي مستودع تجارب وماضي المجموعة الإنسانية الناطقة بها, وتفرض على من يستعملها مضامين كثيرة تحملها في تراكيبها وفي مفرداتها.وإذا لم تتعاكس-أي خلقها من جديد- فانه لا محالة ستعبر عن واقع اللغة, أي ما اختزن فيها من تجارب الماضي, لا عن واقع الحاضر. وانطلاقا من ذلك فلا انفصال بين المؤرخ واللغوي.

الشفوي متعلق بفترة معينة من الزمان(متغير تاريخي) وهي في ذات الوقت ظاهرة ملازمة للإنسان(ثابت انتربولوجي) وفي هذا السياق تعتمد اللغة أيضا لدى الانتربولوجي لأنها في نفس الوقت لغة عامة ثابتة وكلام خاص متطور.

في هذا التحليل يريد العروي اتباث تقاطع علوم اللغة والانتربولوجيا والتاريخ في مادة التاريخ بالخبر التي هي” الكلمة”, لكن الإشكال هو هل هذين العلمين مساعدين, أم موازيين أم منافسين للتاريخ؟ ثم أي دور للمؤرخ بخصوص هذه القضية؟

يرى المؤلف أن هذين العلمين انفصلا واستقلا عن التاريخ لما استبدلا علاقات التولد والاستتباع

( لدياكرونية) بعلاقات التلازم والتزامن( السنكرونية).والمؤرخ لا يمكنه الأخذ بنتائج تلك التخصصات ويبني عليها تفسيراته طالما أن نتائجها مرتبطة منهجيا بنفي التطور وإهمال كل اثر للزمان. فاللغة مثلا تحتفظ باثارالحدث التاريخي في بعض الحالات, لكن اللغوي لا يدرك البعد الزماني. كما أن الانتربولوجي يهمل حقيقة الواقع ولا يهتم إلا بالقالب الشكلي. وقد يستفيد المؤرخ من هذه العلوم ولكن في حدود ضيقة وبحذر شديد بعد أن يجري على المرويات الشفوية عمليات تمحيص حسب قواعد تعنى بالشهادة التي هي في الأصل دائما شفوية ومؤقتة للوصول إلى حكم ترجيحي حول مادية الحدث ونسق آثارها, متخذا منحى الكشف عن بداية التنظيمات والتشكيلات لدى المجتمعات اللغوية- الثقافية- دون توظيف نتائج التخصصات السابقة, لان منطقها مبني أصلا على اختزال الزمن.

ü    -2 التاريخ بالعهد: هو التاريخ المكتوب عادة   بالوثائق المحفوظة, مادته شهادات ووثائق بالمعنى الدقيق - القانوني- دون غيرها, ودون الاعتماد على الرواية. والكتابة التاريخية اعتمادا على العهود هي عنوان الانتقال من العرف إلى عهد القانون المكتوب. إذ كلما اقترب سرد الحوادث من أسلوب العقود دل ذلك على وعي متقدم بالتاريخ.

ارتبط هذا النوع من التأليف التاريخي بالفكر العلمي الحديث. لذلك فهو نقدي ووضعاني- يؤسس أحكامه على الوثيقة الملموسة- وتاريخاني – لأنه لا يعترف بالعوامل المؤثرة في التاريخ إلا بما هو مسجل في الوثيقة- وهو أيضا تقني- لان كاتبه عادة ما يكون متخصصا ومدربا على استعمال الوثائق.

يتم التمييز في أنواع العهود بين الحرف ( الرمز المكتوب) والحامل ( كل ما هو مادي يدخل في جملة الآثار المادية) وكلما صعب حل الرمز المكتوب نشا تخصص, ويستعرض المؤلف مجموعة من التخصصات يعتبرها بمثابة علوم مساعدة للتاريخ. قسم منها تقليدي وهو في تزايد مستمر سواء على مستوى البحوث أو المناهج أو الحقب أو اللغات مثل: الابيغرافيا والباليوغرافيا والديبلوماسيات والنوميسماتيات والكريبتوغرافيا وعلوم الموازين والمكاييل. وقسم جديد له علاقة بالتطور الحضاري العام مثل: علم الربائد المتعلق بالمخطوطات والمرقونات والمطبوعات, وكل ما هو مسجل على الأشرطة. وهذه العلوم لا تدرج ضمن التاريخ بالعهد إلا إذا كانت شهادات مزامنة للحدث ودالة عليه وقابلة للتحويل الفوري إلى وثائق مكتوبة. والتاريخ بالعهد لا يكتب إلا بتوفر بعض الظروف:

-          اختراع الكتابة : نظرا للارتباط بينها وبين الازدهار المدني والتجاري والسياسي وما يتطلبه ذلك من استقرار وتمدن للمحافظة على العقود.

