Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

الدماغ و البحث عن آثار الذاكرة 1/2

11 Mai 2009 , Rédigé par mazagan Publié dans #علوم التربية

دراسة للدكتور أحمد أوزي

1 مـقـدمـة :

     لم تعد الذاكرة تلك القلعة المستعصية أو الوظيفة العقلية المستحيلة المنال . لكن و بالرغم من التقدم الحاصل فإن الباحثين لم يتوصلوا بعد إلى حل كل الرموز ، و الدواليب الدقيقة ، و الميكانزمات العصبحيوية المتعددة، و التعرف على الأنساق المتشابكة و المعقدة للذاكرة و التعلم . فحوالي ما يناهز أربعة عقود ، بدأ الباحثون في ميادين علوم الأعصاب( فيزيولوجيا الأعصاب ، علم النفس الفيزيولوجي ، علم جينات الأعصاب ...) و علوم النفس ( علم النفس التجريبي و علم النفس المعرفي ...) في البحث عن مكونات الذاكرة التي تشكل إحدى الوظائف العليا للإنسان و التي بدونها لا يمكن أن يكون له ماض يعتمده كمرجعية لحياته اليومية و لا مستقبل يتوقعه غنطلاقا من ماضيه و حاضره .ويتسم البحث في هذه الميادين باعتماد مقاربات ممنهجة و خاضعة لشروط دقيقة التقصي و تجريب لمقاييس و مبائ البحث العلمي المتداولة في جل ميادين العلوم البحتة . أما العلوم النفسية فقد اهتمت بدراسة السيرورات و الآليات السيكولوجية الكامنة وراء معالجة المعلومات و اكتسابها و تخزينها وفق محددات مضبوطة كما وكيفا . أما الباحثون في ميادين علوم الأعصاب فقد انصب اهتمامهم في البحث على الآليات و الميكانزمات و السيرورات العصبحيوية و العصبكيمائية و العصبتشريحية التي تمكن الجهاز العصبي من معالجة المعلومات و اختزانها و استرجاعها و استغلالها للتعبير عن مشاعر و مواقف و مبادئ حياتية و اخرى لبناء أنماط سلوك فردي أو اجتماعي يمكن الفرد من الشعور بأنه ينتمي إلى مجتمع أو مجموعة ما . شكل البحث على آثار الذاكرة و الجزئيات الخلوية النشيطة بالجهاز العصبي و ما يزال يشكل ميدانا خصبا في ميادين علوم الأعصاب خاصة فيما يتعلق بتحديد :

     1ـ النوى الدماغية و الباحات القشرية التي لها دور مباشر أو غير مباشر في معالجة المعلومات وتخزينها و تذكرها .
     تفترض الفرضيات التي بلورت في هذا المجال أن الذاكرة تتموقع بعد النوى و الباحات القشرية الدماغية التي يجب تحديدها ومعرفة نوع المعلومات الخاصة بكل منها .

     2 ـ النواقل ‎neurotansmetteurs أو الوسائط العصبية‎ ‎ neuromédiateurs
     التي تشكل الجزئيات العصبكميائية النشيطة و المزامنة لمعالجة المعلومات بالخلايا العصبية . تميزت الفرضيات التي صيغت في الميدان العصبكميائي و العصبفيزيولوجي بتعددها و تنوعها ، بحيث أنه افترض أن لكل ناقل أو وسيط عصبي دورا أو أكثر ، منها ما هو أساسي و ما هو ثانوي . تعدد الأدوار هذا ناتج عن اكتشاف مستقل ‎ récepteur أو أكثر لكل ناقل أو وسيط عصبي بالخلية العصبية البعد مشبكية ‎‎‎ Post-sny-optique .

     3 ـ الجزئيات الوراثية البروتينية و الحامض نووية التي تتدخل في سيرورة المعلومات و تخزينها و استرجاعها .
     بنيت جل هذه الميادين على فرضية نظرية أولية اقترحها عالم النفس الفيزيولوجي دونالد هيب ‎Donald Hepp سنة 1949 انطلاقا من الأعمال التشريحية للدماغ قا بها العلم الاسباني رامون إي كخال ‎ Ramon Y Cajal و الذي بلور النظرية العصبية التي تؤكد أن الخلايا العصبية وحدة تتواصل مع الخلايا العصبية الأخرى عبر الارتباطات المشبكية . وقد اقتسم "رامون إي كخال" جائزة نوبل في الطب مع العلم الإيطالي غولجي ‎ Golgi سنة 1906 . يمكن تلخيص نظرية دونالد هيب في ما يلي : يترك مرور المعلومات آثارا بمكونات الخلايا العصبية النشيطة . وتحصل التغيرات بمشابك الخلايا العصبية . هذا ، وقد اقترح الفيزيولوجي سيرينكتن ‎ sherrington مصطلح مشبك ‎ Synapse في أواخر القرن التاسع عشر . ‎
     سنقدم في ما يلي المعطيات الفيزيوعصبية الأساسية المتوصل إليها في ميدان دراسة الذاكرة و التذكر .

