Overblog
Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
Le blog d'education et de formation

أزمة القيم فى المناهج التربوية على الصعيد العالمى وانعكاساتها على التربية فى العالم الإسلامى

16 Juin 2013 , Rédigé par mohamedمحمد

أزمة القيم فى المناهج التربوية

على الصعيد العالمى وانعكاساتها على التربية

فى العالم الإسلامى

 

 

 

دراسة مقدمة إلى الندوة الدولية فى موضوع القيم الاسلامية

مناهج التربية والتعليم – تطوان – المغرب 21-23 نوفمبر 2005م

 

إعداد

د. عبد الرحمن عبد الرحمن النقيب

أستاذ أصول التربية – جامعة المنصورة

جمهورية مصر العربية
أزمة التعليم فى المناهج التربوية على الصعيد العالمى

وانعكاساتها على التربية فى العالم الإسلامى

مقدمة :

ترتفع كثير من الأصوات فى أجزاء مختلفة من بقاع الأرض منددة بوجود أزمة خلقية تهدد حضارة الإنسان المعاصر ، وتتخذ تلك الأزمة الخلقية صورا مختلفة فى كل بلد فهى أحيانا حركات تمرد من الشباب على السلطة والأعراف والتقاليد ، وهى أحيانا انغماس كامل فى اللهو والمجون والسكر والجنس ، وهى تارة أخرى حركات عنف ضد الأموال والأرواح والممتلكات ، وقد تكون كل هذا فى وقت واحد ، ويستطبيع البحث أن يرصد الشكوى من أعراض تلك الأزمة الخلقية على مستوى جميع القارات سواء فى آسيا وأفريقيا وأوربا والأمريكتين لا فرق بين قارة وأخرى ، فالكل يعانى من أعراض تلك الأزمة سواء تلك الدول الغنية المتقدمة أو تلك الدول الفقيرة النامية ، وسواء تلك الدول الملكية أو الجمهورية أم الديكتاتورية. ولقد أعطت سهولة المواصلات والاتصالات التى أثمرتها التكنولوجيا الحديثة هذه الهزات الأخلاقية صفة العالمية ، ولم يعد بمقدور مجتمع من المجتمعات إغلاق معابره أمامها أو النجاة من آثارها ، وفى خضم هذه الأزمات الأخلاقية تجد المجتمعات العربية والإسلامية نفسها أمام أعراض خطيرة من الأزمات الأخلاقية التى تهددها رغم رصيدها الهائل من القيم الأخلاقية والمناعة الاجتماعية.(1)

وتحاول تلك الورقة أن تركز على مظاهر تلك الأزمة فى الغرب وكيف حاولت المناهج الدراسية الغربية أن تعالج تلك الأزمة ، وكيف يمكن فى عالمنا العربى والإسلامى أن نعالج تلك الأزمة من خلال مؤسساتنا التعليمية المختلفة، وكيف أن أسلوب مواجهتنا لتلك الأزمة لابد أن يختلف عن الأساليب الغربية ، بحيث لا نقع فيما وقعوا فيه من عزل القيم والأخلاق عن الدين خاصة وأن ديننا الإسلامى هو " دين أخلاقى " بالدرجة الأولى .

الأزمة فى الغرب : الأسباب وأساليب العلاج :

تشترك معظم دول الغرب وعلى رأسها أمريكا فى الشعور بتلك الأزمة، ولما كان الدين المسيحى قد استبعد منذ عصر الأنوار كمصدر أساسى ترتكز عليه التربية الأخلاقية لدى مفكرى الغرب بدعوى أن المسيحية تؤمن بالخطيئة الأصلية للإنسان وبالتالى لا يمكن تحسين أخلاقه وتزكيتها ، وأيضا لأن التربية الدنيوية عقلانية تلائم العصر ، بينما التربية المسيحية غير عقلانية ومن ثم تختلف مع طبيعة الإنسان المعاصر ، فضلا عن عدم عقلانية عقيدة التثليث أصلا مما يجعل التربية الأخلاقية المسيحية مفتقرة إلى أساسها العقدى الصحيح. وأخيرا فإن تلك الأنماط التقليدية من القيم وأساليب التربية التقليدية لم يعد بمقدورها مواجهة الأزمات الأخلاقية والاجتماعية التى يواجهها الإنسان المعاصر.(2)

وليست هذه الورقة هى المكان المناسب لمناقشة مثل تلك الدعاوى ضد المسيحية والأخلاق المسيحية ومدى قدرتها على مواجهة التطور الهائل المستمر الذى أحدثته وتحدثه التكنولوجيا فى الحضارة الغربية والحياة الغربية. ولكن ما يمكن تسجيله أن المسيحية – فى الغالب – لم تعد مصدرا للالتزام الأخلاقى فى الغرب الحديث ، وأن العقل الغربى أصبح مطالبا بإيجاد مصادر جديدة للالتزام الأخلاقى ، لأن المجتمعات لا يمكن أن تعيش فى فراغ أخلاقى، بل إن الحياة فى جماعة لا يمكن أن تستقيم بدون التزام أخلاقى يحدد لها الصواب والخطأ ، والمقبول والمرفوض اجتماعيا .

وهنا تداعى فلاسفة الغرب للبحث عن مصادر للالتزام الأخلاقى تحل محل الدين ، وكان لكل مدرسة فلسفية اجتهاداتها الأخلاقية . ومن يقرأ الفلسفات الغربية المختلفة من مثالية idealism وواقعية realism ، وماركسية Marxisism ، ووجودية ExistentLism ، وبرجماتية Pragmatism يشعر بالجهد العقلى الذى بذله أصحاب تلك الفلسفات وغيرها لإيجاد مصادر للإلزام الخلقى تحل محل النصوص المسيحية التى رفضها العقل الغربى لأسباب كثيرة خاصة به .(3)

وإذا كانت الأخلاق المسيحية لم تستطع أن تشبع حاجات الإنسان الغربى للالتزام الأخلاقى ، فإن المذاهب الفلسفية أيضا لم تنجح فى ذلك، من ذلك تصاعد الوزن النسبى للقيم الفورية Cash Values التى هى الوجه المميز للعلاقات المادية فى الغرب مع تراجع القيم التى تتعلق بالبعد الإنسانى ، وشيوع الأنانية بدلا من الجماعية والإشباع الفورى بدلا من فضيلة التحكم فى الذات ... الخ ، وأمام هذه الظواهر السلبية فى الأخلاق والقيم حاول علماء التربية والاجتماع وعلم النفس وأمثالهم فى الغرب منذ عقود البحث فى أسباب هذه الأزمة الأخلاقية لتشخيصها وتحديد مظاهرها ووسائل مجابهتها ووقاية الناشئة من عدواها .

