Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

لخريطة بين التطور التاريخي والتوظيف الديداكتيكي

14 Juin 2013 , Rédigé par mohamedمحمد

الخريطة بين التَّطوُّر التَّاريخي والتوظيف الدِّيداكتيكي

مدخل لا بدَّ منه:

منذُ أقدمِ العُصور تَزايدَ الاهتمامُ بـ"المعرفة الجُغرافيَّة" عن شكل الأرض والكون، ومِمَّا ساعد على بَلوَرة ذلك الاهتمامِ التَّوسعُ في الرَّحلاتِ؛ فقد قام المِصريُّونَ في العصور القديمة برحلاتٍ بَريةٍ وبَحريةٍ، كما كان لسُكَّان بلاد الرَّافدينِ، وبلاد الشَّام، وجَزيرة العَرب، وشِبه الجزيرة الأيبيريَّة "التي تزعَّمت حركةَ الاكتشافات الجُغرافيَّة" - رَحلاتٌ كثيرةٌ، كلُّها ساعدتْ على نُمو المعرفة الجُغرافيَّة.

لهذا سَعى الإنسانُ منذُ ظهورِه على وجه البسيطةِ - بكلِّ ما أُوتيَ مِن عِلمٍ وبصيرةٍ وحِسٍّ جُغرافي - إلى تحديد مَعالِمِ المَنطقة الجُغرافيَّة التي يَستوطنُها، بدءًا مِنَ الوسائل البِدائيَّة - مِن نَقشٍ على الأحجار، وأَوراقِ البَردي ... - إلى الأدوات التِّكنُولوجِيَّة الحديثة، التي اختزلتِ الأبعادَ الجغرافيَّة للعالَم، وقزَّمته إلى قريَّةٍ كونيَّةٍ global village، في إطار ما يُسمَّى بالخرائط الأوتوماتيكيَّة ذاتِ الأبعاد الثُّلاثيَّة، أو عَبرَ خِدمَتَي: "جوجل إيرث"Earth Google، و"الأرض الافتراضيَّة (VirtualEarth)، التي تقومُ بعملية مَسحٍ جُغرافيٍّ لمُختلَف مناطقِ العالَم بالاعتماد على ما يُسمَّىبـ"نظام تحديد الموقع الجُغرافيِّ" (Global Positioning System) ويُختصَر في الأحرف التالية GPS..)، أو نظام المعلومات الجغرافيَّة، أو نظام تحديد الأماكن عَبرَ الأقمار الاصطِناعيَّة.

فالخريطةُ كانت - وما تزال - الأداةَ الأساسيَّةَ في تناول الدَّرس التاريخيِّ - الجغرافيِّ، ووسيلةً مُهمِّةً للتعاطي مع المشهد الجغرافيِّ وأبعاده المُتعدِّدة، إذا أُحسِن استغلالُها، وكان استغلالاً فعَّالاً، إلى درجة أنَّ الفيلسوف الفَرنسيَّ (كوزان) ضَخَّم من أهمية الخريطة كوسيلةٍ "للكَهانة"؛ بل وسيلةٍ تصويريَّةٍ وحَتميَّةٍ لمعرفة عاداتِ وسُلوكيات مجتمعِ مَنطِقة جُغرافيَّة مُعيَّنة؛ بل بالَغَ في معرفة الدَّوْر السَّلبيِّ أوِ الإِيجابيِّ الذي يُمكن أنْ يلعبَه ذلك المجتمعُ على مستوى التَّنميَّة بقوله : "أَعطوني خَريطةَ بلدٍ ما وأنا أتعهَّد بأنْ أَدلَّكم مُقدَّمًا على إنسانِ هذا البلدِ كيفَ سيكونُ، وأيَّ دَورٍ سيلعبُه في التَّاريخ"، وهذا التعبير خيرُ مِثالٍ على الفكر الحتميِّ الَّذي تزعَّمه الجُغرافيُّ راتزل Ratzel 1882، وزَكَّى هذا الطرحَ في هذا العصرِ؛ ولكنْ لتبرير عُقدةِ تَخلُّفِ بُلدان الجنوب، مُستخدِمًا "الخريطة المناخية" لوران هاريسن في كتابه "من يزدهر" بقوله: "إنَّ أغلبَ سُكَّان المناطق الحارَّة تَقِلُّ لديهم قيمةُ حبِّ العمل، ويَسود الكَسلُ؛ نَتيجةَ رَغبةِ الأفراد في الهُروب مِنَ الشَّمس الحارقة؛ سَعيًا للاسترخاءِ في المناطق الظَّليلة، وهو دافعٌ بَيولُوجيٌّ يُساهم المناخُ فيه، ويؤدي إلى اتساعِ الشُّعَيرات الدَّموية للأفراد، ويَجعلُهم عُرضةً للإجهادِ والإرهاق؛ نَتيجةَ أَقلِّ مجهودٍ يَبذُلونَه؛ وهو ما يَتحوَّلُ تَدريجيًّا إلى ثَقافةٍ اجتماعيَّةٍ تُفضِّل العملَ في المكاتب المُكيَّفة - مثلاً - على العمل اليَدويِّ في العَراء".

ولأهمية الخريطة في الحياة اليومية ذَهب أمين هُويدي إلى أنَّ الخرائط تَكتُب وتَرسُم أيضًا - قولٌ غريبٌ بحقٍّ! - بل وتَتَكلَّم أيضًا! وهذا شيءٌ أَغربُ! وكأنَّنا نُجازِف ونقول: إنَّها كائنٌ حيٌّ، ومِن رَأيي أنَّها هكذا تقريبًا.

الخَرائط تتغيَّر وتتبدَّل بمرور الزَّمنِ؛ فأحيانًا يُضاف إليها دولٌ لم تكن موجودةً مِن قَبلُ، وأحيانًا أخرى تَختفي منها دولٌ كانت موجودةً مِن زمانٍ، وأحيانًا تنقسم الدَّولةُ إلى دولتَينِ وأكثرَ، إذنْ تَحركاتٌ كثيرةٌ تَجري على سَطحِها؛ بَعضُها يُخلِّف وراءَه بُحورًا مِنَ الدِّماء، والبعضُ الآخَرُ يُخلِّف وراءَه سَكينةً وهدوءًا، وعلى هذا يُخطئ مَن يَتكلَّم أو يُقرِّر دونَ أنْ يَقرأَ ما عليها مِن كلماتٍ، أو لا يَستمع إلى ما تَبوحُ به مِن هَمساتٍ وزَفراتٍ وآهاتٍ، الحديثُ في هذه الحالة يكون مُنقطعًا عنِ الواقع، ويُصبحُ كالطَّلْقاتِ الطائشةِ؛ تُفرقِع في الهواء دونَ أن تُصيبَ هَدفًا، أو تتركَ أثرًا؛ مُجرَّد لَغوٍ يعني!