2 ـ الذاكرة و الميكانيزمات العصبحيوية :

     شكل الاهتمام بالتغيرات الحاصلة بمشابك الخلايا العصبية فرصة كبيرة سنحت للباحثين التعرف على عدد من الميكانزمات العصبحيوية المزامنة لعمليات اكتساب الدماغ للمعلومات . وهكذا



رسم رقم 1

     إثارة مسلك عصبي لأول مرة . تنشط الخلية العصبية رقم 1 بواسطة التدفق الكهربائي وتفرز كمية طفيفة من الوسيط العصبي بالحيز المشبكي . بعد ذلك يتم تلاحم الوسيط العصبي بالمستقبِل العصبي الموجود بالخلية العصبية 2 . على ترتيب مونو كسيد الآزوط ‎‎‎Noالذي يؤثر بدوره على الخلية العصبية 1 .



رسم رقم 2 :

     بظهور التنبيه الثاني يلاحظ أن الخلية العصبية 2 تفرز كمية كبيرة من الناقل العصبي أو الوسيط العصبي وذلك تحت تأثير ‎No الذي يثير الحويصلات الإفرازية . كمية كبيرة من المادة المستقبِلة تمكن من ترسيخ عدد كبير من جزئيات الوسيط العصبي ويتولد عن ذلك تنشيط أكثر للخلية العصبية الثانية .

     هكذا تنشط الميكانزمات العصبكيميائية الخلايا القبل و البعد مشبكية وتمكن من نرسيخ الذكريات السارة و الغير السارة وكذلك المعلومات الأدبية و العلمية و الثقافية ، و بالتالي تمكن دماغنا من نسج ذاكرة معقدة ومتنوعة المعلومات و المعطيات .

     أظهر عدد من الباحثين أن مرور جهد العمل ‎Potentiel d'action بمسلك عصبي موجود بالحصين أو قرن آمون ‎Hippocampe يرفع لمدة طويلة نشاط وفاعلية مشابك هذا المسلك . بعبارة أخرى ، يترتب عن إفرازات المواد الناقلة أو الوسيطة تمرير معلومات كهروفيزيولوجية من خلية إلى أخرى بكيفية أكثر سهولة . وهكذا فالماسلك العصبية التي تم تنشيطها بمرور المعلومات التي هي في مرحلة التخزين تصبح أكثر فاعلية وترسيخا للمعلومات المعالجة . وتؤكد التجارب أن المرور المكرر لجهد عمل خاص بنفس المعلومات المعالجة يجعل المسالك المعنية أسهل و أسرع لتعزيز هذه المعلومات من مرور معلومات جديدة . ـ رسم 1 و 2 بين المعطيات العصبكيميائية التجريبية المكتشفة بالحصين ـ .

     وبينت نفس التجارب أن هذه التغيرات الفيزيوكيماوية يمكن أن تدوم لعدة أيام . ولهذا افترض أنها قد تشكل آثارا أو بصمات خلوية خاصة بالذاكرة الطويلة المدى . لكن لابد من طرح سؤال يتعلق بتنظيم المسالك التذكرية . هل هذه الآثار و البصمات هي التي تمثل فعلا ، الميكانيزمات العصبكيميائية المنظمة للمسالك العصبية الرابطة بين الأنظمة العصبية النشيطة و الخاصة بنوع المعلومات التي يعالجها ويحاول تخزنيها المتعلم ؟.