ويكاد الإجماع أن يكون تاما على أن المسئولية فى هذه الأزمة الأخلاقية إنما يقع على التربية الحديثة التى قصرت اهتمامها على وسائل الحياة دون الغايات والمقاصد ، واستهدفت المواطن المنتج أكثر من المواطن الصالح المصلح ، وعليه فإن التربية الحديثة لابد أن تعطى مجالا أوسع للتربية الأخلاقية ، وبناء على ذلك فقد تكونت لذلك مؤسسات ولجان وطنية للبحث ، ورصدت أموالا هائلة لدراسة كل ما يتعلق بالتربية الأخلاقية سواء من حيث المنهج، والمعلم ، والأنشطة ، وطرق التدريس . ويستطيع الباحث أن يتابع نتائج هذا الجهد فى كثير من المراجع والمصادر الأجنبية التى تناولت هذا الموضوع(4).

ورغم الجهد الكبير الذى تبذله تلك المؤسسات واللجان فإن قصورا شديدا تقع فيه تلك اللجان والمؤسسات ، ولا تستطيع أن تفلت منه ، وهى أنها انطلقت فى معظمها من تصور للإنسان الذى تسعى إلى إخراجه ، وهو إنسان فى الغالب لا يقبل النصوص المسيحية مصدرا للالتزام الأخلاقى وهو أيضا يرفض جميع النصوص الدينية كمصدر من مصادر الالتزام ، ويستبدل بذلك العقل أو ما اتفق عليه أغلبية أفراد المجتمع بدعوى المنفعة البرجماتية أو الجدوى الوظيفية لتلك الأخلاق المقبولة عقلا أو اجتماعا ووظيفة.

وعندما أراد الغرب أن يعمل عقله ، وما اتفق عليه أفراد المجتمع بدعوى المنفعة أو الجدوى الوظيفية فى تحديد الأخلاق التى ينبغى أن يتحلى بها الإنسان الغربى فقد وقع فى فخ عدم الاتفاق على تلك الأخلاق ، ونسبية تلك الأخلاق بل على مفهوم تلك التربية الأخلاقية أصلا حيث استخدمت مفاهيم ومصطلحات كثيرة ومتداخلة فى هذا المجال مثال ذلك : تعليم القيمة Value Education ، وتربية الشخصية Character Education ، والتربية الشخصية والاجتماعية Personal and Social Education ، وتربية المواطنة Citizenship Education ، وعلم الأخلاقيات Moralogy ، والتربية الديمقراطية Democratic Education ، والتربية الدينية Religious Education ، ومفردات أخرى كثيرة تستدعى للذاكرة بصورة رمزية برج بابل The Tower of Babel حيث يتكلم الناس بلغات مختلفة ، أو الرجال المكفوفين والفيل The Blind men and The Elephent حيث يرى كل رجل الفيل من زاوية خاصة به.(5)

وسوف أكتفى هنا بعرض نماذج لهذا الاختلاف والتعدد حول أى الأخلاق نربى عليها المواطن والتى تظهر اختلاف وجهات النظر حول المواطن حول تلك القيم باختلاف المكان : انجلترا ، كندا ، الولايات المتحدة ، على سبيل المثال واختلاف الزمان فى المكان الواحد : كوريا فى فترات تاريخية متلاحقة ، ففى بريطانيا يقدم D . Beckham - 2004 محاولة لرسم خريطة للقيم الأخلاقية فى بريطانيا Mapping Britain's Moral Values  مستندا فى ذلك على قيمة الأمانة honesty كقيمة محورية فى مجال التنمية الخلقية ، وأن الأخلاق تدعمها القاعدة الذهبية " تعامل مع الآخرين بما ترغب أن يتعاملون به معك " هذا بالإضافة إلى تنمية قيم التسامح والعدالة.(6)

وفى كندا تم التوصل إلى مجموعة من القيم الأساسية Foundational Values التى تدور حولها برامج التربية الخلقية وهى:(7)

 

الرحمة/ التعاطف

Compassion

الكياسة

Courtesy

الصبر

Patience

احترام الحياة

Respect of life

التعاون

Cooperation

الحرية

Freedom

السلام

Peace

احترام الذات والآخرين

Respect for self/ others

الشجاعة

Courage

الكرم

Generosity

احترام البيئة

Respect for the environment

الأمانة

Honesty

المسئولية

Responsibility

العدالة

Justice

الانضباط الذاتى

Discipline

الولاء

Loyalty

التواضع

Moderation

التسامح

Tolerance

 

وفى الولايات المتحدة الأمريكية تم التركيز على القيم الجوهريةCore Values المقبولة بشكل عام من جانب كل الثقافات الموجودة فى المجتمع الأمريكى والتى حددها Gibbs and Early 1994 لتشمل : (8)

 

الرحمة/ التعاطف

Compassion

الشجاعة

Courage

السلوكيات المتأدبة

Courtesy

العدالة

Fairness

الأمانة

Honesty

الولاء

Loyalty

العطف

Kindness

الاحترام

Respect

المحافظة

Perseverance

العدالة

Responsibility

 

وفى كوريا تطور منهج التربية الأخلاقية منذ عام 1954 حتى الآن ليأخذ محاور ارتكاز مختلفة بل وأحيانا مسميات مختلفة ليركز على قيم معينة حسب السياقات الثفافية والاجتماعية والاقتصادية التى يعيشها المجتمع الكورى، ويمكن إيجاز ذلك على النحو التالى:(9)

 

الفترة الزمنية

مجال اهتمامات التربية الخلقية

فى الفترة 1954 – 1963

- التربية المعرفية .

1963 – 1973

-       أخلاقيات مقاومة الشيوعية .

-       الإصلاح الاقتصادى .

-       قيم التراث .

1973 – 1982

-       ترسيخ النموذج الديمقراطى فى كوريا .

-       القيم والفضائل الداعمة للحداثة .

-       التنمية الاقتصادية .

1982 – 1987

-   تحول المنهجية الأخلاقية من مدخل " حقيبة الفضائل " إلى مدخل النمو المعرفى الأخلاقى .

-   تنمية الأحكام الأخلاقية والمناقشات الأخلاقية أفضل من التلقين الأخلاقى .

1987- 1992

-       تأكيد أساليب الديمقراطية فى الحياة .

-       التحول من مقاومة الشيوعية إلى الوحدة .

1992

-       أخلاقيات التواصل بين المجتمعات .

-       العادات الأخلاقية .

-       استقلالية الشخصية الأخلاقية .

-       طريق الحياة المأمولة لتوحيد الكوريتين وما بعد الوحدة .

وكما اختلفت دول الغرب وأمريكا حول القيم التى ينبغى أن يربى عليها المواطن فقد اختلفت أيضا حول كيف تدرس تلك القيم ؟ وكيف تقدم لطلابها ، هل يكون ذلك من خلال منهج تقديم تلك الأخلاق للطلاب ؟ أم من خلال المناهج المختلفة التى تقدم لهم من تاريخ وأدب وعلوم إلى غير ذلك من المواد الدراسية التى يمكن أن تسهم فى التربية الأخلاقية للطلاب أم من خلال الأنشطة والمناخ المدرسى الذى توفره المؤسسات التعليمية لطلابها والذى تستطيع من خلاله أن تكسب الطلاب الكثير من تلك الأخلاقيات . وأيضا هل تقدم تلك الأخلاقيات بصورة مباشرة أم بصورة غير مباشرة من خلال الحوارات والمناقشات الأخلاقية ودراسة الحالة ولعب الدور .... الخ ، ونجد فى الأدبيات التى أشير إليها فى السابق الكثير من الجدال حول تلك الأساليب التى يمكن أن تقدم التربية الأخلاقية من خلالها .