مِن هنا تَعاظمتْ أهميَّة الخريطة في الوقت الحاضر كثيرًا، وازدادتْ حاجةُ الدُّول الحديثة إلي الخرائط الدقيقةِ لأغراضِ الحرب والسِّلْم، وهذا يدفعُنا إلى طَرحِ سُؤالٍ دقيقِ المَبنى والمَعنى: أين يَتجلَّى دَورُ الخريطة المَدرَسيَّة في مُختلَفِ المُستوياتِ التَّعليميَّة في بناء أجيالٍ تتفاعل مع الأحداث السابقة (التاريخيَّة)، واللاَّحقة (الجغرافيَّة)؟ ثم كيف يُمكن تطويرُ المهاراتِ الخَرَطيَّة لِتجدَ دَورَها الفاعلَ والفعَّال في المحيط السوسيو - اقتصادي المحلي والدَّولي؟!

إنَّ معالجةَ هذه الإشكالاتِ العُظمَى يتطلَّب تَضافُرَ مَجهوداتٍ فَوقيَّة وتحتيَّة؛ ولكنْ مِن جانبِنا سنُحاول طَرْقَ هذا الموضوع مِن زاويةٍ استعراضيَّةٍ بانوراميَّةٍ، بطبيعةِ الحال لن تُحيطَ بكلِّ شاردةٍ وواردةٍ؛ وسعيًا مِنَّا إلى الأخذ بالمنهج العِلميِّ في البحث والدِّراسة، سنقف عند الجِهاز المَفْهُوميِّ المُحيط بالموضوع:

1 - تعريف الخريطة:

تعدَّدت تعاريفُ الخريطة إلى حدِّ التُّخمة مِن قِبَلِ أهل التَّخصُّص، أو مِن طرف مجالاتٍ عِلميَّة أخرى؛ لذا نسمع الخريطة الجينيَّة، والخريطة الثقافيَّة، والخريطة العلميَّة، والخريطة الذهنية، والخريطة المدرسيَّة.

لكنَّ الخريطةَ تبقى - في مفهومها الأساسِ الخاصِّ - ذلك التَّمثيل الهندسيُّ لكامل الكُرة الأرضيَّة، أو لجزء منها، بِحَسْبِ مِقياسٍ مضبوطٍ يُحدِّد حجمَ الخريطة، بالمُقارنةِ مع حجمِ المجال الحقيقيِّ الذي تقوم بتمثيله، ويكون دَورُها اختزالَ ذلك المجال في مجموعةٍ مِنَ المُعطياتِ الدَّالَّةِ، بحيثُ يظهر مُكثَّـفًا عندما يَتـمُّ عرضُه فوقَ الخريطة، فتَسهُل على العَين ملاحظتُه، وهنا تظهر جَدوى وفاعليَّةُ الخريطة، ولكن أيضًا محدوديتُها، فمهما كانت دِقَّةُ الخريطة عاليةً، ومهما كان كِبَرُ حجم مقياسها؛ إلاَّ أنَّها لا تستطيع عكسَ الواقع في تفاصيله؛ لكنَّها في آخِرِ المَطاف تَبقى وسيلةً جيَّدةً جدًّا لتجميع معطيات مُتوقعَة في المجال، وعرضها في لَوحةٍ واحدةٍ تأليفيَّةٍ، بحيثُ يُختصَر وقـتُ وجُهدُ مطالعتِها مَكتوبةً.

الخريطة هي في الأصل عَملٌ تِقْنيٌّ يقوم به مُختصُّون في عِلم الطُّوبوغرافيا، إذ هُم وحدَهم الَّذين يستطيعون ضبطَ حُدود المجال ومُكوناتِه الطَّبيعيَّةِ؛ سواءٌ كان ذلك عن طريقِ المُشاهدةِ العيانيَّةِ والاستعانةِ بالأجهـزة الأرضيَّةِ، أو عن طريق الاستعانة بالصُّور الجَويَّة المُلتـقَـطة بواسطـة الطائراتِ، أو بواسطة الأقمار الصناعيَّة، ويقومون بتجسيدِ كلِّ ذلك، حسبَ مِقياسٍ مضبوطٍ، فوقَ وثيقةٍ وَرَقيَّةٍ لاحقًا، يمكن للجغرافيِّ أو لغيره أنْ يَستغـلَّ تلك الخرائطَ الخامَ أو شِبهَ الخامِ؛ لِيُركِّبَ فوقَها معطياتٍ، هي في الأصل مُعطياتٌ مكتوبةٌ ناتجةٌ بِدَورها عن مشاهداتٍ عيانيَّةٍ، أو أنَّ مصادِرَها هي الاستقصاءاتُ أو التَّعداداتُ الإحصائيَّةُ، أو تقاريرُ الإداراتِ المختصَّة، أو تفاصيلُ المعاهداتِ.

صِياغة الخريطة إذنْ هي عملٌ تِقنيٌّ، وفي نفس الوقت عملٌ تحريريٌّ يظهر في اختيار نوعيةِ المُعطياتِ المعروضة، وفي كيفيَّة تنظيم المِفتاح، وباعتبارِ أنَّها كذلك فَمِن الممكن للدَّارس أنْ يستعيدَ تلك المعطياتِ المُجسَّدةَ خَرَطيًّا بتحويلها إلى مَعلوماتٍ مُصاغةٍ تحريريًّا، وعندها تتحول الخريطةُ التاريخيَّة أو الخريطةُ الجغرافيَّة إلى وثيقةٍ تُدرَس مِثلَما يُدرس النصُّ، أو الجدولُ الإحصائيُّ، أو الرسمُ البيانيُّ، أو الرسمُ الكاريكاتوريُّ، أو الصورة الفوتوغرافيَّةُ

لكنَّ السؤالَ المطروحَ: هل هناك فرقٌ بين الخريطةِ التاريخيَّةِ والخريطة الجغرافيَّة؟

أ- الخريطة التاريخيَّة: عِبارةٌ عن تمثيلٍ لسطحِ الكُرة الأرضيَّة شِبه الكروي أو لجزءٍ منه على سطحٍ مُسْتَوٍ، كاللَّوحة أو سطحِ الورق، ويشمل هذا التمثيلُ توضيحَ الأحداث التاريخيَّةِ الهامَّةِ على المَسرح الجُغرافيِّ؛ كالمعاركِ والحَضاراتِ والطُّرق التِّجارية ومساكنِ القبائلِ، مع الاحتفاظ بالمُسمَّيات التاريخيَّةِ القديمة التي عُرِفَت في المعاجم الجُغرافيَّة القديمة؛ لتمييز الخريطة تاريخيًّا، وتُرسَم هذه الخريطة بأبعادٍ تَتناسبُ مع أبعادها الحقيقية على الأرض بِنِسبةٍ ثابتةٍ وهي ما تعرف بمقياس الرَّسم.