     هناك سؤال آخر لابد من طرحه وهو يتعلق بفهم الميكانزمات و السيرورات الخاصة بالتخزين المستمر بالقشرة الدماغية . ويتعلق هذا بمحاولة فهم نوعية تخزين المعلومات بالجهاز العصبي .هل تخزن المعلومات فعلا على شكل آثار ؟ و ما هـي هذه الآثار ؟ هل بصمات لمرور الدفعات الكهروفيزيولوجية أو أنها آثار للنقال العصبي النشيط أثناء مرور هذه الدفعات أو أن الأمر يتعلق بشيء آخر يمكن افتراضه على نحو تفاعلات بين الدفعة الكهروفيزيولوجية و الناقل العصبي الموظف في النشاط العصبي المزامن لمعاجة المعلومات و اكتسابها ؟

     إن كل هذه الأسئلة مقبولة ، خاصة و أن الأمر يتعلق بتحديد آليات وميكانزمات الخلايا العصبية ودورها في اكتساب المعلومات و اختزانها . بعبارة أخرى يمكن أن نتساءل عن شكل ونوع الآثار العصبفيزيوكيميائية التي تمكن من اكتساب وتخزين المعلومات بالجهاز العصبي . إذن ، هل تخزن ذكرياتنا بتراكم المواد الكيميائية أو بدفعات كهروإيقاعية ؟ هل تدرج أو تدمج الذكريات بكيفية مستديمة أو أنها تنتج وتبرز بكيفية موازية ومتزامنة مع إثارة صورة الحاضر ؟ لا بد أن نكون حذرين بالنسبة للتفسيرات و التأويلات التي يمكـن أن نصدرها في هذا المضمار . أولا لأننا لازلنا نجهل الكثير عن ميكانزمات الجزئيات العصبية المرتبطة فعلا بالذاكرة . كما أنه ليس لدينا لحد الآن سوى فرضيات تم تمحيصها بواسطة مقاربات محدودة وتقنيات جزئية لم تمكننا من تحقيق التوقعات النظرية التي صيغت في جل ميادين علوم الأعصاب وخاصة علوم الأعصاب المعرفية ‎Neurosciences congnitives ويبدو هذا طبيعي لأن ميدان البحث العلمي يتغذى بما هو نظري قبل أن تثبت التجارب صحة أو عدم صحة التوقعات النظرية . فالفرضيات إما أن تعزز وتفسر أو ترفض وتعاد صياغتها وفق المعطيات التي أبانت عدم صحتها . وهذا ما يجعل المعرفة العلمية تبنى انطلاقا ليس فقط على التفسير و التأويل و التنطير بل كذلك على المعطيات التطبيقية التي تعطي للتنظير المصداقية و المتانة المعرفية ، وذلك وفق معايير علمية متفق عليها إبستيمولوجيا .

3 الذاكرة قصيرة المدى :

         تظهر المعطيات الإكلينيكية و التجريبية أن الذاكرة قصيرة المدى تتشكل من حيز زماني لا يتعدى بعض مئات جزء من الثانية ، وهي تكون سجلا تذكريا يتميز بمعلومات هشة وسريعة الاندثار و النسيان . ويتلاءم هذا مع المعطيات التجريبية التي تبين أن جهـد العمل المتنقل عبر المسالك العصبية النشيطة و الخاصة بهذا السجل التذكري هو الذي يجسد المعلومات الخاصة بالذاكرة القصيرة المدى وهي معلومات كهروفيزيولوجية محصنة . كما تبين هذه المعطيات التجريبية الواضحة أن ميكانيزمات مرور الدفعات الكهروبائية من خلية عصبية إلى أخرى لا يمكن تصورها دفعات لها نشاط مستديم .بالفعل ، يتميز جهد العمل بنشاط جد محدود حيث إنه لا يتعدى بعض آلاف أجزاء الثانية . ويفـسر هذا "هشاشة" وسرعة اندثار المعلومات ونسيانه في الذكرة قصيرة المدى . لقد أجريـت التجارب كثيرة في علم النفس التجريبي وعلوم الأعصاب على الإنسان و الحيوان لدراسـة هذه الظاهرة . فمثلا ، إذا قدمنا لمتعلم ما معلومات لكي يحفظها ، مباشرة بعد ذلك طلبنا منه القيام بعمليات حسابية كالضرب أو الجمع أو أي عملية لا تترك له الفرصة لتكرار المعلومات المقدمة للحفظ أو قمنا بإعطائه ومباشرة بعد تقديم المعلومات صعقة كروبائية وطلبنا منه أن يسترجع المعلومات الأولى، يلاحظ أن المبحوث لا يستطيع تذكر العلومات التي كان عليه استرجاعها . بالفعل ، نجد أن المبحوث يفاجأ بالنسيان السريع للمعلومات التي قدمت له للحفظ . كما يلاحظ من خلال ملامح وجهه وحركاته التعبير عن القيام بمحاولات لايجاد المعلومات المقدمة . وقد تطول مطاردة المعلومات لمدة تستغرق بضع ثواني . وفي الأخير يصرح المبحوث أنه يعرف ماهي المعومات المطلوبة ولكنه يعجز عن تذكرها.
         ولقد أجريت تجارب مماثلة على الحيوان . حيث تم وضع فأر أو قردة في متاهة سهلة أو معقدة وتم تمكينه من معالجة جد محدودة كالاتجاه نحو ضوء أزرق ليجد قطعة جبن أو أكلة مفضلة لديه ، ومباشرة بعد ذلك يفاجأ بصعقة كهربائية ثم يوضع في نفس الحالة التجريبية ، فالفأر أو القردة لا يتمكن من تذكر السبيل الذي يؤدي إلى قطعة الجبن أو الموز مقارنة مقارنة مع الحيوان الضابط للتجربة ، أي الحيوان الذي لم يخضع للصعقة الكهربائية .
         تتلائم هذه المعطيات التجريبية مع المعطيات الكهروفيزيولوجية المسجلة بالمسـالك العصبية النشيطة و المزامنة لعملية معالجة المعلومات بالذاكرة قصيرة المدى . وهكذا تم افتراض أن الذاكرة قصيرة المدى خاضعة لميكانزمات و آليات تقتصر على النشـاط الكهروفيزيولوجي .