ورغم أننا نحمد للغرب ودوله أن يحاول حل أزمته الأخلاقية من خلال بحوثه ودراساته التى لا تستطيع أن تخرج عن دائرة ثقافته وحضارته الغربية العلمانية التى تهمش دور الدين فى حل تلك الأزمة ، إلا أننا لا نقبل منه أن يحاول فرض أجندته الأخلاقية على دول العالم باسم " الأخلاق العالمية " التى يحاول أن يسوقها بل وأن يفرضها على العالم بدعوى أنه لا يجوز أن يترك أمر هذه المبادئ والأخلاق رهنا بالنسبية الثقافية بل يجب فرضها من خلال المنظمات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان العالمية وأيزو الأخلاق العالمى(10). ذلك أن الغرب متمركز فى ذاته وفى حضارته العلمانية وإذا كان له مبرراته فى رفض المسيحية كمصدر للقيم والأخلاق فإنه لا يوجد لدينا نحن المسلمين مبرر واحد لرفض الإسلام كمصدر للقيم والأخلاق ، ودليلنا على ذلك " العطاء الأخلاقى " الثر لهذا الدين عبر العصور ، والنماذج الأخلاقية الفريدة التى أنتجها هذا الدين فى شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وامتداد ذلك فى العصر الحديث ويكفى أن نذكر هنا بعض الكتابات الغربية التى تشير إلى الأثر الأخلاقى للإسلام وكيف أمد الأقليات المسلمة التى تعيش فى الغرب بأخلاقيات رفيعة حمت تلك الأقليات من الذوبان فى ثقافة الغرب ومن عوامل ومظاهر الانحراف فى تلك الحضارة الغربية من خمر ومخدرات وانحراف وجنس وعنف ...الخ ، وكيف أن عقلاء القوم فى الغرب وأمريكا – من غير المسلمين – يدعون إلى الاستفادة من أخلاقيات هذا الدين العظيم الذى مكن تلك الأقليات المسلمة من تحدى كل ألوان الدمار الأخلاقى والاحتفاظ بشخصيتهم الإسلامية ومثلهم الدينية الرفيعة.(11)

إننا لا نملك إلا أن نقدر الجهود الضخمة والميزانيات الجبارة التى رصدت لبحوث ودراسات الأخلاق فى دول الغرب وأمريكا خلال العقود السابقة لإيجاد أخلاق غربية للإنسان الغربى تساعده على اجتياز مشكلته الأخلاقية ، وندعو إلى الاستفادة بكل تلك الدراسات والبحوث فى عالمنا العربى والإسلامى ، بل ونقدر أيضا البرامج الدولية التى تحاولها تلك الدول لتقديم برامج أخلاقية لأطفال العالم فى سياق " رؤية عالمية للقيم ، ونقدر جميع الأساليب التربوية المستخدمة فى مثل تلك البرامج ، وطريقة اختيار المعلمين المشاركين فى مثل تلك البرامج(12) إلا أننا لأسبابنا الثقافية المتعلقة بسلامة نصوصنا الدينية من التحريف ، وصدق وثبات تلك النصوص وعقلانيتها وقدرتها على البعث الأخلاقى والحضارى عبر العصور ، فضلا عما يتمتع به الغرب وأمريكا من غطرسة القوة وممارسة الظلم على البشر شكك فى قدرة الغرب وأمريكا على القيادة الأخلاقية للعالم ، إن حضارة الغرب فى أوج عظمته ممثلا فى أمريكا ليست هى الحضارة الأخلاقية النموذج ، وليست هى الحضارة التى يمكن أن تقود النظام العالمى الجديد إلى عالم أخلاقى أفضل ذلك لأن تلك الحضارة فى جوهرها هى حضارة الأشياء وليست حضارة الإنسان فى سموه الأخلاقى ونبل غاياته(13). ويكفى ما يعانيه عالمنا العربى والإسلامى من ظلم وقهر تلك الحضارة الغربية المتغطرسة فى فلسطين والعراق وأفغانستان ... الخ .

الأزمة فى عالمنا العربى والإسلامى : الأسباب وأساليب العلاج :

إذا كان الغرب لأسباب خاصة به قد استبعد المسيحية فى الغالب كمصدر من مصادر الالتزام الأخلاقى فإنه لا يجوز لعالمنا العربى والإسلامى أن يقع فى نفس الخطأ ، وأن يستبدل بالتربية الأخلاقية الإسلامية أى مصطلح آخر مثل: التربية المدنية ، أو التربية الوطنية ، أو التربية البيئية أو الجمالية أو غيرها من المفاهيم والمصطلحات . إن كل هذه المفاهيم والمصطلحات إنما هى جزء من المصطلح الأساسى : التربية الأخلاقية الإسلامية .

والتربية الأخلاقية الإسلامية ليست علما نكرة بين العلوم الإسلامية ، وليست الكتابات التراثية فى الأخلاق بالكتابات النادرة ، فقد تناولها بالدراسة علماء الإسلام عبر العصور من علماء حديث وتفسير وفقهاء وفلاسفة ومتصوفة ... الخ ، وقد استفادت تلك الكتابات التراثية من المصادر الأجنبية اليونانية والفارسية والهندية ، بحيث يمكن القول أن المكتبة العربية الإسلامية لا تعانى أى نقص فى تلك الكتابات كما هو شائع بل هى غنية وثرية فى هذا المجال لمن أراد الدراسة العلمية المستوعبة. (14)

والتربية الأخلاقية الإسلامية لابد أن تستمد مادتها الأولية من القرآن الكريم ، والصحيح من السنة ، وما كان عليه الصحابة والتابعين من أخلاق سامية ، ويعجبنى قول الإمام القرافى فى كتابه " الفروق : "لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم معجزة إلا أصحابه لكفوه لإثبات نبوته " لما كانوا عليه من فضل وحسن خلق " . (15)

والتربية الأخلاقية الإسلامية جزء من التربية الدينية الإسلامية التى يجب أن تقدم لطلاب جميع المدارس فى جميع المراحل التعليمية بما فيها الجامعة . وعليه فإن محاولة إلغاء تلك المادة : مادة التربية الدينية الإسلامية واستبدالها بمادة التربية الخلقية أو التربية المدنية أو غير ذلك من المسميات وكذلك جعل تلك المادة مادة غير أساسية لا يتوقف عليها رسوب الطالب أو نجاحه ، إنما يعتبر محنة أصابت التعليم العربى الإسلامى وشوهت أهم معالمه الإسلامية وأخشى ما أخشاه أن يكون وراء نزعات علمانية داخلية وخارجية قاهرة (16) .