فهي تُساعدُ على تحديدِ المكان الَّذي وقع فيه الحدثُ التاريخيُّ، وتحديدِ الظروف الجغرافيَّة المُتحكِّمة فيه، ورَفْعِ الحُجبِ عنِ العَلاقاتِ المُترابطةِ بين المُحيط الجغرافيِّ والتَّطورِ الاجتماعيِّ؛ لذا فهي تُساعد الذِّهنَ البَشريَّ (المُتعلِّم) على تَخيُّل الإيقاع التاريخيِّ، وتقريبِ الظاهرةِ المُدروسَةِ منه، فالخريطة هي تمثيلٌ وتشخيصٌ للتَّحرُّكاتِ الدِّيناميكيَّة للإنسان عَبرَ الزَّمانِ والمكانِ، وتُساعد المتعلِّمَ على رَبطِ التَّاريخ بالأرض، وتسمح برؤية التاريخ مُسجَّلاً في المَيدان

يجب أن يُنظرَ إلى الخرائط التاريخيَّة كمُعطياتٍ ومُعيناتٍ جديدةٍ في الوسائل التعليميَّةِ، إلاَّ أنَّنا نجد أعداد الخرائط التاريخيَّة ليس بالأمرِ السَّهلِ البسيطِ كما يبدو لأول وَهْلةٍ؛ بل إنَّه يحتاج إلى الدِّقة العِلميَّة إلى جانبِ الدِّقة الفنيَّة، ويمكن لواضعِ الخريطةِ التاريخيَّة أنْ يَسلُكَ الطَّريقَالتَّالي:

1- الدِّقةُ العِلميَّة:

تَتشابَكُ المعلوماتُ التاريخيَّةُ لكثرةِ المصادر؛ لذا على واضعِ الخريطة التاريخيَّة أنْ يَتوقَّفَ بُرهةً مِنَ الزَّمن لِيَتسنَّى له النظرُ فيما تَتجمَّع لَديهِ مِن معلوماتٍ، والتَّأكُّدِ مِن دِقَّتِها العِلمية قبلَ تثبيتها على الخريطة؛ لذا على واضع الخريطة التاريخيَّة أنْ يقومَ بالتدقيقِ في كلِّ ما جَمَعه من المصادرِ، والأخذِ بالحقائق المُتَّفق عليها الَّتي يكون عليها إجماعٌ في المصادر، كما عليه أنْ يُثبِت الوقائعَ التاريخيَّة الَّتي تقترب مِنَ المَنطقِ والواقعِ، على نظرية العلاَّمة ابنُ خُلدون بالاعتماد على العَقل عند قبول الكِتابة في التَّأريخ، وبهذا تكون الخريطةُ التاريخيَّة دقيقةً.

2- أمَّا الدِّقة الفنيةُ، فإنَّهاهي الأخرى مُهمِّةٌ في إعدادِ وتصميم الخريطة التاريخيَّة، فإعطاءِ الألوانِ الجذَّابةِ المُنسجِمةتُشوِّقُ القارئَ إلى التَّتبُّع والإِمعانِ في القراءة، كما أنَّنا يجب ألاَّ نترك مجالاً لاختلاطالألوان المُستخدَمة بصورةٍ عَشوائيةٍ، وغيرِ مُبسَّطةٍ، وغيرِ منظمة؛ لأنَّها قد تُسبِّب في تداخُلالفتراتِ التاريخيَّة، وضياعِ أهدافِ توضيحِ مادَّةِ التَّاريخ؛ ما يُؤدي إلى تشويش المادَّةالتاريخيَّة نفسِها.

كما أنَّ الخريطة يجب أن تكونَ مُبسَّطةً لا تَتزاحمُ بها الأسماءُ ممايُربك التِّلميذَ، فتبتعدُ عن كونِها وسيلةً للتشويق، وتأتي بنتائجَ عَكسيَّةٍ، كما أنَّ مِن الأصول أنْتُكتبَ الخريطةُ بخطٍّ واضحٍ وبحجمٍ كبيرٍ.

ولا ننسى الاستعانةَ بالشروط التي يجب أنْتَتوفَّرَ عند رسم وإعدادِ الخرائط الجُغرافيَّة، خاصَّةً في النقاط التالية:

1- ذِكرِ وتثبيتِخُطوطِ الطُّولِ والعَرضِ؛ فهي مُهمَّةٌ لِتَعيينِ حُدودِ الدُّول القديمةِ، وتثبيتِ مواقعها، كما أن بواسطتِهايُمكن تثبيتُ مناطقِ تَواجدِ القَبائلِ، وطُرق المُواصلاتِ، ومَسيراتِ الجُيوشِ في الحُروبِالتاريخيَّة.


2-مقياسِ الرَّسمِ: مِنَ الضَّروريِّ أنْ يَتوفَّرَ مِقياسُ الرَّسمِ بالنسبةِ لأَيَّةِ خَريطةٍتاريخيَّة؛ لأهمِّيتِه لمعرفةِ المساحاتِ التي تَشغَلُها الدُّول في التاريخ.


3- الاتِّجاهِالجغرافيِّ: فإنَّه مِنَ العناصرِ المُكمِّلةِ لإعدادِ الخريطة التاريخيَّة.


4- مِفتاحِالخريطة: فهو ضروريٌّ جدًّا لمعرفة مَعالِمِ الخريطة، كما أنَّ استخدامَ الأسهُمِ المُختلفةِمهمٌّ جدًّا، ولا يَقِلُّ عن أهميتها ذِكرُ المناطق الحديثةِ إلى جانبِ المناطق والمُدنِ القديمةِ؛ للمُقارنةِ بين الحاضرِ والماضي، وبين القديمِ والحديثِ.

ب- الخريطة الجُغرافيَّة: يمكن اعتبارُها أداةَ الجُغرافيِّ في توزيع الظاهرات الجُغرافيَّة - طَبيعيَّةً كانت أمْ بَشريَّةً - وربطِها وتفسيرِها وإدراكِ ما بينها مِن عَلاقاتٍ؛ ولذلك فالخريطة تُعبِّر عن مفاهيمَ وتصوراتٍ عقليةٍ؛ مَثلُها في ذلكَ مَثلُ اللُّغةِ المكتوبةِ، وهذا يَعني أنَّها تُمثِّل لُغةً خاصَّةً بالجغرافيِّينَ، يستطيعون مِن خِلالها تناولَ حقائقِ عِلمِ الجُغرافيا؛ ولذلك فالجُغرافيا قِراءةُ الخريطة قَبلَ أن تكونَ قِراءةَ سُطورٍ في كُتبٍ ومَراجعَ، وتتضح أهميةُ الخريطة في تعليم الجُغرافيا وتدريسها في أنَّ الخريطةَ تُعبِّر عنِ الظواهرِ الجغرافيَّةِ التي لا يَستطيعُ التِّلميذُ مشاهدتَها بصورةٍ مُباشِرةٍ، كما لو كانت بين يديه؛ ونظرًا لبعدِ الظاهرة بِكِيانِها أو بِكِبَرِ حجمِها فيُستعاض عنها بالخريطة، التي يمكن حملُها داخلَ الفصلِ الدراسيِّ.