4 الذاكرة طويلة المدى :

         أما بالنسبة للذاكرة الطويلة المدى ، فهي تبدو نتاج ميكانزمات و أليات فيزيوكيميائية مختلفة حيث أن مجموعات من الخلايا العصبية التي تشكل مسالكا أو أنساقا ، تتميز بارتباطات جديدة مزامنة للمعلومات المعالجة و الذكريات المتولدة عنها . و الشيء الذي يظهر هو أن الذاكرة طويلة المدى تستلزم آليات و ميكانزمات كهروفيزيولوجية و عصبكيميائية متعددة ومعقدة تمكن من ترسيخ واسترجاع المعلومات لمدة تفوق الدقيقة إلى سنوات أو عقود متعددة . و الميكانيزمات الكهروـ فيزيوـ كيمياءـ عصبية تشكل عمليات معقدة لكل منها دور جوهري في ترسيخ المعلومات بالمسالك الموظفة وتذكرها و استغلالها في السياق الملائم .
         هذا ، وقد أظهرت تجارب أجريت على الفئران و الأرانب وحلزون البحر مثلا ، أنه بعد كل عملية تعلم أو معالجة معلومات توظف مسالك عصبية وتتشكل بها ارتباطات جديدة بين عدد من الخلايا العصبية المكونة لهذه المسالك . غير أنه لوحظ إذا لم تكرر أو تعزز المعلومات أو لم تحدث إتارة هذه المسالك بعد وقت معين ، فإن الارتباطات المشكلة تندثر وتختفي . و ما يمكن استخلاصه من هذه التجارب هو :

     أولا : تأكيد ما قدمناه بالنسبة لذاكرة قصيرة المدى .