ولقد تزعمت الدول العظمى فى العالم ( أمريكا ) حملة مكشوفة للعبث بمناهج التربية الدينية الإسلامية بدعوى أن تلك المناهج تشجع الإرهاب وكراهية الغرب واليهود وكان من الأفضل لأمريكا أن تذكر ما ورد فى تقرير " أمة معرضة للخطر " الذى أصدرته السلطات الأمريكية فى أوائل الثمانينيات من أنه : ( إذا أردت أن تنزع سلاح أمة فانزع سلاح تعليمها وإذا أرادت أمة أن تتدخل فى الشئون التعليمية لأمة أخرى فيجب أن يعتبر ذلك بمثابة إعلان الحرب عليها ) .

وبدلا من أن تحترم أمريكا إسلامنا فقد راحت تتدخل بصورة مكشوفة وعلنية فى تغيير مناهج التربية الدينية الإسلامية . وها هى على سبيل المثال تقدم دعما لباكستان مقداره (100) مليون دولار لبناء بنك معلومات عن طلاب المدارس القرآنية بهدف تأمين معلومات أساسية عن كل طالب ومدرس فى هذه المدارس ، ولفرض الرقابة على منشورات هذه المدارس ودور النشر التابعة لها ومحاولة إيجاد برامج دراسية جديدة فى هذه المدارس لم تكن تدرس سابقا وسيفرض على المدرسين الموافقة على الخضوع لدورات تدريبية لمتابعة البرامج الجديدة وسيفقد وظيفته من يعارض ذلك . وفى الجزائر استجابت وزارة التربية لذلك حيث أصدر وزيرها قرارا بحذف التعاليم والأذكار التى تلازم عملية غسل الميت وآيات وأحاديث الترغيب والترهيب بعذاب القبر وفقه الجهاد كما استبدلت الرسومات والصور التى كانت تظهر الطفل الذى يتوضأ أو يؤدى الصلاة مرتديا العباءة أو القميص الإسلامى بصورة أخرى تظهره بسروال جينز ، ولم تقف هذه الهجمة على باكستان والجزائر بل شملت العديد من الدول الإسلامية كالسعودية واليمن بحجة أن مناهج التعليم الدينى بتلك البلاد تعمل على تفريخ الإرهاب (17).

لقد أعد مجموعة من الخبراء السياسيين الأمريكيين البارزين الذى أطلق عليهم ( مجموعة الـ 19 ) تقريرا مهما تم رفعه إلى جهاز الأمن القومى الأمريكى تضمن إعداد دراسة هامة حول ما أسموه " بمفهوم الجوانب النفسية للإرهاب الإسلامى " . وقد انتهت هذه المجموعة من إعداد دراستها الشاملة بتوصيات متعددة تم رفعها إلى الرئيس الأمريكى جورج بوش الذى وافق عليها. أكدت الدراسة التى انفردت " الأسبوع " بنشر ملخص لها على أهمية الجانب النفسى للأفعال الإرهابية للعرب خاصة وللمسلمين عامة . وحذرت الدراسة من أن انطباع الصور السلبية عن الولايات المتحدة والعلاقة بينها وبين " إسرائيل " هو الذى شكل البذرة الأولى للأفعال الإرهابية العربية والإسلامية. وقالت الدراسة : إنه بات من الضرورى الآن إيجاد صيغة ملزمة للتعاون بين الدول العربية والولايات المتحدة الأمريكية فى تغيير مناهج التعليم والسياسة الإعلامية والقبول بأدوار مشتركة بين الطرفين .

وترى الدراسة أن الناحية الأهم من وجهة النظر الأمريكية تتمثل فى تغيير المناهج التعليمية التى تحض على كراهية اليهود والعالم الغربى تحديدا خاصة أن هذه المناهج تدعو صراحة إلى القيام بأفعال إرهابية من خلال تدريس مواد تحض على مفهوم يدعى " الجهاد " . وتقول الدراسة : إن هذا المفهوم – الجهاد – يحرض المسلمين على قتل أنفسهم فى مقابل تدمير وإرهاب كل ما هو غير مسلم من اليهود والمسيحيين وأن هذا المفهوم هو الذى يعكس الواقع فى " إسرائيل " لأن الإرهابيين الفلسطينيين – على حد وصف الدراسة – يتعلمون فى معتقداتهم أن من يُقتل على هذا النحو ينال رضا الله ويوفر له مكانا آمنا بعد موته .

وترى الدراسة أن القضاء على الآثار السلبية النفسية للإرهاب العربى لابد وأن يبدأ من المراحل الأولى من التعليم الأساسى ، وإلا فإن الحملة الدولية التى نقودها الآن ضد الإرهاب لن تكون سوى مسكن وقتى للقضاء على الإرهابيين لمدة 5 أو 10 سنوات قادمة ولكن ستظهر حقبة جديدة بعد ذلك يكون فيها الإرهابيون العرب أكثر شراسة وعنفا من الجيل الحالى . وتشير الدراسة إلى القول : أنه من واقع الدراسات والإحصاءات فإنه كل 15 عاما تظهر مجموعات جديدة من الإرهابيين تحمل خصائص أكثر عنفا ودموية من المجموعات التى تسبقها وأن هذه الدورة الدموية زادت وضوحا منذ عقد السبعينيات ولكنها تواجدت فعليا منذ التسعينيات .

وتقول الدراسة : إن مصر تعد المورد الرئيسى للأفكار الإرهابية العملية وتشكيل الخلايا الإرهابية وأنه من خلال مصر تتوزع هذه الخلايا لتنتشر أولا فى البلدان العربية ثم يعقبها القيام بأفعال إرهابية ضد المصالح الغربية . وتشير الدراسة : إلى أن هذه الدورة الزمنية كل 15 عاما تخضع بالأساس لعوامل نفسية متعددة يأتى فى مقدمتها الكتاب المقدس للمسلمين " القرآن " ويتضح أن هناك صعوبات عملية فى مطالبة الحكومات العربية بتغيير القرآن ولكن هناك العديد من المرجعيات الدينية يمكن أن تقوم بتفسير القرآن تفسيرا مختلفا يساعد على تنفيذ المطالب الأمريكية .

وترى الدراسة : أن التأثير الأكبر فى الدول العربية والإسلامية ينبع من مصر والسعودية تحديدا فى حين أن أدوار الدول العربية والإسلامية الأخرى هامشية وفرعية وأن السعودية يمكنها أن تلعب الدور الرئيسى من خلال ثقلها الدينى فى المنطقة ، ووجود الأماكن المقدسة للمسلمين بها فى حين أن مصر ستلعب الدور الأساسى من خلال أنها بلد الأزهر وأكبر دولة عربية تموج فيها صراعات من الأفكار الدينية بين عدة مجموعات مختلفة . كما أن المصريين يميلون إلى التدين بطبعهم . تقول الدراسة : نحن لن نستطيع أن نغير فى فحوى القرآن ولكن علينا التدخل لإفراغه من مضمونه وتطرح المذكرة عدة توصيات تطلب من الإدارة الأمريكية وضعها موضع التنفيذ وأبرزها :

1- ضرورة إلزام أصحاب المراجع والمسئوليات الدينية بالتركيز على الفروع المتعلقة بالطقوس الدينية والعبادات والعمل على أن يظل دور الدين محصورا فى العلاقة بين الفرد وربه دون أن يتطرق الأمر إلى أكثر من ذلك مع السعى إلى إبعاد المسلمين عن أى دور حضارى أو سياسى أو نضالى .