إذنْ؛ تُعتَبرالخريطةُ أداةً أَساسيَّةً ومُمَيَّزةً للجُغرافيِّ:
• تُظهر التَّوزيعاتِ المكانيَّةَ الإقليميَّةَ.

• تُساعد فيتمثيل الظواهرِ الطبيعيَّةِ والبَشريَّةِ.


• تُقارنُ بينَ الأقاليم الطبيعيَّةِ والأقاليمِ البَشريَّةِ مِن كافَّةِالمجالاتِ.

ونظرًا لِمَا تَتميَّز به المعلوماتُ الجغرافيَّة مِن تَزاحُمٍ شديدٍ حولَ موقعٍ على سطحِ الأرض، فقد دعت الحاجةُ إلى تَعدُّد وتَنوُّع الخرائط الجغرافيَّة؛ حيثُ لا تستوعب الخريطةُ الواحدةُ تمثيلَ العديدِ مِنَ الظواهر، والتي تَشتمِلُ على كثيرٍ مِنَ المعلوماتِ المُعقَّدةِ، وإذا تَمَّ فِعلُ ذلك لأصبحت الخريطةُ طلاسمَ مُعقَّدةً مِنَ الخُطوط والرُّموزِ والألوان؛ لذلك كان لا بدَّ مِن تقسيم الخرائطِ إلى أنواعٍ متعددةٍ تفي بأغراضٍ مُحدَّدةٍ وأهداف معينة؛ مراعاةً لمجموعةٍ منَ القواعد الأساسيةِ - كما هي مُبَيَّنةٌ في الجدول التالي -:

قواعد أساسيَّة في التَّعبير الكارتُوغرافيِّ للخريطة الجُغرافيَّة

الإخبار

وحدة الرَّمز

التَّناسُبيَّة

الواقعيَّة

البساطة

الوُضوح

لكلِّ رمزٍ في الخريطة ترجمةٌ في المِفتاح

رمز=علامة

استعمالُ رمزٍ واحدٍ لتمثيل نفس المعلومة

تكثيف أو تخفيف الرَّمز حَسْبَ أهمية الظَّاهرة

الالتزام بالرموز المُصطَلَح عليها في التعبير الكارتوغرافي (مثلاً الأزرق للمجاري المائية)

- تبسيط الرُّموز

- عدم تداخُل الرُّموز

- تَجنُّب التعبير اللفظيِّ

- تَفادي الرُّموز التَّصويريَّة

تجنُّب الحَشوِ فكلَّما زاد عددُ الظواهر الممثلَّة (المعلومة)كلَّما زادت صعوبةُ قراءةِ الخريطة.

المصدر: "الخريطة في درس الجغرافيَّة؛ خُطُوات منهجيَّة لتوظيف الخريطة، من إنجاز لمريني الوهَّابي أمينة وآخرين - أكاديميَّة الرباط - منسقية الاجتماعيات الرباط - يناير 1998، : ص4

2- الخريطة أداةُ عملٍ غَطَّتِ الفكرَ التاريخيَّ:

تَولَّد لدى الإنسانِ في الماضي نَوعٌ مِن الحسِّ الجغرافيِّ الذي تمخَّض عنه تمثيلُ هذه الظواهرِ الجغرافيَّة على وسائله البِدائيَّة آنذاكَ؛ كالنَّحتِ والنَّقشِ في الجِبال، أو الرسم على جُدرانِ الكُهوف، أو رسم بعضِ المعالَمِ الخاصَّةِ بالطُّرق والاتِّجاهاتِ والمسافات بينَ تلكَ المعالَمِ؛ كي يهتديَ بِها في رَحلاتِه وانتقالِه بَرًّا وبَحرًا، فكانت الخريطةُ؛ والتي ارتبطتْ بتاريخ الإنسان على هذه الأرض.

• فالبَابِليُّونُ ومصرُ الفِرْعَونيَّةُ: رسموا خرائطَهم على ألواحِ الطِّين في الألف الثالث قبلَ الميلاد بَعدَما اخترعوا الكِتابةَ المِسماريَّةَ، ثم توالتِ التَّطوراتُ المَهاريَّةُ لرسمِ الخرائطِ في العهدَينِ الإغريقيِّ والرُّومانيِّ.

• تأثَّر الإغريقُ (اليونان) والرُّومانُ بخرائطِ بلادِ ما بَينَ النَّهرَينِ كثيرًا، فصاروا يَرسُمون العالَمَ على شكل قُرصٍ دائريِّ الشَّكل، تُحيطُ به البحارُ مِن كُلِّ صَوْبٍ، ومِن أبرزِهمهيكاتيوس وهيرودوت، وقد كتب هيرودوت Herodotus وصفًا للمناطق التي زارها في كلٍّ مِن إفريقيا وآسيا وأوربا، وقد اهتمَّ بوصف نهرِ الدانوب ونهر النِّيل، واعتقد أنَّ الأرضَ مِنَ الشَّرق إلى الغَرب أكثرُ مِن طُولها مِنَ الشَّمال إلى الجَنوب، وأنَّ الأرضَ تُشبه صَدَفةٍ تَسبَحُ في مياه مُحيطٍ كبيرٍ، وأنَّ السَّماء تغطي هذه الصَّدفةَ (الشكل).

خريطة العالم كما رسمها هيرودوت

العهدُ الإسلاميُّ في بداياته المميزة فيالجغرافيَّة الخَرَطيَّة: استخدم الجُغرافيُّون المسلمون مُصطلحاتِ: الصُّورة، الرَّسم، لوح الرَّسم، لوح التَّرسيم؛ للدَّلالَة على الخارطة، وقدِ اقترنتِ المؤلفاتُ الجغرافيَّةُ العربيَّةُ منذُ بِدايتِها بالخريطة، غيرَ أنَّ نمطَ الخريطة الذي ارتبط بالمُصنفاتِ الإقليميَّةِ يختلفُ عن ذلك النَّمطِ الذي في بَدءِ ظُهور فَجر الجغرافيَّة العربيَّة، في عهدِ تَأثُّرها بالفِكر العِلميِّ الإغريقيِّ الرُّومانيِّ.

فقد استخدم الجُغرافيُّون المسلمون خطوطَ الطُّول والعَرض؛ لتَعيِين المواقعِ الجغرافيَّةِ للمناطقِ التي يُريدون تحديدَها؛ سواءٌ بالنِّسبةِ إلى القِبلة في مكَّةَ أم أيِّ بقعةٍ أخرى، وقد تَوصَّلوا إلى تحديدِ عرضِ الأماكن عن طريق قياسِ ارتفاعِ النَّجمِ القُطبيِّ أو الشَّمس، وقد كان مِنَ النتائج المباشِرَة لجهودهم في تحديد خُطوطِ العَرض أنْ تَمكَّنوا مِن إنشاء المَزاولِ الشَّمسيَّة لضبط الزَّمنِ.