-          الاستمرار والاتصال: إذ استمرار الدول يغذي الرغبة في جمع المواثيق والعهود.

التعددية: إذ بقدر ما تتعدد السلطات وتتنوع بقدر ما تتعارض المصالح وتصبح الحاجة ماسة إلى معاهدات واتفاقيات تحفظ الحقوق.

-          التقدم في الميدان العلمي: ويتعلق الأمر هنا بتعبئة الوسائل المادية (آلات جمع ونسخ وحفظ وترميم العهود والمواثيق).

تجمعت هذه الظروف في القرن 19 وفي المجتمعات المتقدمة اقتصاديا وثقافيا حيث ترسخ هذا النوع من التأليف واكتشف المؤرخون قدسية الوثيقة المكتوبة بعد فحصها. ومن هنا جاء معنى النقد الذي يعني: الانتقاد/ التحقيق بالمعنى التقني وذلك بالعودة إلى اصل النص. والانتقاد/ التحقق بالمعنى الفكري أي الحذر الدائم إزاء الوثيقة. وهذا النقد بنوعيه( التقني والفكري ) وصل أوجه وتحررت قواعده خلال هذا القرن(19) ولدى المجتمعات لما نظمت مهنة المؤرخ داخل الجامعات.

كل تاريخ تتعذر كتابته بانعدام الوثائق المكتوبة هو تاريخ المؤسسات ( الدول الحروب السياسة…) أو حسب اصطلاح العروي مستوى الرجل السياسي أو الفعالية التنظيمية التي تخلف عن قصد وثائق مكتوبة بأشكال متنوعة وعلى مراحل مختلفة. وبما أنها مكتوبة ومقصودة فلا تسمح للباحث أن يذهب بعيدا في التأويل.

ü       -3 التاريخ بالتمثال:

التمثال هو كل شكل استعمل عبر التاريخ للتعبير عن أشياء واحياء تهم الإنسان. مادته هي التمثال وهو شاهدة تشكيلية: (عبارة فنية ومجازية).وتختلف هذه الأشكال كما تختلف الحوامل, والأهداف المتوخاة من رسمها. والأشكال قد تكون بادية ظاهرة( الصورة/الحرف) وقد تكون مضمرة خفية( الشكل المعبر/الرمز)

وليس ثمة فرق جوهري-يقول العروي- بين الوصف بالكلمات والوصف بالرسوم لتمثل أحوال الماضي. فكما يكتب التاريخ اعتمادا على المكتوب يكتب أيضا اعتمادا على أشكال وصور موجودة في نقوش أو في صور.

في هذا النوع من التاريخ يتعالى القارئ /الباحث عن الصورة إلى الشكل المعبر, ولحل رموز هذا الشكل من الشواهد نشأت تخصصات عديدة مثل: تاريخ الفن, والأيقونات, وعلم الخواتم والطوابع والتوقيعات, وعلم الرنوك, والتصوير الجوي, والمرئيات المعاصرة…

اثر هذا الاتجاه في الكتابة التاريخية في تطور التأليف التاريخي, كما أدى إلى اتساع مجال البحث وتجديد الأسلوب. لكنه فتح المجال أيضا لكل تأويل, وهو ما أوجب وضع قوانين احترازية لكيفية استعمال التماثيل والأشكال التعبيرية كشواهد على أحداث الماضي إلى جانب الوثائق المكتوبة. وتكمن هذه القوانين في تنظيم المتاحف بداية بالنقد والتحقيق من صحة واصل الحامل إلى عملية التصنيف, ثم الإلحاق بمجموعة. لان المؤرخ محتاج دائما عند تعامله مع التمثال إلى تزكية الخبر المروي والمكتوب لتفكيك اللغز المصور من دون تأويل. وذلك للفصل بين منهج تخيلات عهد التأويل الافتراضي – الفلسفي- ومنهج عهد التحليل الموضوعي- التاريخي.