2-   ضرورة أن يكون هناك تدرج فى تغيير المناهج التعليمية بمصر والبلدان العربية وأن يشمل هذا التدرج :

   ‌أ-   مرحلة التعليم الابتدائى : بحيث يتم تغيير محتوى المادة الدينية ليطلق عليها " الثقافة الدينية " والهدف هو إعطاء صورة إيجابية عن الفضائل الأساسية للديانات اليهودية والمسيحية والإسلام والتأكيد على دور كل الأديان فى بناء الحضارة الإنسانية على أن يمتد التغيير والتبديل إلى مناهج اللغة العربية خاصة فيما يتعلق بموضوعات المطالعة والنصوص الأدبية بعد أن لوحظ أن هذه النصوص تحض على كراهية الآخرين وتصور العربى بصورة المقاتل الشرس وتحض الأطفال على تذكر تاريخهم الدموى فى الحروب ضد الآخرين مما يدفع هؤلاء الأطفال إلى عدم التعاون مع من يسمونهم أعداء .

وتقول الدراسة فى هذا الصدد : إننا سنوافق على بعض موضوعات المطالعة عن حب البلد والوطن ولكنه بالشكل الجمالى الذى يرسم الطبيعة العامة لبلادهم وسوف نحذف كل ما يثار من موضوعات أو نصوص أدبية وتاريخية هدفها بث الكراهية تجاه الغرب وكل ما هو أمريكى وأوربى أو حتى ما يخص دول الجوار " والأمر مفهوم هنا فالمقصود هو إسرائيل " . وترى الدراسة : ضرورة تغيير مناهج التاريخ وأن أفضل ما يتم التركيز عليه هو تاريخ الثورات العلمية فى العالم وكيف انتقل تطور الإنسان من مرحلة إلى أخرى والعادات والتقاليد التى كانت سائدة فى المراحل الأولى لحياة الإنسان ومدى تطور هذه العادات والتقاليد دون التطرق إلى ما سمى بمراحل الاستعمار أو تقديم القتلة على أنهم أبطال وشهداء بل يجب ترسيخ إيجابيات الحضارة الغربية ودورها الرائد لدى الشعوب العربية والإسلامية .

وهذه المفاهيم يجب أن تمتد إلى المدرسين والرواد المسئولين عن التعليم بحيث يجرى استقطابهم وحل مشاكلهم وإتاحة الفرصة أمام بعضهم لزيارة الولايات المتحدة حتى يمكن محو آثار العداء النفسى لهم تجاه السياسة الأمريكية بحيث يستطيعون التأقلم مع المفاهيم الجديدة حتى يتمكنوا من تربية التلاميذ تربية سليمة بعيدة عن لغة العداء والرؤى التاريخية غير الصحيحة لطبيعة العلاقات بين الغرب والعرب والمسلمين .

  ‌ب-  أما بالنسبة لمرحلة التعليم الإعدادى : فالدراسة ترى أن تتواصل مراحل التطوير والتغيير الذى تم البدء به فى المرحلة الابتدائية ولكن فى هذه المرحلة سيتم التركيز على المحتوى العلمى واكتساب المعارف والمهارات العلمية الجديدة ، وإلقاء الضوء على أبرز الإنجازات العالمية التى تحققت . أما بالنسبة لمحتوى المناهج الدينية فى هذه المرحلة فسيطلق عليها " حوار وتفاهم حضارات العالم " وحول هذا المفهوم ستكون الدراسة فى هذه المرحلة حيث سيجرى التركيز على أن حضارات العالم هى صاحبة رؤية مشتركة فى بناء الإنسان وأنه لابد من التزام الإنسان بالأخلاقيات القائمة فى كل حضارات العالم .

ويجب أيضا التركيز فى هذه المناهج الدينية الجديدة على إلغاء ما يتعلق بمفهوم " سلم أولويات الحضارات " أى لا يجب أن تدعى حضارة تفوقها على حضارة أخرى فكل الحضارات يجب أن يكون واضحا أنها متساوية فى نفعها للبشرية وأن المعيار الأساسى لتميز حضارة ما عن أخرى هو مدى قدمها وحداثتها وأن الحضارات القديمة هى التى شكلت البنيان الأولى للحضارات الحديثة ، وفى هذه المرحلة تقول المذكرة : يجب أن تكون اللغة الدينية مبنية على العقل والمنطق لا على النقل والتبعية للكتاب المقدس بدون تفكير وهذا فى حد ذاته سيمثل إسهاما كبيرا فى منع هؤلاء الصبية من الانخراط فى التيارات الإرهابية الشاردة .

وتقول الدراسة الأمريكية : إن القوة التى اكتسبتها الجماعات الإرهابية فى مصر والسعودية والجزائر هى نجاحها فى فرض مفهوم النقل والتبعية للكتاب المقدس والأحاديث الشريفة وألغت تماما مفهوم العقل والمنطق . وتقول الدراسة : إن الإنسان يتعرض فى هذه المرحلة الإعدادية لجملة من المتغيرات الفسيولوجية الكبرى وهذه المتغيرات إما أن تكون لصالح بناء إنسان متعاون تختفى لديه النزعات العدوانية تجاه الآخر وإما أن تكون ضده فى زيادة هذه النزعات بحيث يتحول الأمر إلى مشروع إنسان إرهابى قابل للانفجار. ولذلك فإن تدخلنا القوى فى هذه المرحلة سيولد المزيد من النجاحات المهمة للقضاء على الأساس النفسى للإرهاب .

  ‌ج-   أما عن المرحلة الثانوية : فيعترف المشروع الأمريكى أن هذه المرحلة ستكون الأولى من نوعها التى تدرس فيها موضوعات دينية خاصة بكل أصحاب ديانة على حدة ففى الصف الأول سيتعلم الطالب المفاهيم الأساسية لدياناتهم خاصة من ناحية العبادات وكيفية أدائها وشروط أدائها وفائدة هذه العبادات وفى السنة الثانية يدرس الطلاب بعض القصص التاريخية عن الأنبياء وفى المرحلة الثالثة تكون هناك نظرة فاحصة وإعادة تقييم عقلانية لبعض الأخطاء الدينية الشائعة حول عدوانية الدين الإسلامى والعلاقات مع الأمم والشعوب الأخرى والتآخى بين أصحاب الحضارات ونفس المفاهيم يجب أن تمتد إلى كتب التاريخ والمناهج الأخرى بحيث يتم دراسة ما يتعلق بآثار الحربين العالميتين الأولى والثانية على البشرية ، وكذلك تدريس الرؤية المستقبلية للتعاون بين الأمم والأفراد المتباينين فى اتجاهاتهم وانتماءاتهم الدينية .