واستطاع الجغرافيُّون العربُ عن طريق تحديدِهم خُطوطَ الطُّول والعَرض أنْ يَرسُموا خارطةً للأرض في عهد المأمون؛ عُرِفَت باسم "الخريطة المأمونيَّة"، وقد قُسِّمَ العالَمُ فيها إلى سبعة أقاليمَ وَفْقَ خُطوطِ الطُّول ودوائر العَرض، وفيها صُورٌ للأفلاك والنُّجوم والبَرِّ والبَحر والمُدن.

الخريطة المأمونية رسمها الجغرافيون العرب للخليفة المأمون وبينوا عليها الجزء المعمور من الأرض

خريطة العالم لابن حوقل ت بعد 367هـ، 977م.

وقد حاول فَلكِيُّون مسلمون آخرون أن يتَّجهوا نفسَ الاتِّجاه في رسم خرائطَ للأرض، وكانت محاولاتُهم سائرةً في الاتِّجاه الصحيح، لكنَّ الجُغرافيِّين الإقليميِّين نبذوا هذا الاتِّجاهَ، واستحدثوا منهجًا جديدًا في رسم خرائطِ الأرض، وكان على رأسِهم أبو زيدٍ البَلخيُّ، والإصطخريُّ، والمَقدسيُّ، وابن حوقل، فبينما اتَّبعتِ الخرائطُ الفلكيَّةُ الأسلوبَ العلميَّ الرِّياضيَّ بتحديد المواقع عن طريق خُطوطِ الطُّول والعَرض، وبالتَّالي المحافظة على دِقَّة السَّواحل، وحجمِ البُحَيراتِ، والبِحار، ومجاري الأنهار، ومساحة البُلدان، فإنَّ الخرائطَ الإقليميَّةَ ضَرَبتِ بالقواعد الفَلكيَّةِ العِلميَّة الرِّياضيَّةِ عُرْضَ الحائط، واهتمت بتمثيل الحقائق الجغرافيَّة بالمُصوَّراتِ غيرَ عابئةٍ بالدِّقة الجغرافيَّة؛ لذلك جاءتْ تلك المُصوَّراتُ أقربَ ما تكونُ إلى رُسومٍ تخطيطيَّة منها إلى خرائطَ حقيقيَّةٍ.

وقد ظَهرتْ في الجُغرافيا الإقليميةِ مؤلفاتٌ تَحمِل عُنوان "المسالك والممالك"، وكان أوَّلَ مَن صنَّف فيها جعفرُ بنُ أحمدَ الَمروزيُّ [ت 274هـ، 887م]، وابنُ خُرْدَاذَبْه، والسَّرَخْسِيُّ [ت 286هـ، 899م]، والإصطخريُّ، والتاريخيُّ محمدٌ الوَرَّاقُ [ت 363هـ، 973م]، والمُهَلبيُّ [ت 368هـ، 978م]، والبكريُّ [487هـ، 1094م].

ومُعظمُ هذه المؤلفاتِ استَهدفَتْ خِدمةَ أغراضِ الإداريِّينَ والحُكَّامِ والتُّجارِ وعُمَّالِ الدَّواوينِ؛ لِتُبصرَهم بالأمصار الإسلاميةِ والطُّرق إليها.

مرحلةُ الاكتشافات الجُغرافيَّة: ساعدتِ الكُشوفُ الجغرافيَّة الواسعةُ التي تزعمتْها كلٌّ مِن إسبانيا والبرتغال في القرنَينِ الخامسَ عشرَ والسادسَ عشرَ الميلاديَينِ، واختراعُ البُوصلةِ والإسطرلاب والطباعةُ، إِضافةً إلى حركة التَّرجمةِ الواسعة للتُّراثَينِ الإسلاميِّ والإغريقيِّ - على مُضاعفةِ الاهتمامِ بالخرائطِ، ومُحاولة رسمِها بطُرق خالية مِنَ الأخطاءِ؛ لِتفيَ بالغرض الذي صُنِعت مِن أجله، وكان أوَّلُ صناعة للخريطة في هذه المرحلة مع الجغرافيِّ الفلكيِّ الإيطالي طوسكنيللي الذي وَضعَ الخرائطَ البحريَّةَ (البورتلاندPortulans).

واستفاد منها الملاَّحون بشكلٍ كبيرٍ جدًّا ساهم في وصولهم إلى المناطق والأماكنِ المَطلوبَةِ بكلِّ يُسْرٍ ونجاحٍ، ومِن المُلفتِ للنَّظر أنَّ الخرائط في القَرنِ الثامنَ عشرَ الميلاديِّ جَعل مِن فَرنسا رائدةً في هذا المجال، بعد أنْ ظلَّ الإيطاليون رُوَّادًا لها ردْحًا مِن الزَّمن.

الخرائط والثَّورة التكنولوجية الباهرة: مع الطفرة النَّوعيَّة التي شكَّلت شبكةَ (الإنترنت) أحد أُسُسها، التي دَفعتِ بالبعض إلى إطلاقِ مُصطلحِ نِهاية الجُغرافيا، ومع التطور المُتسارع في التِّقنياتِ الحديثة - تَمَّ إنتاج ما يُسمَّى بـ"الخريطة الرَّقمية"، التي أخذت الكثير من الخريطة التماثلية (الورقية)؛ ولكنْ فاقتها في أشياء؛ منها:

•سُهُولةُ تداولها ونقلها عَبرَ الوسائط الحديثة.

•سُهُولةُ اختيار الأبعاد التي نُريدها.

•إمكانيةُ تعديلها دونَ الحاجة إلى مِهنيٍّ يقوم بهذا الأمر.

بل دفعت هذه الخِبرةُ التكنولوجيةُ العاليةُ إلى إعلانِشركة "جوجل"، يوم15 فبراير 2005 في إطار تَوسُّعِها على حساب شركات (الإنترنت)الأخرى، عنِ البَدء في تقديم خِدمة خرائطَ، ويَسمح موقع خرائط "جوجل" للناس بالبحثعن عناوين وقوائمَ بأسماءِ الشَّركات المحليَّةِ، وإذا نقرت على الخريطة (القائمة) يَظهرالعُنوان ورَقمُ الهاتف، بالإضافة إلى رَسمٍ لطريقة الوصول للمكان بالسيارة، وهذه الخِدمة - وهي لا تزالُ في مرحلة التِّجربة - ليست بالكاملة، كما أنَّها مقصورةٌ فقط على الولاياتالمُتحدة.

ووصفت خرائط "جوجل" بأنَّها خِدمةٌ مثيرةٌ، وأنَّ الشركة ستستمِرُّ فيتطويرها وتعزيزها وَفْقًا للتعليقات والرُّدود التي نتلقَّاها، وتضع خرائطَ "جوجل" شركةُ "ماونتين فيو" التي تتخذ مِن كاليفورنيا مقرًّا لها، في مُنافسةٍ مُباشرةٍ مع خدمة "ياهو"وخدمةِ الخرائطِ التي تُقدمها شركة "أميركا أون لاين".