     ثانيا : يظهرأن التكرار عملية أساسية للتعلم و ترسيخ المعلومات وتخزينها بالذاكرة . لكن لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن عملية التكرار هي عملية ديناميكية و وظيفية وليس كما اعتبرها "تورندايك" في الأربعنيات من القرن العشرين أن ليس لها دور . لكن المعطيات التجريبية تبين عكس ما افترضه "تورندايك" و بالفعل قد بينت كثير من التجارب الحديثة التي أجريت في الميادين التي تهتم بظاهرة الذاكرة و التعلم أن للتكرار دورا أساسيا في عمليات التعلم و الذاكرة . وهذا لا يعني أنه ليس هناك عمليات ووظائف أخرى جوهرية تتدخل في ظاهرة التعلم . فالعمليات تختلف وميكانيزماتها و آلياتها الوظيفية تتدخل في اكتساب المعلومات وفق طرق سيكولوجية متعددة ومواد عصب ناقلة وعصب مستقبلة مختلفة . مثلا : ترتيب المعلومات ، إدماجها وفهمها ولكل من هذه العلمليات مميزات عصبحيوية خاصة ...
         إذن ، لا يمكن إنكار أن للتكرار دورا أساسيا في التعليم ، حيث إنه كلما كرر المتعلم معالجة قطعة شعرية مثلا ، فإنه يعزز بذلك ارتباطات بين عدد من الخلايا العصبية التي تشكل بدورها أنساقا أو أنظمة شبه مستقلة تظل نشيطة لمدة زمنية طويلة . فقد يعمل مرور المعلومات للوهلة الأولى على تنظيم المشابك و المسالك و الأنساق الخاصة بالمعلومات الشعرية المعلجة من طرف المتعلمين ، أما بالنسبة للمعلم فإن ما يقوم به يقتصر على إعادة تنشيط المشابك و المسالك و الأنساق الحديثة التشكيل عند المتعلم أكثر سرعة ومرونة مقارنة مع المعلجة الأولى . هكذا ، وبعد كل معالجة للمعلومات الشعرية ، فإن المشابك و المسالك و الأنساق تنشط بكيفية شبه آلية ، مما يجعل التذكر أكثر سلاسة وسرعة ودقة . و لابد من الإشارة هنا إلى أنه كلما عمد فقيه أو عالم أو مدرس مثلا إلى إثبات شيء أو تبريره وتفسيره وتأويله ، فإنه يلجأ إلى سرد سورة أو حيث أو مقولة أو أنه يذكر بتعريف المصطلحات و القواعد و المبادئ المؤسسة للمعلومات التي عالجها ويعالجها . وتقوم عملية اللجوء إلى هذه الوظائف العليا على إثارة معلومات اختزنت منذ مدة طويلة أو قصيرة ولحقب عديدة في ذاكرة الفقيه و العالم و المدرس . وهي ناتجة عن إعادة تنشيط مسالك و أنساق خلوية تذكرية بنيت وفق آليات وميكانيزمات كهروفيزيولوجية وعصبكيميائية تمكن من ترسيخ إعلامي "‎ Informationnel "قد يستمر لعدة عقود.تمكن هذه المعطيات من تفسير ثبات عدد مهم من الذكريات التي تظل راسخة بأذهان الراشدين حتى سن متقدم من شيخوختهم . معنى ذلك أن ما يقوم به المتعلم أو أي فرد يتذكر إنما هو إعادة تنشيط الارتباطات الخاصة بالمسالك و الأنساق العصبية المبنية أثناء آليات حفظ القرآن أو الحديث أو صيغة شاملة مفادها أن الفقيه أو العالم أو المدرس يشكلون أشخاصا في حالة تعلم مستديمة ولو أنهم يقومون بتعليم الآخرين . في الواقع ، يمكن اعتبار عملية التدريس عملية تعليم مستديمة ، و يتلاءم هذا مع التعريف العصبي لظاهرة التعلم . ولهذا لا يمكن أن نستغرب أنه كلما عمد مدرس إلى تكرار بعض المعلومات ، فهذا لا يعني أنه أصبح عاجزا عن إيجاد معلومات حديثة أو جديدة ، بل إنه يدرك ، في الكثير من الأحيان ، تمام الإدراك أن تدريس الاشياء يمكمن في تكرارها ، وبهذا يمكننا اقتراح افتراض مفاده أن عملية التكرار هي جوهر التدريس . ويحصل هذا في جل ميادين المعرفة . وليس بغريب أن نعتبر لأن الذاكرة ترتاح لهذا . ولتبرير ذلك لا بد من الإشارة إلى أن الغبطة التي يشعر بها الآباء كلما تمكن طفل لهم من سرد معلومات حفظها عن طريق تكرار لسورة من القرآن الكريم أو أبيات شعرية معينة ... وتؤدي بنا هذه المعطيات إلى طرح السؤال التالي : أين توجد وترسخ المعلومات و آثار التذكر و الذكريات بدماغنا ؟
         تستلزم الإجابة عن هذا السؤال اللجوء إلى المعطيات العصبحيوية النظرية و التجريبية التي تم التوصل إليها . بكيفية عامة ، تبين الدراسات التي أجريت على الجهاز العصبي المركزي عند الانسان و الحيوان أن الذاكرة تتموقع بعدد من جهات ونوى الدماغ . ويمكن انقاء المعطيات الأساسية من الأعمال التشريحية للدماغ حيث مكنت هذه الأعمال من بلورة معطيات تشخيصية عند بعض المرضى الذين يعانون من أعراض تختلف في النوع و الحدة . مثلا ، هناك من يعاني من أعراض خاصة بالذكرة قصيرة الأمد أو من أعراض تهم الذاكرة طويلة الأمد . وقد تشمل الاضطرابات معلومات جزئية أو شاملة أو تكون مركزة بسجل تذكاري معين أو بفترة زمنية محددة . كما أضهرت الدراسات التشريحية أن الأعراض ترتبط بمناطق قشرية أو نوى دماغية ، و أن لهذه المناطق أو النوى دورا إما أساسي أو ثانوي بالنسبة للوظيفة التذكارية المعنية بالاضطرابات . وفي ما يلي سنحاول دراسة بعض الباحات و النوى الدماغي التي لها دور في التذكر و الذاكرة .


Partager cet article

Commenter cet article