ولم تخل الدراسة من الإشارة إلى المناهج الجامعية والتأكيد على أن المناهج الدينية لا وجود ولا أثر لها فى الجامعات . مع الإشارة إلى ضرورة أن تتشكل مجموعات طلابية للتعارف والتعاون مع مجموعات طلابية من دول العالم الأخرى وفى المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية حيث سيطلق على هذا البرنامج " برنامج التعاون الجامعى " . وفى هذه المرحلة تقول الدراسة : يجب ترسيخ النمط الاستهلاكى الأمريكى والاطلاع بنوع من الرؤية على أفضل النماذج العربية التى تحاكى النموذج الأمريكى وإعطاء أفضلية لهذا النموذج وإمداده بما يحتاج إليه ماديا ومعنويا .

وتركز الدراسة الأمريكية أيضا على : ضرورة الاعتماد على فكرة التأويل واستحداث لغة دينية جديدة فى كل مبادئ وأساسيات الدين الإسلامى فى التعامل مع العالم الغربى خاصة الولايات المتحدة ، والتأويل هو نمط من التفكير سائد لدى العديد من المجتمعات العربية ويهدف إلى إعطاء تفسير أو معنى محدد لأنواع عديدة من المسائل التى لا تتصل بالعبادات وإنما التى تحض على الكراهية والعنف والانتقام وأن التفسيرات الدينية التى سيعتمد عليها فى هذه التأويلات لابد وأن تكون إيجابية حتى يتم تعميمها بالقدر الذى تختفى معه كل الأفكار السلبية الأخرى . وتشير الدراسة إلى أن الأفكار الأمريكية المطروحة لابد أن تتم فى إطار العلاقات الاستراتيجية الأساسية بين الولايات المتحدة والدول العربية وأن هذا المحتوى لابد وأن يتم التأكيد عليه فى إطار مكافحة الإرهاب الدولى بل ولابد أن يمتد هذا الأساس إلى عقد اتفاقات ثنائية مع دول عربية أخرى إذا لم يكن هناك التزامات استراتيجية مشتركة ؛ ولذلك يجب رفض أية احتجاجات من قبل البعض على هذه السياسة الأمريكية الجديدة بادعاء أن ذلك يمثل تدخلا فى مسائل السيادة الوطنية لهذه الدول .

وأخيرا تدعو الدراسة إلى : ضرورة مقاومة ورفض قيام الدولة الدينية فى الشرق الأوسط ؟ لأنها تمثل مرتعا أساسيا لنمو الجماعات والتيارات الإرهابية كما أن هذه الدولة ستقوم بتركيز مناهجها التعليمية على الدين الإسلامى ومن خلال القرآن والأحاديث الشريفة ، ولذلك تبقى إيران والسودان من الدول التى يجب إسقاط أنظمتها كما يجب التدخل بشدة لإجبار السعوديين على التخلى عن تطبيق الشريعة الإسلامية فى البلاد . وهكذا رفعت الدراسة إلى الرئيس الأمريكى بوش فصدق عليها لكنه قرر تأجيل إبلاغ الدول العربية بها وإلزامها بالتنفيذ إلى ما بعد ضرب العراق وتغيير نظام الحكم حتى تجد الأنظمة العربية نفسها مرغمة على القبول بتنفيذ التوصيات كاملة أو أن المتغيرات التى ستطال دولا عديدة فى المنطقة بعد اسقاط الحكم فى العراق من شأنها أن تدفع بتنفيذ المخطط بأكمله من خلال عناصر تدين بالولاء للسياسة الأمريكية(18).

وأمام تلك المخططات العالمية الشرسة ينبغى أن يكون لنا كتربويين بالذات رؤية علمية واضحة لكيفية مواجهة هذا الخطر الذى يهددنا فى أعز ما نملك : الثراء النظرى والتطبيقى الذى نملكه فى مجال الدين والأخلاق ، وضرورة أن نبرز ذلك وأن نقدمه لأبنائنا وللعالم كله بطريقة فعالة ومؤثرة .

إذ رغم غزارة الإنتاج فى مجال التراث الأخلاقى فإن معظم القيم الواردة فى هذا التراث فى حاجة إلى مضامين جديدة منها على سبيل المثال قيم الحرية والعدالة والمساواة والثقة فى الغير والتسامح مع الآخرين ، كما أن هناك فروعا أخلاقية جديدة : مثل أخلاق البيئة وأخلاق البيولوجى وأخلاق المعلومات وأخلاق الإنترنت تحتاج أن تجد مكانها فى شجرة الأخلاق الإسلامية . وأخيرا فإن الأخلاق الفردية لا ينبغى أن تكون هى محور الأخلاق، بحيث تتغيا الأخلاق الخلاص الفردى بل إن الأخلاق الجماعية التى تتعلق بصلاح المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ووحدة الأمة ونهوضها لابد أن تجد مكانها فى دروس الأخلاق الإسلامية.(19)

وإذا كنا نؤكد على أهمية مادة التربية الدينية الإسلامية كأحد مصادر التربية الأخلاقية الإسلامية إلا أننا لا نغفل دور جميع المواد التعليمية الأخرى المقدمة للمتعلم . ذلك أن جميع تلك المواد والمعارف يمكن أن تسهم فى التربية الأخلاقية للمتعلم . وقد كفتنا دراسة خالد الصمدى : القيم الإسلامية فى المناهج الدراسية ، مشروع برنامج لإدماج القيم فى التعليم الأساسى ، كيف يمكن أن تسهم مقررات التاريخ والعلوم والآداب والفنون والجغرافيا واللغات.... الخ فى التربية الأخلاقية للطلاب(20) . يضاف إلى ذلك محاولة " أسلمة العلوم والمعارف والصرف " ، التى تتبناها كثير من مؤسسات الأمة وعلى رأسها المعهد العالمى للفكر الإسلامى، ذلك أن نجاح ذلك المشروع سوف يعتبر رافدا هاما من روافد التربية الأخلاقية الإسلامية ، ومطلبا ضروريا لإيجاد إنسان القرآن والسنة وهو الإنسان القادر بالفعل على القيادة والريادة الأخلاقية العالمية بالمعنى الصحيح(21).

ومهما كانت محتويات المنهج غنية وثرية ، فإن الأمر يحتاج إلى أساليب عرض جديدة لتلك المحتويات لا تكتفى بالكتاب ولا بالمحاضرة ، بل تعطى عناية للإخراج الفنى لكتب التربية الدينية الإسلامية من حيث ما ينبغى أن تشتمل عليه من رسوم وصور وخرائط وأسئلة ومناقشات ومراجع ومواقع إنترنت ..الخ بما يحقق أهداف المنهج بصورة أفضل ، وبجوار المحاضرة ينبغى الاستعانة بالوسائل التعليمية المتعددة من لوحات عرض وصور ورسوم وخرائط وسجلات صوتية وأشرطة فيديو وأفلام تسجيلية ونماذج ومجسمات وزيارات ميدانية .. الخ .