ويُلاحظ أنَّ الخرائطَ أصبحت"ميدانًا أساسًا للمعركة" بين شركات (الإنترنت)الكبرى، فَسُوق الإعلانات المحليَّة على (الإنترنت) بلغت قيمته في الولايات المتحدة وحدَها 700 مليون دولار أميركي في العام الماضي، ويُتَوقَّع - طِبقًا لتقديرات الخُبراءِ - أنْ يقفز إلى 5.1 مليار دولار بِحُلول عام 2009، بعد أنِ انتقلَ المُعلنون من دليل الهاتف والصُّحف إلى(الإنترنت) حَسْبَ قول مجموعة "كيلسي غروب" لأبحاث السُّوق، وتَستخدم خرائطُ "جوجل" معلوماتٍ جُغرافيَّةً مِن شركة "ناف تيك وتيلي أطلس"، وليس كخِدماتِ شركة "كيهول كوربوريشن"، التي تَستخدِم الصُّورالمُلتقطة مِنَ الطائرات والأقمارِ الصناعيةِ؛ لِجَعلِ المُستخدِم قادرًا على تحديدِ أماكنَ معينةٍعلى الخريطة، ولكن رُبَّما تستخدمها في المستقبل (خبر على الإنترنت بعنوان: البحث عن الخرائط في غوغل).

ويُعدُّ عامُ 2005 عامَ"الخرائطالإلكترونية"، حيثُ تم طرحُخِدمة الخرائط الإلكترونية مَدعومةًبصُورِ الأقمارِ الصناعيَّةِ عاليةِ الجودة مِن قِبَل: Google Earth، ومايكروسوفت MSN Virtual Earth، وياهوYahoo Maps،وأمازون Map.a9map، ودجتل غلوبال Digital Global، وهي المرَّة الأولى التي تُتَاح فيها مثلُ هذه الخدمةِ مَجَّانًا للأفراد العاديين بعد أنْكانت مُقتصرةً على وزاراتِ الدِّفاعِ، والخِدمات الماليَّةِ، والتخطيطِ العُمرانيِّ،أتاح طرحُ هذه الخرائطِوالصُّور الجويةِ فَيضًا كبيرًا مِنَ المعلوماتِ، وأَحْدَثَ وسائلَ حديثةً للتَّعاملِ معه؛ حيثُ تَمكَّنالمبرمجون مِن فك شفرة Earth Google، وأخذوا يُضيفون ويُعدِّلون عليه، مما جعل مُزوِّدي هذهالخِدمةِ يُرحِّبون بهذا التَّدخُل ويُشجِّعونه مِن خِلال طرحهم أدوات واجهة المُبرمجينAPI، مِمَّا يجعل المستخدِمين يَستطيعون أنْ يُضيفوا على الخرائطِالكثيرَ مِنَ الإضافاتِ والمعلوماتِ القيمة، ورَبطِ هذه الخرائطِ بالمواقع ذاتِ الصِّلة، مِمَّاجعل هذه الزياداتِ أو المعلوماتِ المُدمجةَ في الخرائطِ أَهمَّ مِنَ الخرائطِ ذاتِها،وحيث إنَّ الخرائط لا تكتملُإلاَّ بالمعلومة الجُغرافيَّة - فسوف يتَوسَّعُ الموضوعُ؛ لِيَشملَ المواقعَ الجُغرافيَّة المرتبطةَبالخرائط المنشورة.

وخُلاصةُ القولِ: في عالَمِنا اليومَ - ومع التَّطور التكنولوجيِّ المُذهلِ الذي جعل مِن العالَمِ قريةً صغيرة - أصبح الاختفاءُ عن الأنظار أمرًا شِبهَ مُستحيلٍ؛ فقد انتشرت أجهزةُ تحديد المواقع الجغرافيَّة GPS، الَّذي يُعتبر النِّظامَ الأساسَ في قياسِ المساحة الجيوديسية؛ (انظر جِهازًا يَستخدم نظامَ تحديد المواقع الجغرافيَّة GPSيسمى باللُّغة الإنجليزية Global Positioning System.)

3 - الخريطةُ وسيلةٌ ديداكتيكية:

هذا العُنصرُ لا يَدَّعي الشموليةَ، فقد توقَّف عندَه أساتذةٌ أَجلاَّءُ، سواءٌ في الخُطُوات المَنهجيَّةِ لتوظيف الخريطة الجغرافيَّة أم الخريطة التاريخيَّة؛ بل سَأُركِّز على بعض الاتِّجاهات والكفاءاتِ الجديرة بالاهتمام.

فالخريطةُ تَحتلُّ في مجال التدريس أهميةً كُبرى؛ خاصةً في تدريس الجُغرافيا، فهي تُعطي رؤيةً واسعةً لمساحات كبيرةٍ وبعيدةٍ، وتُساعد التلاميذَ على فَهْم العديدِ مِنَ العَلاقات التي قد لا يُدركونها، وتُوضِّح لهم الارتفاعاتِ والانخفاضاتِ، وتُثير مُيولَهم نَحوَ موضوعاتِ الدِّراسة، وتُساعدُهم على اكتشاف المعلوماتِ مِن رُموزها، وربطِها بمعلوماتٍ واقعيةٍ.

للخرائطِ مزايا كثيرةٌ؛ فهي تُتيح للمتعلِّم أنْ يُقرِّبَ إلى ذِهنه البعيدَ مِنَ البلاد والشُّعوب، وكثيرًا ما يَتساءلُ التَّلاميذُ عن بُعدِ بلادٍ مِثلِ البيرو أو إيطاليا عنهم، واتِّجاه فَرنسا بالنسبة لدَّولتهم مثلاً؛ لتعدُّد انشغالاتهم اليومية، وأيُّهما أكبرُ: روسيا الاتحاديَّةُ أمِ الوِلاياتُ المُتحدة الأمريكيَّةُ، أم مناطقُ زراعةِ الأُرز وانتشارِ الملاريا، واستفحال خريطةِ الأمراضِ مِن قَبيلِ الإيدز في دُول آسيا وجنوب إفريقيا؟ فتُقدِّم لهم الخرائطُ إجاباتٍ شافيةً، "هنا للإشارة، فتركيزُنا على الخريطة لا يعني هذا التقليلَ مِن دَورِ الوَسائلِ الديدكتيكية الأخرى، فهي أيضًا من الأهميَّة بمكانٍ".

حيث إنَّ الهدفَ المُبتغَى هو يُسرُ قراءةِ الوثائق (الخرائط)، وبأقلِّ تَكْلِفة ذِهنيةٍ ممكنة، فإنَّ فَصاحةَ القراءة رَهينةٌ بجملةٍ مِنَ القواعد التي يَنبغي أن تَتجسدَ في الوثيقةِ الخَرَطية في جوانبَ ثَلاثةٍ: هي الكَثافةُ البيانيَّةُ، والعَزلُ الزَّاوي، ثم العَزلُ الشبكيُّ.