ü       4- التاريخ بالأثر الطبيعي:

الأثر هو كل سرد يستند إلى كشوف الحفريات. مادته كل مخلف مادي ملموس. والأثريات ليست علما موحدا بقدر ما هي مجموع تخصصات, وتبقى الشاهدة في شكلها الظاهر وتكوينها المادي هي عماد الباحث.

لا يهتم هذا النوع من التاريخ بالشعوب الأمية أو تاريخ الإنسان قبل الكتابة فقط, إذ حيثما ينزل الإنسان يترك مخلفات مادية متنوعة. بعضها يدل على ذوق فني أو على شعور ديني, وبعضها الآخر يدل على نمط متميز في العيش. ولهذه الأسباب فالإنسان يترك رغما عنه آثارا دالة عليه وهي مقصودة سواء في القديم أو الحديث.

تحث تأثير تقدم علوم الطبيعة في القرن 18 وما تلاه من ثورات فكرية ومنهجية تغير مفهوم التاريخ الطبيعي ليتأكد أن تاريخ البشرية أطول بكثير مما يظن, وان للطبيعة أيضا تاريخ فتحول هذا النوع من التأليف من تصنيف وصفي إلى ترتيب تطوري. فتولد عن ذلك تغيير الاتجاه من البحث عن المكتوب والمروي إلى الحفر عن الآثار.

تشكل الأثريات حاليا الصق التخصصات التاريخية بالتطور العلمي حتى أنها تبدو كعلم مستقل- وليس مساعد- وأكثر موضوعية واقل تأثرا بالأهواء. وللأثريات طرق ترتكز على الطبيعيات والرياضيات تمكن الباحث الأثري من الاستعانة بها مثل: الحفريات بالمعنى الدقيق برا وبحرا, والتحليل الكيميائي والفيزيائي للقطع المكتشفة(عضوية أو معدنية), والترتيب والتصنيف الإحصائيين للمعلومات المستخرجة من الآثار.

توسع مفهوم الأثر المادي بعد أن أصبحت عملية الحفر ثقيلة, كما تضاعفت الكشوفات إلى أعداد خيالية. ورغم دقة المناهج وضخامة الوسائل المادية المستعملة في هذه الصناعة. اثبت النقد فجوة واضحة بين قوة الاستنتاجات الت

المزيد


الفكر التاريخي وموضوعه…

لفكر التاريخي وموضوعه…

 ترجمة: محمد العدلوني الإدريسي و يوسف عبد المنعم

      هكذا يبدو أن القيام بدراسة الأحداث التاريخية والاجتماعية يجب أن يتم على مستويين، مما يستلزم أيضا معيارين من أجل أحكام القيمة، والتي ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار ليس فقط التلاحم والترابط الإنساني والقوة الإبداعية لدى الأفراد بل وأيضا التناسق الموجود بين وعيهم الفردي والحقيقة الموضوعية. هذا الاعتبار يطرح إحدى المشاكل الأساسية في سوسيولوجية الروح، إنها مشكلة الإيديولوجيا، التي تتميز بشساعة موضوعها مما يمنع من دراستها بعمق، والتي هي بالرغم من ذلك تشكل صلب موضوع هذا العمل، وصلب موضوع أية دراسة سوسيولوجية تبذل كل ما في وسعها للإلمام بالمظاهر الجوهرية للحياة الإنسانية.