كذلك فإن المعلم لابد أن يستغل الظروف والمواقف المختلفة لتقديم التفسيرات التى تساعد على غرس الفضائل الأخلاقية ، كما يستطيع أن يعرض نماذج من السلوكيات الأخلاقية المرغوبة من دروس السيرة ودرس الآداب والتاريخ وغيرها من المناهج المقررة ، ويمكنه أن يعرض لنماذج من الأزمات الأخلاقية الوطنية والعالمية يتبعها المناقشة لإيجاد الحلول الأخلاقية لتلك الأزمات ، ويستطيع إدارة حوار أخلاقى حول مشكلة أو موقف أخلاقى ، كما يمكنه أن يشجع الطلاب على كتابة مقالات أخلاقية أو المشاركة فى عمل صحيفة مدرسية ذات توجه أخلاقى أو تكوين جماعة للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أو مساعدة المحتاجين أو نظافة المدرسة والحى إلى غير ذلك من الأساليب التى يمكن أن تستخدم فى حصص التربية الأخلاقية دون الاعتماد على أسلوب المحاضرة والإلقاء فقط كما هو المعتاد حاليا فى حصص التربية الدينية الإسلامية .

كذلك فإن التربية الأخلاقية للطلاب لابد أن تتم من خلال الكثير من الأنشطة المدرسية التى يمارس فيها الطلاب تلك السلوكيات الإسلامية المطلوبة مثل جماعة المكتبة وجماعة الإذاعة والصحافة والتمثيل والإنشاء والثقافة والمعارض والخطابة ... الخ ، يضاف إلى ذلك مناخ مدرسى تسوده العلاقات والسلوكيات الإسلامية الصحيحة ، ويجد فيه الطلاب النماذج الأخلاقية القدوة فى جميع المجالات : العلمية والصحية والروحية والاجتماعية.

وحتى يتم نجاح التربية الأخلاقية الإسلامية فلابد لها من إعداد معلم التربية الدينية الإسلامية الذى ينبغى أن تتوفر لديه معرفة شرعية كافية ، وإدراكا لقضايا العصر والأمة ، وقدوة سلوكية ، وروح رسالية ، وللأسف فإنه لا توجد فى بلادنا حتى الآن – حسب علم الباحث – مؤسسة تربوية قادرة على إيجاد هذا النوع من المعلمين الرساليين . والموجود حاليا إما خريجو الجامعات الشرعية الذين لا يجيدون فن التربية ، أو خريجو الكليات التربوية الذين لا يجيدون العلوم الشرعية ولا يمتلكون الروح الرسالية فى الغالب .

من هنا تأتى الحاجة الماسة إلى ضرورة وجود مؤسسة شرعية تربوية متخصصة فى إعداد معلم التربية الدينية الإسلامية القادر على القيام بتلك الوظيفة فى ظل التحديات الكثيرة التى تواجهها الأمة ، واختيار تلك الكوادر من أكثر الطلاب ذكاءا وتوفير جميع الظروف المادية والأدبية التى تؤهلهم للقيام بدورهم القيادى الدينى والأخلاقى سواء خلال فترة الإعداد أو ما بعده .

وأخيرا يبقى أكبر تحدى على الإطلاق يواجه التربية الأخلاقية الإسلامية فى عالمنا العربى والإسلامى وهو : هل يمكن أن يوجد ذلك كله : مناهج إسلامية ، معلم ، أنشطة ، مناخ مدرسى وتعليمى إسلامى فى ظل حكومات ومسئولين لا يؤمنون فى الغالب بأهمية التربية الدينية الإسلامية ودورها الفاعل فى مواجهة تحديات العصر . ورغم إيماننا القوى بالدور الهائل الذى يمكن أن تقوم به الحكومات والمسئولون لنجاح التربية الدينية الإسلامية ، إلا أن ذلك لا يلغى عندنا دور التربويين ودور المعلمين ودور الآباء ودور الدعاة أو يقلل من أدوارهم لنجاح تلك التربية الدينية الإسلامية التى هى أمانة فى أعناق الجميع أمانة يسألون عنها أمام الله ورسوله والمؤمنين .

والعجيب من أمر هذا الدين العظيم أنه رغم نقص وعيوب المناهج الشرعية المقدمة لطلابنا الآن . ورغم ندرة وجود المعلم الرسالى الذى يعيش من أجل رسالته ورغم عدم وجود المناخ التعليمى المشجع على الالتزام الإسلامى(22) ، فما يزال هذا الدين يكافح ويخوض معركة البقاء أمام الهجمات العاتية التى تأتيه من الداخل والخارج ، ومازال هذا الدين قادرا على تقديم الأجيال التى تحمل رسالة الإسلام تعيش له وبه وتقدم روحها راضية فى سبيله.

خاتمة :

لقد حاولنا فى الصفحات السابقة أن نوضح كيف أن الأزمة الأخلاقية إنما هى أزمة عالمية تشمل عالمنا المعاصر كله . ثم عرضنا كيف حاول الغرب وأمريكا أن يواجه تلك الأزمة من خلال دراساته وبحوثه التى تنطلق فى الغالب من روح علمانية تؤمن بالعقلانية ، والنفعية ، واجتماعية الأخلاق ووظيفتها الوطنية والقومية كل ذلك بعيدا عن الدين فى الغالب ، وكيف أن تلك الجهود لم تحقق المأمول وتنتج لنا الغرب الأخلاقى الذى يمكن أن يقود سفينة العولمة الأخلاقية .

ثم توقفنا عند تلك الأزمة الأخلاقية فى عالمنا العربى والإسلامى وكيف أنها تنبع من عدم الالتزام بقيمنا الإسلامية الصحيحة بمصادرها الثابتة من قرآن وصحيح سنة وقدوة صالحة عبر العصور ، وكيف يمكن صياغة مناهج للتربية الأخلاقية الإسلامية ، ذات محتوى عصرى وتقدم بأساليب عصرية من خلال معلم رسالى وأنشطة مدرسية ومناخ تعليمى مناسب مع الإشارة إلى أهمية أسلمة العلوم والمعارف فى تحقيق تلك التربية الأخلاقية الإسلامية .

لقد أكدت الورقة على أن الغرب بزعامة أمريكا غير قادر لأسباب تعود إلى ثقافته العلمانية على قيادة العالم أخلاقيا ، وأن المسلمين هم البديل الحضارى الأخلاقى إذا استطاعوا بالفعل أن يقدموا نظرية كاملة فى إنسان القرآن والسنة ، وما ينبغى أن يتحلى به من أخلاق إنسانية عالمية ، وكيف يمكن أن يكتسب عمليا تلك الأخلاق . وبدون ذلك فلا يلوم المسلمون إلا أنفسهم إذا عجزوا عن ذلك ، وتقدم الغرب بنظرياته وفلسفاته الأخلاقية يريد أن يغزو العالم بتلك الفلسفات والأخلاق باسم " أيزو الأخلاق " أو " الأخلاق العالمية " .