وتقوم الخرائط على رُموزٍ للمكان والاتِّجاه والبُعدِ والارتفاعِ، وعلى ذلك فاستخدامُ الخرائطِ مُتوقِّفٌ على إدراك التلاميذ لهذه الرُّموز، حتَّى يكونَ مِنَ السَّهلِ عليهم تفسيرُ مُحتوياتِ الخريطة ومعانِيها المُتضمَّنةِ.

تُصنَّفُ الخرائطُ حَسبَ مَوضوعاتِها: تاريخيةً، جغرافيةً، وطبيعتِها: موضوعيةً، تركيبيةً، ومصادِرها: جذاريةً، أطاليس، ويَتوقَّف توظيفُها الديداكتيكي على ضوابطَ؛ منها:

• التَّأكُّدُ مِن اكتساب المتعلِّمين لدَلالاتِ العناصر المساعِدة على ملاحظةِ وقراءةِ وتفسيرِ الخريطةِ، (العُنوان، السُّلَّم، الاتِّجاه، المِفتاح ...).

• تَنميةُ القُدراتِ والمَهاراتِ المُستهدَفة مِن توظيفِ الخريطة، (من الخريطة البسيطة - الوحيدة الموضوع - إلى الخريطة المركبة).

• الالتِزامُ بالخُطُوات المنهجيَّة الأساسيَّة بالنسبة لاستخدامِ الخرائط الجاهزة، والمُتمثِّلةِ في مرحلةِ الملاحظة والوَصفِ، ثم مرحلةِ التَّفسير والكَشف عن العَلاقاتِ بينَ الظَّواهر، وأخيرًا مرحلة التَّعميمِ؛ أي: وَضعِ الخُلاصاتِ، واستنتاجِ العَلاقاتِ، وصِياغةِ المَبادئِ.

وتُعتبرُ الخريطةُ وسيلةً مساعدةً على تجسيد المفاهيم المكانيَّة، وتوطِين الأحداثِ في صُورةٍ مُركَّزةٍ، ويَتَطلَّب استِثمارُها ديدكتيكيًّا ما يلي : التَّقديمَ - التَّحليلَ - التَّركيبَ - الحصيلةَ.

على مستوى المادَّة المَعرفيَّة: ينبغي أنْ تُنتقَى الخَرائطُ وَفْقَ معاييرَ دقيقةٍ، كأنْ يُراعَى في الخريطة:

• أنْ تكونَ رُموزُها كافيةً وواضحةً بالنسبة لمداركِ أغلبِ التَّلاميذ.

• أنْ تُسهِّلَ عملَ الأستاذ.

•أنْ تتصفَ بالبساطة وإثارةِ شَوقِ التلاميذ.

• أنْ تَسُدَّ حاجةً ماسَّةً في ذِهن الأستاذ والتَّلاميذ، أو تُجيبَ على مُشكلةٍ تُحيِّر التَّلاميذ.

وتماشيًا مع المُستجدَّاتِ التَّربويّةِ الحَدِيثة التي تُركِّز على المُتعلِّم، ينبغي أنْ تُؤسسَ الخريطةُ على القُطبِ الثُّلاثيِّ الَّذي يُشكِّل قاطرةَ العمليةِ التَّعلِيميَّة التَّعلُّمِيَّة:

المتعلم

الاندماج /التشويق/الإثارة/البحث/وسائل عِلمية

توجيهات / تبادُل الأفكار

طرح الأسئلة

الأستاذ المادة المعرفية (الخرائط نموذجًا)

التَّحضير / الأداة الأساسية في الدَّرس

الجغرافي - التاريخي/واسطة بين الأستاذ والتِّلميذ

على مستوى المُتعلِّم:

•اشتراكُ التلاميذِ أنفسِهم في عمل الخريطة، وفي تَتبُّع محتوياتها مِنَ الأهمية بمكانٍ، ومِمَّا يُحقِّق هذا أنْ يُوزِّعَ الأستاذُ الخرائطَ الصمَّاءَ على التَّلاميذ أو يُعطِيَهم أسئلةً يُجيبون عليها، أو يَعرِضها - تماشيًا مع المُستجدَّاتِ التكنولوجية الحديثة - انطلاقًا مِنَ الحاسوب باستعمال آلة داتاشوو.

• إدراكُ الأفكارِ والبيانات اللاَّزمةِ في الدَّرس.

• تَنمِيةُ النَّظرة الشُّمولية عند المُتعلِّم لإدراك تَرابُط أجزاءِ العالَمِ جُغرافيًّا وحضاريًّا.

• وإِعادةُ تَنظيمِ المعلومات المُستَوحاةِ مِنَ الخريطة بأنواعها المُختلفَةِ مِن خِلال الوَصفِ والتَّحليلِ والنَّقدِ والتَّركيبِ.

• المُقارَبةُ النَّقديَّةُ للظواهر في تَطوُّرِها، والتي تُمكِّن مِن ربط العَلاقةِ بينَ الظواهر البَشريةِ ودِراسة المجالِ الجُغرافيِّ - التَّاريخيِّ، كما تُمكِّن المُتعلِّمَ مِن مَعرفةِ مكانهِ في مُحيطِه الجُغرافيِّ، وَدَورِ الوسط الطبيعيِّ في حياة الإنسان.

على مستوى الأستاذ:

1- تعريفُ الأستاذ بأنواعِ المَهاراتِ التَّطبيقيَّة في المجال الخَرَطيِّ، وطُرق إثارَتِها لَدَى المُتعلِّمين (تكوين مستمر ومُنفتِح على تَخصُّصاتٍ أُخرى....).

2- إكسابُ الأستاذِ مَهارةَ تَنوُّعِ التَّفكير والانفتاحِ والتَّواصلِ المَرِن.

3- مُتابعة الأستاذِ وقِياس مَدَى إثراءِ التَّفكير الخرطيِّ لَدَى المتعلِّم مِن خِلال المُحتوى الدِّراسيِّ.

على مستوى البيئة الصَّفِّية:

• توفيرُ بيئة صَفِّية تعمل على إثراءِ مَهاراتِ الاندماجِ والتَّفكير والتواصُلِ.

• توفيرُ قاعةٍ خاصَّةٍ لتدريس مادة الاجتماعيّاتِ مُتوفِّرةٍ على مُختلَف المُعينات التَّربويَّة.

لا بُدَّ للمُتعلِّم، باعتبارِه مركزَ الثِّقَلِ ومُحورَ العملية التعليميَّة التعلميَّة، ومِن خِلالِ التَّعاطي المُندمجِ مع الخريطة النَّظريةِ والتَّطبيقيَّة - مِنَ التوصُّل إلى مجموعةٍ مِنَ الكفاءاتِ، يُمكن إجمالُها في الجدول التالي:

الكَفاءات المهارية - التَّطبيقيَّة

الكَفاءات الاتصاليَّة والتَّواصليَّة

الكَفاءات المعرفيَّة - الوُجدانيَّة

- الاستعمال العلميُّ والدقيق للخرائط ومُختلف الأشكال التعبيريَّة الأخرى.