   يعتبر كل حدث تاريخي حدثا اجتماعيا، وكل حدث اجتماعي حدثا تاريخيا، مما يفضي إلى أن كلا من علم التاريخ وعلم الاجتماع يهتمان بدراسة نفس الظواهر. وإذا كان باستطاعة كل منهما، في إطاره الخاص، الإلمام بأحد مظاهرها وتكوين تصور عنها، فإن الصورة التي يقدمانها تبقى بالرغم من ذلك جزئية ومجردة، ما لم يتم وضع نتائج دراستهما في إطارها الشمولي والمتكامل، على اعتبار أن نتائج أحدهما تثري نتائج الآخر. بيد أن هذه المسألة لا تعني مطلقا أن الانتقال من المجرد إلى الملموس يتم بمزج صورتين جزئيتين. إذ ليس بالاستطاعة الحصول على معرفة حقيقة بالأحداث الإنسانية بمجرد إضافة نتائج جزئية ومشوِّهة لسوسيولوجيا تنظر إلى هذه الأحداث نظرة ذات رؤية تشييئية أو نزعة سيكولوجية لنتائج تاريخ سياسي، أو بتعبير أوضح، لنتائج تاريخ ذي نزعة وضعية. إن المعرفة الواقعية ليست تجميعا لها. بل تركيبا لمجردات مبرَّرة، لا إضافة نتائج بعضها لبعض. وفيما يخص الموضوع الذي نحن بصدده، فإنه من المستحيل تصور أي تركيب ما دامت تلك المجردات غير مبررَّة. وبعبارة أخرى، ليست معرفة الأحداث الإنسانية، عملية جمع بين نتائج علم الاجتماع ونتائج علم التاريخ، بل إن مثل هذا التصور يدفع إلى ترك كل علم اجتماع وكل علم للتاريخ يتسم بالتجريد، لتحقيق معرفة يقينية بالأحداث الإنسانية والتي لا يمكنها إلا أن تكون معرفة توحد بين علم الاجتماع وعلم التاريخ، أي أن تكون علما اجتماعيا يستند إلى التاريخ وبالمثل أن يكون علما تاريخيا يضع نصب عينيه نتائج علم الاجتماع. تلك إذن هي الأطروحة التي سنعمل كل ما بوسعنا، من خلال هذه الدراسة، للدفاع عنها.

   لا يمكن لعلم الاجتماع أن يكون علما جديرا بهذا المعنى، إلا إذا كان يعنى بالتاريخ ويضعه في دائرة اهتماماته، وبالمثل، فعلى علم التاريخ، لكي يتجاوز التسجيل العفوي للأحداث، أن يصبح تفسيريا بالضرورة. أي أن يصبح بهذا القدر أو ذاك اجتماعيا.

   علم التاريخ، علم الاجتماع التاريخي، فلسفة التاريخ، كل هذه المباحث تطرح إشكالا إبستمولوجيا قبليا يحيلنا إلى الأسئلة التالية:

*ما الذي يجعل الإنسان يهتم ببعض الأحداث المحددة والمنفردة في الزمان؟

*ولماذا يهتم بالماضي؟

*ثم ما الذي يستهويه في هذا الماضي بصفة خاصة؟

   قد تبدو الإجابة على هذه الأسئلة، منذ أول وهلة، مسألة سهلة: إن موضوع التاريخ هو المعرفة الدقيقة الصارمة بالأحداث من حيث خصوصيتها، دون الأخذ بعين الاعتبار ما قد تنطوي عليه من منفعة شخصية أو جماعية أو حتى منفعة عملية. لأن المؤرخ عالم يبحث عن الحقيقة، وتلك غاية في حد ذاتها وليست وسيلة. فلا داعي إذن للتساؤل لماذا: مطابقة الواقع للفكر، غير أن هذه المسألة هي بالضبط ما يتوخاه كل نشاط علمي، أما مسألة الوسائل، كالاهتمام، وسعة العلم والحس النقدي وبذل الذات في سبيل كشف الحقائق دون الحديث عن الذكاء، فذلك أمر لا جدال فيه.

  بيد أن التفحص الدقيق للأشياء يبين أن الأمر أكثر تعقيدا مما يمكن تصوره. فخلال القرنين 16م و17م عملت الفيزياء الحديثة بكل حزم على تخليص ذاتها من كل أشكال التدخلات اللاهوتية والاجتماعية لتكتسي صبغة علمية صرفة، مساهمة بذلك في إرساء قواعد لإيديولوجيا ذات نزعة علمية، أعطت للبحث وللمعرفة بالأحداث قيمتهما، رافضة بشيء من الاستخفاف كل المحاولات الرامية إلى ربط الفكر العلمي بكل ما له منفعة عملية وبما يخدم مصالح الإنسان. ولقد ساد مع هذا المنحى، اعتقاد أظهر المجتمع كما لو أنه يريد التكفير عن أخطاء الماضي بتعويض رواد العلوم الأوائل، اعترافا منه بالصعوبات التي واجهوها، وذلك بتوجيه عبارات التبجيل والاحترام للذين حملوا مشعلهم أو من لديهم قناعة بأنهم كذلك. فكانت النتيجة القصوى لهذه الإيديولوجيا، التي تم بلوغها، خاصة في إطار العلوم الإنسانية، هي ذلك العدد الهائل من ذوي سعة العلم الذين كرسوا حياتهم في تحصيل أكبر قدر ممكن من المعارف ضمن مجال ضيق وجزئي، اعتقدوا معها أنهم أصبحوا أنتروبولوجيين ومؤرخين ولسانيين وفلاسفة، إلى آخره…