توصية الدراسة :

بناءاً على كل ما سبق فإن الدراسة توصى بضرورة ألا تنتهى تلك الندوة الدولية إلا بتكوين لجنة من الشرعيين والتربويين تكلف بإعداد دراسات متعمقة حول وضع التربية الدينية الإسلامية فى عالمنا العربى والإسلامى ، وإعداد برامج عصرية جديدة لجميع مراحل التعليم تتوفر فيها جميع المواصفات العلمية والفنية المناسبة ، ورصد الميزانيات الكافية لإنجاز مثل هذا العمل العلمى الهام الذى يمكن الأمة من تجاوز كل المخططات الخارجية التى تريد النيل من هويتها العربية الإسلامية الخالدة .

هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد .

 

المرجع والمصادر
1-   ماجد عرسان الكيلانى : اتجاهات معاصرة فى التربية الأخلاقية ، دار البشير ، عمان ، 1991 ، ص 5 .
2-       Paul . H – Hirst : Moral Education in Secualr society , London , University of London press , 1974 , PP 17 , 18 , 23 .
3-   محمد السيد الجلنيد : فى الفلسفة الخلقية لدى مفكرى الإسلام ، مكتبة نهضة الشرق ، جامعة القاهرة ، 1990 ، ص 3 – ص 64 ، بوشنسكى: الفلسفة المعاصرة فى أوربا . ترجمة عزت قرنى ، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والحقوق والآداب ، الكويت ، سلسلة عالم المعرفة رقم 165 ، 1992م ، سعيد إسماعيل على : فلسفات تربوية معاصرة ، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، سلسلة عالم المعرفة رقم 198 ، 1995م .
4-   اشتملت دراسة ماجد عرسان الكيلانى المشار إليها فى ( 1 ) على كثير من هذا الجهد الغربى الأمريكى فى هذا المجال .
5- عبد الودود مكروم : "طرق وأساليب التربية الخلقية فى السياق الثقافى المعاصر" فى : القيم فى الفكر الغربى ، رؤية وتحليل ، دار الفكر العربى ، نقلا عن :
-          M . W . Berkowitz : Integrating structure and content in moral Education Paper presented in the meeting of American Educational Research Association chicago , 1997 , P . 14 .
6-   المرجع نفسه نقلا عن :
-          D . Becham : Mapping Britians Moral Values , http://www.facing the challenge ,org / Nestles .htm , 2004 .
7-   المرجع نفسه نقلا عن :
-          D- Santor : “ American Experience : Transcending pluralism “ in Education for Values : Morals , Ethics and Citizenship in Contemporary teaching , Edited by : R . Garder ( et – al ) U.K , Kogan Paul 2000 ,pp. 323 – 332 .
 
8-   المرجع نفسه نقلا عن :
-          D. Purpel : “ Values Education in united states of Amerrica “ in Values in Education , edited by , J . Slephenson ( et – al ) N.Y . Routledge , 1998 , PP . 197 – 208 .
9-   المرجع نفسه نقلا عن :
-          B . Chu , J . Park , J . D . Hoge : Moral Education : The Korean experience , Korea , Kyungsung University , 1996 .
10-  نبيل على : الثقافة العربية وعصر المعلومات ، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب ، الكويت ، سلسلة عالم المعرفة رقم 276 ، 2001م ، ص 406 .
11-    راجع فى ذلك دراسة عضو الكونجرس الأمريكى غير المسلم كنموذج لتلك الكتابات
Paul Findley : Silent no more , Amana publication , U.S.A , 2001 .
12-    عبد الودود مكروم : القيم فى الفكر الغربى – رؤية وتحليل ، مرجع سابق.
13-  يمكن مراجعة الكثير من الشهادات ضد تلك الحضارة فى عبد الرحمن النقيب : التربية الإسلامية المعاصرة فى مواجهة النظام العالمى الجديد ، دار الفكر العربى ، 1997م ، ص 9 ، ص 44 .
14-  راجع مثلا على سبيل المثال : على زيعور: ميادين العقل العملى فى الفلسفة الإسلامية الموسعة : الأخلاق والتربية والسياسة والاقتصاد والتدبير والأدائية ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت 2001 ، على خليل أبو العينين : " مقدمة فى مفهوم الأخلاق الإسلامية وأصالتها فى الفكر الإسلامى " دراسة مقدمة إلى دورة مناهج البحث التربوى فى الدراسات العليا بمركز صالح عبد الله كامل – جامعة الأزهر الشريف ، القاهرة ، 23 – 27 / 7 / 2000م .
15-    ذكره عبد الفتاح أبو غدة : الرسول المعلم وأساليبه فى التعليم ، مكتب المطبوعات الإسلامية ، 1996 ، ص 14 .
16-  يرجع فى ذلك : عبد الرحمن النقيب : فى كيف نعلم أولادنا الإسلام بطريقة صحيحة ، دار السلام ، القاهرة ، 2005 ، ص 5 – 20 ، ص 197 – 216 .
17-  محمود عبده احمد فرج : تعليم الدين الإسلامى للناطقين بغير العربية، رؤية مستقبلية ، مؤسسة الاخلاص للطباعة والنشر ، بنها ، مصر ، 2003 ، ص ص 84-85.
18-  لمزيد من الإطلاع على أبعاد تلك المخططات أنظر السيد عمر : الخريطة الاداركية الراهنة للتعليم الدينى السعودى المصرى فى أمتى فى العالم ، مركز الحضارة والدراسات السياسية ، القاهرة عام 2002، سليمان ابراهيم العسكرى : بيان للمثقفين الأمريكيين : دعوة للحوار أم الحرب ، مجلة العربى يونيو 2002 ، مصطفى بكرى : خطة واشنطن لتغيير المناهج التعليمية فى مصر والعالم العربى ، جريدة الأسبوع ، القاهرة فى 2/12/2002
19-    نبيل على : الثقافة العربية وعصر المعلومات ، مرجع سابق ، ص ص 402 – 475 .
20-  خالد الصمدى : القيم الإسلامية فى المناهج الدراسية ، مشروع برنامج لإدماج القيم فى التعليم الأساسى ، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ، ايسيسكو 2003م .
21-  فى إسلامية المعرفة راجع : المعهد العالمى للفكر الإسلامى ، إسلامية المعرفة ، المبادئ العامة ، خطة العمل – الإنجازات ، المعهد العالى للفكر الإسلامى – فيرجينيا – الولايات المتحدة الأمريكية ، 1992م .
22-  لمعرفة حظ شبابنا من الالتزام الإسلامى راجع : عبد الرحمن النقيب : بعض القوى والعوامل المؤثرة على التدين الإسلامى لدى الشباب الجامعى دراسة ميدانية ، دار الفكر العربى ، القاهرة ، 1983م ، بحوث فى التربية الإسلامية ، الكتاب الثانى ، دار الفكر العربى ، القاهرة ، 1982 ، ص ص 145 – 168 .

Partager cet article

Commenter cet article