- تنظيمُ المُعطيات لاستخراج عَلاقاتٍ في وضعياتٍ جديدة.

- توظيفُ واستغلالُ تكنولوجيا المعلومات:

- يجب تطبيق ما تمَّ التوصُّل إليه مِن منافعِ التَّعليم الإلكتروني مع عدم إغفال الواقع التَّعليميِّ المُعتاد التَّقليديِّ.

- إعطاءُ التعليمِ صِبغةَ العالَمِيَّةِ، والخروجُ مِن الإطارِ المَحلي.

- التَّواصُلُ بمُختلفِ التَّعابير التَّشكيليَّة والرَّمزيَّة والمعلوماتيَّة، والتَّمييزُ بينها والتعامُلُ مع خُصوصيتِها.

- التَّوصُّل إلى مُواطنٍ ماهرٍ ويَتكَيَّف مع مُختلف الوضعياتِ العِلميَّة والثقافيَّة.

- يُنجِز بحثًا ميدانيًّا (الملف) مُعتمِدًا على الخرائط ومُختلَف الأشكال التَّصويريَّة

- التَّواصُل بالأسلوب العِلميِّ.

- الاعتزازُ بالهُوِيَّة الإسلاميَّة (خريطة الفُتوحات الإسلاميَّة، المُقاومة المَغرِبيَّة للاستعمار).

- تَنميةُ الرُّوح الوطنيَّة (التفاعُل مع الخريطة الجُغرافيَّة المغرِبية بمختلَف مواضيعها).

- - الاستِيعابُ الدَّقيقُ للتَّاريخ الوطنيِّ والعالميِّ.

- أن تكونَ مُتدرِّجةً مِن حيثُ مستوى الصُّعوبة .

ـ أنْ لا تُعزِّز أسلوبَ الحفظ المجُرَّد.

1- ربطُ المعلومات والحقائقِ والمفاهيم والنَّظريات التي يَدرُسها التِّلميذُ بِنَموذجِ الكُرة الأرضيَّة أو الخريطة.

- لهذه الخِدمة فوائدُ مَعرفِيةٌ وسياحيَّةٌ وثقافيَّةٌ؛ خصوصًا للجيلِ الجديد مِن أبناءِ وزُوَّارِ الدَّولة للتَّعرُّف على الأسماءِ المُعتمدَة والرسميَّة للمواقع المختلفة، سواء مراكز سياحيَّة أو تِجاريَّة أو صِحيَّة أو خِدميَّة، وكيفية الوُصول إليها بطريقةٍ سهلةٍ حيثُ يمكن طِباعةُ الخرائط حسبَ الاحتياج.

خُلاصةٌ:

إنَّ التَّفاعُلَ وتنميةَ المهارات الخَرَطيةِ رهينٌ بتطويرِ الآلياتِ الديداكتيكية والبيداغوجية المُوظَّفة في الفَصل، وهذا أيضًا ينطبق على مُختلَف المُعِيناتِ التَّوضيحيَّةِ الخاصَّة بمختلَف موادِّ الاجتماعيَّاتِ التي تتطلبُ أداءً ديناميكيًّا مُشوِّقًا يساعد على الانفتاح على الموادِّ الأُخرى، ومُنطلِقًا أخطبوطيًّا على الاهتماماتِ الحيويَّة الأُخرى في إطارِ ما يُسمَّى بالكفايات المُمتدَةِ.

يَتضِحُ إذنْ مِمَّا سبق أهميةُ تدريس مهاراتِ الخرائط؛ مِمَّا يُحتِّم على أستاذ الجغرافيا بصفةٍ خاصَّة، وأستاذ مادة الاجتماعيات بصفةٍ عامَّة - الاهتمامَ بهذه المهارات في مختلَف المَراحل التعليميَّة، والعملَ على تحقيقِ فوائدِها الجَمَّة.


وأستاذ الجغرافيا الذي لا يَستخدِم الخريطة أثناءَ تدريسه، فإنَّه يُقدِّم موضوعاتٍ جافةً لا يَستوعِبُها التِّلميذُ ولا يُدركها، وبالتالي سوف تكونُ له هذه المادةُ مُملَّةً وغيرَ مُحبَّبةٍ لنفسِه، أمَّا الأستاذ النَّاجحُ، فهو الذي يقوم باختيار الخريطة المناسبة للموضوع، ويُحسِن استخدامَها أثناءَ الشَّرحِ؛ مِمَّا يُؤدي إلى إدخال عُنصرِ الإثارةِ والتَّشويق، وإكسابِ التَّلاميذِ العديدَ مِنَ الفوائد العِلميَّة والمَهاراتِ والقُدراتِ.

المراجِع المُعتمَّدة:

1- أمين هويدي: الخرائط تَكتب وتَتَكلم، مجلة العربي الكويتية، العدد556، مارس2005، ص: 21.

2- علي بوعزيز: منهجية الإنجاز الكتابي في مستوى البكالوريا /www.exhauss.ibnkhaldoun.com

3- amaran ,C , sous la direction : l’histoire et ses Méthodes : Bibliothèque de la pléiade ,Gallimard, 1961, P71§

4- عدي حسين مخلص: أهمية الخريطة التاريخيَّة وإعدادها، مجلة الصباح على شبكة (الإنترنت): www.alsabaah.com

5- الخريطة في درس الجغرافيَّة خُطُوات منهجيةٌ لتوظيف الخريطة، من إنجاز لمريني الوهابي أمينة وآخرين، أكاديمية الرِّباط، مُنسقيَّة الاجتماعيَّاتِ الرباط، يناير 1998، ص4.

6- للتوسع في الموضوع الرُّجوع لكتاب: "الفِكر الجُغرافي في التراث الإسلامي"، ألَّفه بالإنجليزية نفيس أحمد، وتَرجمه إلى العربيَّة فتحي عثمان دار القلم، الكويت 1978.

7- وليد الشوبكي: إعادة اكتشاف الجغرافيا إلكترونيًّا، مجلة العربيِّ العلميِّ، العدد 12 مايو 2006، ص: 8 - 9 بتصرف يسير.

8- حيدر، نصر حسن، 1996م، أهمية الخرائط الجغرافيَّة فيالتَّدريس، بُناة الأجيال، العدد 18، ص 72 - 76.

9- للتوسع في الموضوع الرجوع إلى: المقروئية الكارطغرافية: محمد كلاد، مجلة علوم التربية، المجلد الثالث، العدد الثاني والعشرون، مارس 2002.

10- مِنهاج مادتي التاريخ والجغرافيا، السَّنة الأولى مِن سِلك البكالوريا، مديرية المناهج، إبريل2006، ص: 34.

11- مقتطفات مِن ميثاق التربيَّة والتَّكوينِ المغربيِّ.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/50091/#ixzz2WDu20hxb

Partager cet article

Commenter cet article