   غير أن هذه النزعة العلمية الصرفة، وبالرغم من تناميها، قد أسست لشيء له أهميته وله ما يبرره. فالبحث العلمي، ولكي لا تشوبه شائبة بسبب تفسيرات غريبة عنه، عليه أن ينمو في جو تسوده الحرية والاستقلالية، وبنفس الجدية على الباحث، أثناء دراسة الظواهر الإنسانية، ألا يتخلى عن معتقداته، بل عليه التجرد منها وإرجائها إلى حين، كلما استطاع إلى ذلك سبيلا. وهذا بالضبط ما يصبو إليه البحث العلمي الخالص.

   أما فيما يتعلق بتقييم سعة المعرفة كما هي، فيمكن تبريرها أيضا وذلك من خلال وجهتي النظر التاليتين:

الأولى: اعتبار سعة العلم وغزارته كشرط ضروري لإنجاز أي بحث جاد، تنعكس نتيجتها كقيمة اجتماعية، وأن تقييم سعة العلم هاته في حد ذاتها، كمطلق يتوخاه الباحثون من أجل معرفة عميقة بالموضوعات التي يشتغلون عليها، له دون شك تأثيره الإيجابي على مستوى البحث العلمي.

الثانية: على اعتبار أنه لا يمكن الجزم أبدا بمعرفة مسبقة بالقيمة العلمية والعملية لمجموعة من الوقائع لم يتم بعد سبر أغوارها، بما فيه الكفاية.

   هناك، بدون شك، أبحاث تتسم بالمعرفة الخالصة، أي بالمعرفة من أجل المعرفة، وفي ذلك مضيعة للوقت وللطاقة، لكنها على كل حال ضريبة لا يمكن التملص منها في مراحل البحث الأولى. ولقد أثبتت التجربة على أن الدعم والحرية الكاملة التي يستند إليها هي أفضل ما يمكن فعله على المستوى النفعي.

   غير أن هذا لا يجب أن يحجب عنا حقيقة إبستمولوجية هامة، كان كارل ماركس قد أثبتها سنة 1846م في كتابه قضايا حول فيورباخ، والتي سلطت الدراسات الأخيرة، السيكولوجية والإبستمولوجية التي قام بها جان بياجي، الأضواء عليها مجددا. وتتجلى هذه الحقيقة، في كون الفكر الإنساني عامة والمعرفة العلمية التي هي ضمنيا مظهرها الخاص، يرتبطان بكل الأنشطة الإنسانية وبمدى تأثير الإنسان في المحيط الذي يعيش فيه. وإذا كان الفكر العلمي من هذه الزاوية يشكل غاية الباحث، فإنه خلافا لذلك، لا يعتبر سوى وسيلة لكل هيئة اجتماعية بل للبشرية قاطبة.

    غير أنه من هذا المنطلق، تبدو المنفعة العملية للعلوم الفيزيائية-الكيميائية مسألة بديهية. إذ هي تشكل الركيزة التي تقوم عليها كل تقنية، والوسيلة التي تمكن، ليس فحسب من التنبؤ، كما كان يرى أوجست كونت بل ومن الإنتاج والسيطرة على الطبيعة والعمل على تغييرها أيضا.

   لكن هذه البداهة نفسها تطرح مشكلة الدعامة التي تقوم عليها العلوم التاريخية.

*فما الدافع من وراء معرفة أحداث فريدة متجذرة في الزمان والمكان خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بأحداث تنتمي إلى الماضي؟

   لنسقط من حسابنا في الحال الاعتقاد بأن المنفعة الأساسية من دراسة التاريخ تكمن في استخلاص العبر أو تلقين الناس طريقة ما للسلوك، لأجل تحقيق غاياتهم المنشودة، سواء تعلق الأمر بالظروف الراهنة أو المستقبلية. كلا

المزيد

http://ameurgue53.maktoobblog.com/category/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%AC%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%83%D8%AA%D9%8A%D9%83-%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D9%85%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A/

Partager cet article

Commenter cet article